ترزح هذه المنظمة تحت وطأة العقوبات الأميركية، وتتأرجح بين ضرورة التغيير والإحجام عنه
واجهت الجماعة الإسلامية، الفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين، على مرّ العقود ظروفًا لم تواجهها معظم نظيراتها في بلدان أخرى. فبسبب تنوّع لبنان، وحجم الجماعة المتواضع وثقلها السياسي المحدود، لم تجذب اهتمامًا سياسيًا كبيرًا، الأمر الذي جنّبها التعرّض لضغوطٍ من السلطات. وقد ركّزت الجماعة أنشطتها على الشباب والتواصل الدعوي، فيما امتنعت عن التعبئة السياسية الطموحة.
لكن ذلك ولّد أيضًا استياءً لدى أنصار الجماعة، نظرًا إلى عجزها عن تحقيق مكاسب سياسية ملموسة في ظلّ فراغٍ طال أمدُه في الطائفة السنّية. هذا الأمر مهّد الطريق لتغييرٍ محوريّ في الجماعة في أواخر العام 2022، حينما أعادت هيكلة بنيتها، فوضعت أولوياتٍ جديدة، وانتخبت قيادةً جديدة، إذ تولّى الشيخ محمد طقوش منصب الأمين العام. وقد عكست الأحداث المحلية والإقليمية، ولا سيما عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مدى عمق هذا التغيير. فانتقال القيادة دفع الجماعة إلى الاقتراب أكثر من حماس، وأصبحت مقاومة إسرائيل هدف الجماعة الأول وبوّابتها الرئيسة لتأمين النفوذ الداخلي، بشكلٍ يشبه إلى حدٍّ كبير فكرَ حزب الله ونهجَه.
وعلى خلاف ما فعلته الجماعة في العام 2006، حينما شاركت في مقاومة إسرائيل بقدراتٍ محدودة وبعيدًا عن الأضواء، نفّذت في العامَين 2023-2024 عملياتها بصورة أكثر وضوحًا، ما أثار اهتمامًا إعلاميًا أكبر. لكن التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين إسرائيل وقوات الفجر، أي الجناح المسلح للجماعة، ناهيك عن التفاوت بين إسرائيل وحزب الله، بالرغم من قدراته العسكرية، سرعان ما بدّد حماسة الجماعة للخوض في الصراع المسلح. يُضاف إلى ذلك أن الجماعة لم تستطع تحويل هيكلها التنظيمي إلى ما يشبه هيكل حزب الله أو حماس، حيث تُعَدّ التعبئة العسكرية والمقاومة قضية محورية. نتيجةً لذلك، لم تتمكّن الجماعة من الحفاظ على زخم الحرب مع إسرائيل، وسرعان ما أرغمتها الخسائر البشرية الفادحة التي تكبّدتها على إنهاء عملياتها العسكرية، حتى قبل التصعيد الإسرائيلي الملحوظ الذي بدأ في أيلول/سبتمبر 2024. ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أن إسرائيل لم تشنّ هجومًا شاملًا على الجماعة، إذ لم تتعرّض مقارّها وشخصياتها الرئيسة للاستهداف، باستثناء تلك المنخرطة في الحرب.
مع ذلك، لم تترك إسرائيل الأمور عند هذا الحدّ، بل أعادت أيضًا إحياء عداوات قديمة في نيسان/أبريل 2025، حين اغتالت الشيخ حسين عطوي، القيادي الذي كان له تاريخ طويل في قتال القوات الإسرائيلية. وفي وقتٍ سابق من الشهر الحالي، في 9 شباط/فبراير، اختطف الإسرائيليون في المنطقة الحدودية عطوي عطوي، المسؤول البارز للجماعة الإسلامية في حاصبيا ومرجعيون، ورئيس بلدية الهبارية السابق، الذي يُعدّ من الشخصيات القليلة المتبقّية من رعيل الجماعة الأول الذي قاتل إسرائيل. وقد جاء هذا الاختطاف بعد مرور فترةٍ وجيزةٍ على إقدام الولايات المتحدة على إدراج الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في 13 كانون الثاني/يناير، وعلى تصنيفها “كيانًا إرهابيًا مصنّفًا تصنيفًا خاصًا”، حتى في ظلّ بدء الاستعدادات للانتخابات النيابية التي ستُجرى في أيار/مايو.
جاء ذلك في مرحلةٍ عصيبةٍ للجماعة، التي واجهت تحدّيات كبيرة خلال العام الماضي، في ظلّ غياب الهيكل التنظيمي والمرونة السياسية اللازمَين للتكيّف مع ذلك. وكان من بين التحدّيات توقيف شبّان منتمين إلى الجماعة في تموز/يوليو من العام الماضي، بتهمة إدارة معسكر تدريب عسكري في قضاء عاليه. فقد فشلت قيادة الجماعة في الوقوف إلى جانب هؤلاء الشبّان أو ضمان إطلاق سراحهم سريعًا، إذ ظلّوا رهن الاحتجاز لمدة شهرَين، على الرغم من أن الجيش اللبناني أسقط لاحقًا التّهم المتعلّقة بالإرهاب الموجّهة إليهم.
وتجد الجماعة نفسها اليوم في موقعٍ شديد الضعف بين إسرائيل التي اختطفت مسؤولًا بارزًا فيها من دون اشتباك، من جهة، والدولة اللبنانية التي اعتقلت أعضاء منها، من جهة ثانية. ومن جهة ثالثة، تخضع جماعة الإخوان المسلمين في كلٍّ من لبنان ومصر والأردن لعقوبات أميركية. وهذه العقوبات هي الأقسى في الحالة اللبنانية، إذ طبّقت واشنطن تصنيفَي “منظمة إرهابية أجنبية” و”كيان إرهابي مصنّف تصنيفًا خاصًا”، وفرضت عقوبات على أمين عام الجماعة، بينما صُنّف فرعا الجماعة المصري والأردني فقط على أنهما “كيانان إرهابيان مصنّفان تصنيفًا خاصًا”.
تميل المنظمات في مثل هذه الظروف عادةً إلى إعادة تقييم أوضاعها، ورسم مسار جديد لها، إلا أن الجماعة لم تغيّر طريقة عملها بصورة جذرية، باستثناء تراجعها عن الأنشطة العسكرية. فهي لم تُجرِ أيّ تغييرات كبيرة في هيكلها أو مسارها السياسي، وكأنها لم تستوعب ما كان يحدث. بدا واضحًا أن قيادة الجماعة لم تكن مستعدّة لفعل ذلك، وذلك أساسًا لأنها لم تُرِد التخلّي عن السلطة. مع ذلك، تُواصل الجماعة التشديد على اعتدالها الديني والسياسي، مؤكّدةً انفتاحها على مختلف الأطراف السياسية، ما يعكس رغبةً في تجنّب تصنيفها على أنها امتدادٌ لحزب الله، مع البقاء في منطقة رمادية، حيث لا هي متحالفة مع حزب الله تمامًا ولا مُعارِضة له.
والواقع أن تأثير الوضع الحالي، إلى جانب العقوبات الأميركية، يزداد وضوحًا يومًا بعد يوم. فقد أعلن النائب الوحيد للجماعة، عماد الحوت، مؤخّرًا أنه سبق أن طلب في العام 2022 إعفاءه من مهامه التنظيمية، وأنه يعتزم خوض الانتخابات بصفته مرشّحًا مستقلًّا. يُشار إلى أن العقوبات الأميركية المفروضة على الجماعة دفعت أطرافًا سياسيةً لبنانيةً أخرى إلى العزوف عن الدخول في تحالفات انتخابية معها، مع بقاء حزب الله الاستثناء الأبرز. وهكذا، حتى لو لم تغيّر الجماعة مسارها بشكل جذري، يبدو أنها تعيد تقييم مقاربتها للانتخابات بما يتيح لها النظر في تحالفات انتخابية جديدة.
لكن السؤال الأساسي يبقى التالي: إن لم تحدث تغييراتٌ مُجدية في هيكل الجماعة، أو قيادتها، أو خطابها، أو علاقاتها السياسية، هل ستكون قادرةً على التحرّر من وطأة العقوبات الأميركية؟ وهل سينخرط مرشّحوها في تحالفاتٍ جديدة في الانتخابات المقبلة؟ أم هل ستجد الجماعة نفسها، في ظلّ غياب أيّ تغيير، أمام خيارٍ وحيدٍ، وهو التحالف الكامل مع حزب الله؟
