بكل المقاييس تقريبًا، يمثّل مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع في لبنان أحد أبرز التدخلات في الأزمة المصرفية التي يشهدها البلد منذ تجميد الودائع عام 2019.
موقد انصبّ معظم الجدل الذي أثاره المشروع على مسألة من سيتحمّل الخسائر: الدولة، أم مصرف لبنان، أم المصارف التجارية، أم المودعون. إلا أنّ إحدى أهم النتائج المترتبة على مشروع القانون لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام الذي تستحقه.
فقد يُحدث القانون تغييرًا جذريًا في الحوافز التي تواجه المودعين.
فعلى مدى ما يقارب سبع سنوات، لم يكن أمام المدخرين اللبنانيين سوى خيارات محدودة للغاية. إذ كان بإمكانهم إبقاء ودائعهم محتجزة داخل النظام المصرفي، أو بيعها في السوق الثانوية مقابل خصم كبير، أو انتظار الحكومات المتعاقبة لتقديم خطة تعافٍ لم ترَ النور قط.
لكن قانون الفجوة المالية (Gap Law) يضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة.
فبموجب الصيغة الحالية لمشروع القانون، فإن بعض الودائع بالدولار الأميركي التي أُنشئت بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، سواء عبر تحويل الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي أو من خلال شراء شيكات مصرفية بالدولار تم تداولها بخصومات كبيرة، لن يُعترف بها بالضرورة بقيمتها الاسمية. وبدلًا من ذلك، سيُعاد احتساب تلك الودائع وفق أسعار الصرف التي كانت سارية في وقت إنشائها.
إن أسعار التحويل المقترحة لافتة جداً :
- من 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى 31 كانون الأول/ديسمبر 2020: 50,000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي.
- عام 2021: 35,000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي.
- عام 2022: 30,000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي.
- اعتبارًا من 1 كانون الثاني/يناير 2023 وحتى دخول القانون حيّز التنفيذ: 18,000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي.
وفقًا للقانون، يُفترض أن تصبح الدولارات “طازجة” (Fresh Dollars) بمجرد إقرار قانون الفجوة (GAP Law). ومع ذلك، فإن “الوديعة” ستظل خاضعة لقيود لأنها ستُسدَّد على مدى سنوات عديدة، ولذلك ستظل تُعتبر “لولارات” (Lollars) ويتم تداولها بخصم عن قيمتها الاسمية. وقد لا يتمكن المودعون من الوصول إليها فورًا، وذلك بحسب حجم ودائعهم في المصرف.
والنتيجة المترتبة على ذلك واضحة ومباشرة.
قد ينتهي الأمر بأن يعترف المصرف بدولار مصرفي أُنشئ في عام 2023 بقيمة لا تتجاوز خُمس القيمة التي يعكسها سعر الصرف المرجعي المصرفي في يومنا هذا.
لنفترض أنك حوّلت ليرات لبنانية إلى رصيد مصرفي بقيمة 100,000 دولار أمريكي خلال عام 2023.
بموجب مشروع القانون، قد يُعاد احتساب هذا الرصيد على أساس 18,000 ليرة لبنانية للدولار بدلًا من 89,500 ليرة لبنانية. ومن الناحية العملية، لن يعترف القانون إلا بحوالي 20% من القوة الشرائية التي يعكسها اليوم سعر الصرف المرجعي المصرفي (18,000 ÷ 89,500 ≈ 20%).
لنأخذ مثالًا آخر. تخيّل أنك حوّلت الليرات اللبنانية إلى دولارات مصرفية في عام 2022 لأنك كنت تخشى انهيار العملة. كنت تعتقد أنك بذلك حميت مدخراتك. لكن بموجب قانون الفجوة المقترح، قد تُقيَّم تلك الدولارات على أساس 30,000 ليرة لبنانية لكل دولار. ومع ذلك، لا تزال هذه اللولارات المعترف بها اليوم قادرة على شراء أسهم في بورصة بيروت باستخدام قيمة تقارب 89,500 ليرة لبنانية للدولار. وبالنسبة لكثير من المودعين، قد يكون هذا الفارق وحده سببًا كافيًا للتحرك قبل أن تتغير القواعد.
لذلك، بينما يدرس مجلس النواب الاعتراف ببعض الودائع على أساس 18,000 و30,000 ليرة لبنانية للدولار، لا يزال هناك سوق آخر يُقيّم هذه الأرصدة المصرفية المعترف بها بطريقة مختلفة تمامًا.
بورصة بيروت
حتى يومنا هذا، ما يزال بإمكان أصحاب ما يُعرف بـ«اللولارات» المعترف بها استبدالها بالأوراق المالية المدرجة في البورصة باستخدام سعر الصرف المرجعي المصرفي المعتمد من مصرف لبنان، والبالغ نحو 89,500 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد.
إن حجم هذا التفاوت استثنائي.
فالدولار المصرفي نفسه، الذي قد يُعترف به قريباً بموجب القانون على أساس 18,000 ليرة لبنانية للدولار، أو وفق أسعار مخفّضة أخرى، لا يزال قادراً على شراء أسهم مدرجة في البورصة باستخدام تقييم يقارب 89,500 ليرة للدولار.
هذه ليست مجرد مفارقة محاسبية، بل إنها تخلق حافزاً اقتصادياً بالغ القوة.
قبل عدة أسابيع، كنت قد طرحت أن على المودعين اللبنانيين التفكير في استبدال أرصدتهم المصرفية المجمّدة بملكية أصول منتجة، مع اعتبار شركة “سوليدير” المثال الأوضح. وقد استند ذلك الطرح آنذاك إلى جودة الأصل؛ فالمطلوب المصرفي المحتجز هو في نهاية المطاف مطلوب من نظام مالي معسر، بينما يمثل السهم المدرج في البورصة ملكيةً في شركة تمتلك أصولاً أساسية يمكن تحديدها.
إن مشروع “قانون الفجوة المالية” يعزز حجَّتي بدرجة كبيرة.
فلم تعد القضية تقتصر على جودة الأصل فحسب، بل أصبحت تتعلق أيضاً بالتقييم الذي لا يزال بإمكان المودعين من خلاله استبدال أصل بآخر.
فإذا أقرّ مجلس النواب، في نهاية المطاف، الاعتراف ببعض الودائع التي أُودعت بعد عام 2019 على أساس 18,000 ليرة لبنانية للدولار، في حين تواصل بورصة بيروت قبول تلك اللولارات المعترف بها على أساس سعر يقارب 89,500 ليرة للدولار، فإن السوق ستكون قد خلقت نافذة من الفرص يصعب على المستثمرين العقلانيين تجاهلها.
ولا تقتصر التداعيات على شركة “سوليدير” وحدها.
فكل شركة مدرجة في بورصة بيروت تصبح عملياً وسيلة محتملة يستطيع المودعون من خلالها تحويل مطالباتهم المصرفية المجمّدة إلى حصص ملكية، قبل أن يتغير الوضع القانوني لتلك المطالبات.
ومن المفارقات أن التشريع الذي يهدف إلى معالجة الأزمة المصرفية في لبنان قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى تسريع خروج الأموال من النظام المصرفي، ليس عبر السحوبات النقدية التي لا تزال إلى حد كبير مستحيلة، وإنما من خلال شراء الأسهم.
فالأسواق تستجيب للحوافز.
وقانون الفجوة المالية يغيّر تلك الحوافز.
وإذا أُقرّ القانون بصيغة قريبة من مشروعه الحالي، فقد يُذكر في نهاية المطاف ليس فقط باعتباره التشريع الذي وزّع الخسائر، بل أيضاً لأنه خلق، من دون قصد، أقوى حافز منذ عام 2019 أمام المودعين لاستبدال ودائعهم المصرفية المجمّدة بأصول مدرجة في البورصة.
وفي محاولته تحديد قيمة الدولار المصرفي، ربما يكون مجلس النواب قد ذكّر المودعين بأنهم لا يزالون أحراراً في تقرير ما الذي يفضّلون امتلاكه بالفعل.
