خاص بـ”الشفّاف”
لا ينبغي التعامل مع الرسائل الأخيرة التي وجّهها دونالد ترامب بشأن الشرق الأوسط، ولا سيما مطالبته اللاعبين الأساسيين — وفي مقدمتهم السعودين وقطر — بدفع ثمن فوري للتطبيع مع إسرائيل، باعتبارها مجرد مبالغة خطابية. فهي تبدو أقرب إلى مناورة استراتيجية: إخراج اللاعبين الرئيسيين في المنطقة إلى العلن، وإجبارهم على اختيار مواقعهم، وتهيئة الشروط لتوجيه ضربة حاسمة إلى الحرس الثوري الإيراني.
هذا هو المنطق الحقيقي الكامن خلف حملة الضغط للتطبيع مع اسرائيل. فالصيغة القديمة للشرق الأوسط — ممارسة المراوحة العربية، والعزلة الإسرائيلية، والتوسع الإيراني — استنفدت أغراضها. فإذا كانت الولايات المتحدة تستعد لمواجهة الجمهورية الإسلامية مرة أخرى، فلا بد أولاً من توضيح النظام الإقليمي. فالغموض، في هذا التصور، لم يعد فضيلة بل أصبح عبئاً.
إن المملكة العربية السعودية هي موضوع الاختبار الأساسي. فقد سعت الرياض طويلاً إلى الحفاظ على هامش للمناورة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن وطهران، وفي الظلّ مع القدس. لكن رسالة ترامب توحي بأن عصر التوازن الاستراتيجي قد يكون في طريقه إلى نهايته. وقد يجد السعوديون أنفسهم قريباً أمام خيار واضح: هل يريدون البقاء متفرجين حذرين، أم الخروج إلى العلن والاصطفاف بصورة أكثر وضوحاً إلى جانب إسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني؟
سيكون ذلك تحولاً كبيراً. فالاصطفاف السعودي العلني مع إسرائيل لن يغيّر فقط الصورة الدبلوماسية. بل سيعزز جبهة إقليمية ضد إيران، ويزيد الضغط على الجمهورية الإسلامية، ويرسل إشارة بأن أكثر الملكيات العربية نفوذاً اختارت مستقبل ما بعد نظام إيران بدلاً من لعبة التوازن القديمة.
اما قطر فهي جزء من هذه المعادلة أيضاً. فقد بنت الدوحة سياستها الخارجية على المرونة، والوساطة، والغموض الانتقائي. لكن في منطقة تزداد استقطاباً، قد يصبح هذا الموقف أكثر صعوبة في الاستمرار. فإذا خلصت واشنطن إلى قناعة مفادها أن دول الخليج استفادت من الحماية الأميركية بينما تجنبت الانضباط الذي يفرضه الاصطفاف، فقد تجد تلك الدول نفسها مكشوفة أمام تبعات تجدد الحرب.
نهج ترامب فظّ، لكنه ليس فاقداً للمنطق. فهو يبدو مؤمناً بأن سلاماً أقوى يتطلب، أولاً، ردعاً أقوى. والضربة الجدية للحرس الثوري الإيراني لن تكون غاية في ذاتها، بل الوسيلة التي يُعاد من خلالها ترتيب رقعة المنطقة، وتغيير ميزان القوى، وإجبار العرب على اتخاذ خيارات أوضح.
لم تكن اتفاقيات أبراهام يوماً مجرد اتفاقات رمزية. لقد كانت جزءاً من محاولة لبناء هندسة إقليمية جديدة تتمحور حول الردع، والتطبيع، والمصلحة المشتركة في احتواء إيران. وإذا كان لتلك الهندسة أن تستمر، فقد تحتاج إلى أن تُدعَّم بالقوة قبل أن تتوسع بالدبلوماسية.
والسؤال الأعمق هو ما إذا كانت الرياض مستعدة لتلك اللحظة. فولي العهد السعودي يدرك حجم الرهانات: فالاستقرار مع إيران يتم إضعافها قد يفتح الباب أمام تسوية إقليمية أكثر ديمومة، لكن ذلك لن يحدث إلا إذا كان السعوديون مستعدين للتحرك علناً الآن ولتحمل الكلفة السياسية. تلك هي المقامرة التي يبدو أن ترامب يخوضها. فهو لا يَعِدُ بالسكينة. بل يحاول خلق نظام جديد انطلاقاً من معادلة أكثر حزماً.
إذا نجحت هذه المقاربة، فقد تكون النتيجة تحولاً فورياً في ميزان القوى نحو توحيد تحالف مناهض للحرس الثوري الإيراني، بما قد يقود في النهاية إلى انتصار دائم وسلام مستقر. أما إذا فشلت، فستُترك المنطقة أمام مواجهة أكثر قسوة. لكن في كلتا الحالتين، الرسالة واضحة: لقد شارفت أيام السماح للجميع بالمراوغة بينما تتحمل واشنطن العبء على نهايتها
