أولًا: الانطلاقة والمهام
إن العودة إلى لحظة التأسيس والانطلاقة تكشف الفارق الشاسع بين الأهداف المعلنة قبل سبعة عقود ونيّف، وبين الأهداف الراهنة والمستقبلية لحركة فتح. ففي حين تمحورت الأهداف الأولى حول تحرير الوطن من الكيان الصهيوني وإقامة جمهورية ديمقراطية علمانية، بات محور المهام اليوم بناء دولة فلسطين في إطار الشرعية الدولية والمرجعيات القانونية ذات الصلة.
بين بدايات الماضي والواقع الراهن، جرت مياه جارفة وسُفكت دماء غزيرة، وما زالت الحالة الفلسطينية نازفة، فيما الأفق مفتوح على احتمالات خطِرة ومعلنة من الجانب الإسرائيلي. في المقابل، تحاول السلطة الوطنية الفلسطينية الوصول إلى نقطة توازن تُنهي مخاطر التهجير والضم والتهويد ومحاولات التصفية النهائية للمسألة الوطنية.
إن الواقع المُعاش اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية يفرض مهام مباشرة، تضع الإنسان الفلسطيني أولًا، وتُعطي الأولوية لتمكينه من البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على الوجود الإنساني والمجتمعي على أرضه، بما يسمح له بمواصلة صموده… صموده لا أكثر.
وعند مقارنة هذه المهام بشعارات قوى «الإسلام السياسي» وبعض أطراف «اليسار القومي»، تتبدّى الأبعاد الخطيرة لأزمة العقل السياسي الفلسطيني الراهنة، كما تتضح طبيعة المهام الثقيلة التي تنتظرنا في المرحلة المقبلة، إذا أردنا الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى خانة الفعل السياسي المؤثر على المسرح الإقليمي والدولي، في لحظة تعيش فيها البشرية جنون العظمة، وتصاعد التطرّف، وهيمنة أكثر الاتجاهات وحشية وقدرة على القتل المنهجي والتدمير الشامل.
إن الاحتفال بلحظة الانطلاقة لا ينبغي أن يكون طقسًا احتفاليًا فقط، بل مناسبة للمكاشفة النقدية الذاتية، ولقراءة التحول النوعي العميق في طبيعة المهام التي تواجه حركة فتح في قادم الأيام. كما يفترض أن يكون مدخلًا لاستخلاص عِبر التجربة، وإنتاج خريطة طريق راهنة ومستقبلية، قائمة على الشراكة الواسعة، لا على الإملاء والتكليف.
ثانيًا: بين السلطة وفتح
في تجربة المؤتمر السادس لحركة فتح، المنعقد في بيت لحم عام 2009، جرى سحب التقرير السياسي الذي وزّعته اللجنة التحضيرية، واستبداله بنسخة معدّلة قبيل انعقاد المؤتمر. ومن قارن بين النسختين، يدرك أن ثمة تراجعًا في عدة مواقع، لصالح العودة إلى تعريف المرحلة بوصفها مرحلة تحرر وطني، بما يعكس استمرار الخطاب القديم المنتمي إلى عالم القطبين ودول عدم الانحياز وحركات التحرر، على حساب مضامين سياسية حملتها النسخة الأولى، أقرب إلى توصيف الحالة الفلسطينية كحركة استقلالية، ومهمتها المركزية بناء الدولة المستقلة.

وهكذا حُسم الجدل مجددًا لصالح فلسفة حركات التحرر، في وقت كانت فيه الحالة الفلسطينية قد انتقلت إلى تموضع استراتيجي جديد، عقب انتفاضة الحجارة وإعلان وثيقة استقلال فلسطين عام 1988. بينما تتطلب مهمة بناء الدولة، ضمن القوانين الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير، إعادة صياغة الحركة الوطنية باعتبارها حركة استقلالية تستند إلى القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وهو مصدر قوتها الحقيقي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في انتفاضة الحجارة، حين نجح شعبنا في تحقيق انتصار نوعي عبر تحييد القوة العسكرية الإسرائيلية وإبطال مفعولها، بدل الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة. وهذا ما يفسّر حتى اليوم التباين، وأحيانًا التعارض، بين منهجيات السلطة الوطنية الجديدة وبين الإرث النضالي للحركة، بوصفها الحامل التاريخي لمشروع الدولة، أو بتعبير آخر «حزب السلطة».
ثالثًا: فتح ومهام المرحلة المقبلة
اللحظة الراهنة هي أكثر اللحظات حاجةً إلى مبادرات سياسية كبرى، منتظمة، وذات إيقاع متناغم مع مصالح الناس، كي تعود حركة فتح رافعةً للنضال السلمي من أجل الدولة، كما كانت رافعة للثورة في زمن الكفاح المسلح.
إن المهام المعقّدة لبناء الدولة في عالم أحادي القطب، هي أشد صعوبة من أي عمل عسكري عنيف، لا يحصد سوى تضحيات المقاتلين والمدنيين معًا، كما نشهد اليوم في غزة. في المقابل، برهن شعبنا منذ عام 1993 حتى لحظة انقلاب حركة حماس على الشرعية، عن قدرات كبيرة في البناء والتطوير والتحديث، قبل أن تُرفع راية العنف مجددًا بعيدًا عن أي هدف سياسي مباشر يخدم مصلحة الناس.
وقد جاءت تجربة «طوفان الأقصى» لتدمّر ما تم بناؤه، وتمنح إسرائيل الذريعة لاستخدام كامل قوتها القمعية في حرب إبادة مستمرة.
وبعد كل ما شهدته العين وسمعته الأذن في غزة والضفة ولبنان، يصعب تصور أن ثمة كادرًا فتحويًا ما زال يطربه إيقاع العنف والعنف المضاد، ولم يُدرك بعد أن قادة شعبنا غادروا هذا المربع منذ عقود، باستثناء قلة قليلة.
إن مستقبل شعبنا مرهون بالقدرة على بناء سياسات حداثية جديدة ومتطورة، وتلك هي المهمة التاريخية الملقاة على عاتق حركة فتح في عامها الجديد.
*


