حول مسألة احترام الولايات المتحدة للقانون الدولي، بعد الهجوم على فنزويلا واعتقال الرئيس مادورو وزوجته، نَدَّدَ كثيرون بانتهاك واشنطن للقانون الدولي. ليس فحسب بشأن هجومها على كاراكاس، وإنما في قيامها بهجمات مماثلة على دول أخرى. إن مسألة عدم احترام القانون الدولي هي مسألة خطرة، ومزعجة في أحيان عديدة، لكن ليس في جميع الأحيان. هذه هي طبيعة القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، المليئة بالمثالب المعيقة لعديد من التدخلات الضرورية. فمثلما هناك تخوف من قيام الكبار بابتلاع الصغار، هناك تخوف أيضا من فشل الصغار في الحفاظ على حقوقهم في ظل ظلم الكبار.
طبيعة القانون الدولي والميثاق الدولي وسيطرة الدول الخمس الكبار على القرارات المصيرية في ظل تضارب المصالح بينهم، أوجدَ هذا الوضع الخطر والمريب والمزعج. فمثلما قامت روسيا بمحاربة أوكرانيا واحتلت أراضيها، قامت أمريكا بفك الشعب العراقي وشعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الكويتي، من تهديدات صدام حسين.
هذه الإزدواجية غير قابلة للحل في ظل الوضع الراهن للقانون الدولي. ولاشك أن مسؤولية إصلاح هذا الوضع أو الإبقاء عليه واستمراره تقع على جميع الدول.
هناك تجارب كثيرة تؤكد صحة تدخل دول كبرى عسكريا لتعديل وضع خاطئ وإنقاذ شعوب عانت من قمع وحشي كبير بعيدا عن ظلم القرارات الدولية. على سبيل المثال، التدخل الأمريكي في كوسوفو وفي أفغانستان وفي العراق. لماذا تجاوزت أمريكا القرارات الدولية هناك، السبب واضح وصريح وهو أن آلية اتخاذ القرارات كانت تعرقل إنقاذ الشعوب، على الرغم من أن ذلك التجاوز يصب في المحصلة في مصلحة الدولة التي تدخلت عسكريا، وهي هنا الولايات المتحدة.
إن ما يسميه البعض “قانونَ الغاب”، في تعليقٍ على عدم مراعاة واشنطن للقوانين الدولية في بعض تحركاتها العسكرية، يمكن أن يكون حاضرا في حالتين: حاضرا عند من يُعرقل (من الدول الكبرى) القرارات الدولية الساعية إلى إنقاذ الشعوب القابعة تحت ظلم حكومات وأنظمة قمعية. كذلك حاضرا عند من يبحث عن “اللاواقعية” في معالجة الوضع الخاطئ، ويطالب بقبول القرارات الدولية أيا كانت نتائجها المأساوية على الشعوب. فمثلاً، لو فشلت آلية القوانين الدولية في جلب قرارات تسمح ببدء عملية عسكرية لطرد القوات العراقية من الكويت عام 1991، هل كان يمكن للكويتيين المناهضين لأمريكا، أن يرفضوا تجاوز الولايات المتحدة وحلفائها لتلك القرارات وإقدامها على خطوة تحرير الكويت من القوات العراقية؟ هل كانوا سيقبلون بهذا التجاوز، أم كانوا سيصرّون على احترام قرارات الشرعية الدولية الرافضة لخطوة الهجوم العسكري ما قد يؤدي ذلك إلى استمرار الاحتلال؟
الكثير ممن عارضوا العملية العسكرية الأمريكية ضد مادورو، اعتبروا مصير الرئيس الفنزويلي شأناً داخلياً يخُص الفنزويليين! بينما، في واقع الأمر، لم يكن مادورو مجرد دكتاتور مستبد متفنن في تزوير الانتخابات وفي إغراق الإقتصاد في مستنقع المشاكل بحيث أن أي مسعى لمعالجة ذلك يعتبر تدخلاً في شأن داخلي يخص الفنزويليين. وهو كان مساهما نشطا في دعم الإرهاب العالمي، وفي الإتجار بالمخدرات العالمية، وفي اللعب على وتيرة غسيل الأموال العالمي، هو جزء من معسكر الشر المؤثر على السلم الدولي. وبالتالي لا يمكن ربط مصيره فحسب بالداخل الفنزويلي، على الرغم من معاناة الداخل من سياساته التي تعكس تعدّيه على حقوق ملايين الفنزويليًين. إن معاناة الشعب الفنزويلي لا تختلف كثيرا عن معاناة كل الشعوب القابعة تحت ظلم أنظمة وحشية. وحين متابعة موقف المعارضة الفنزويلية من العملية الأمريكية ضد مادورو سنشاهد وبوضوح قبول الفنزويليين وفرحهم بما حدث له، وهذه دلالة مهمة جداً على رفض الفنزويليين لنظامه وحكمه وبأن التدخل الأمريكي حقق أهدافا اعتبروها أخلاقية وإنسانية.
هي خطوة شبيهة بفرح العراقيين بسقوط صدام حسين ونظامه.

فبعد الهجوم الأمريكي على العراق في 2003 بعيدا عن استناد ذلك إلى القرارات الدولية، سعت واشنطن لنشر الديمقراطية في هذا البلد، باعتبار أن تدخلها جزء من عملية عسكرية ذات أبعاد مختلفة ومنها البعدين الأخلاقي والإنساني. غير أن هذا المسعى فشل إلى حد ما، حتى الآن على الأقل. وهذا لا يعني أن تجربة تغيير نظام صدام حسين ستؤول إلى دكتاتورية جديدة. ما نتلمسه من الوضع في العراق الراهن هو وجود صعوبة في تسريع وتيرة تحقيق هذه الديمقراطية وفي تثبيت دعائمها في ظل مستوى الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي، ومن شأن تراكمات هذه العملية أن تفضي إلى وضع أفضل في المستقبل. ظروف العراق اليوم تعكس وجود تحرك تراكمي نحو الديمقراطية، لكنه يحتاج إلى سنين أو عقود من العمل حتى يستقر أمر الديمقراطية فيه. إنها ضريبة التحوّل من وضع دكتاتوري إلى آخر ديمقراطي.
ديمقراطية العراق المريضة تحتاج إلى جراحة صعبة وطويلة ولا يمكن علاجها بمسكنات فورية، هي بحاجة إلى مشرط دقيق وتسكين ثقافي واجتماعي طويل الأمد. ومن ثم، ليس الأمريكان من يتحملون وحدهم فشل الديمقراطية في العراق اليوم، إنما تقع المسؤولية الكبرى على عاتق العراقيين بالدرجة الأولى. وما عسانا هنا إلّا أن نشكر الدور الأمريكي والسعي الأمريكي لتبديل الدكتاتورية إلى ديمقراطية في العراق.
لقد وصف الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس” تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو ضد صربيا بأنه تدخل غير قانوني ولكنه ضروري أخلاقيا. وقال المفكر الأمريكي “مايكل والزر” إنه في السياسة والعلاقات الدولية، وفي قضية التدخل الإنساني، لا ينبغي أن يستند كل شيء إلى مبادئ أخلاقية مطلقة فحسب، فالأخلاق والمصالح متداخلتان دائما.
ومن الأمثلة على ذلك دفاع الهند عن بنغلاديش ضد التدخل الباكستاني، والذي أدى إلى قيام دولة بنغلاديش، وتدخل تنزانيا في أوغندا، والذي أدى إلى الإطاحة بدكتاتورية عيدي أمين.
إن الهيكل الحالي لمجلس الأمن، الموروث من الحرب العالمية الثانية، يعيق اتخاذ قرارات فعّالة في مجال التدخل الأخلاقي والإنساني، نظرا لاستخدام بعض الأطراف حق النقض (الفيتو). ويضرب “والزر” مثالًا على مجزرة رواندا الكبرى، حيث وقف 5000 من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة مكتوفي الأيدي لعدة أشهر، واكتفوا بمراقبة مجزرة راح ضحيتها 800 ألف شخص، وذلك بسبب تقاعس مجلس الأمن عن اتخاذ قرار. بعبارة أخرى، ليس عدم التدخل فضيلة دائما حسب “والزر”، ولا يُفضي بالضرورة إلى نتائج أخلاقية.
إقرأ أيضاً:
ردّاً على فاخر السلطان: إما قانون دولي يُحترم، أو فوضى يدفع ثمَنَها الجميع
هَلَّلتُم لاعتقال “صدام”.. فلماذا اعتقالُ مادورو “بلطجة”!
