أدى سقوط مرتفعات “علي الطاهر” بيد إسرائيل إلى انتقادات من المتشددين الإيرانيين ضد المفاوضين، الذين أبرموا “اتفاق التفاهم” مع واشنطن، في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما جرى تقديم البند المتعلق بلبنان في الاتفاق باعتباره انتصارًا، فيما يقول المدافعون عنه الآن إنه متوقف منذ شهرين.
وتعرضت المرتفعات، التي تطل على مدينة النبطية في جنوب لبنان، والتي لطالما اعتُبرت موقعًا استراتيجيًا لحزب الله، لهجمات إسرائيلية مكثفة هذا الأسبوع. وفي وقت متأخر من ليل الخميس 10 سبتمبر (أيلول)، دمرت انفجارات منشآت تحت الأرض، قال الجيش الإسرائيلي إنها تضم مراكز قيادة وأنفاقًا للأسلحة تمتد لأكثر من كيلومترين.
وخلال ساعات، تحولت خسارة المرتفعات إلى قضية داخلية في إيران. ويرى المتشددون أن إسرائيل ما كانت لتتمكن من السيطرة عليها لو لم تُقيّد طهران نفسها بتوقيع الاتفاق مع الولايات المتحدة في 18 يونيو الماضي.
وقد نص الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في إسلام آباد، في بدايته على التزام الجانبين بوقف العمليات العسكرية فورًا وبشكل دائم على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، كما أشار صراحة إلى سيادة لبنان وسلامة أراضيه.
وقالت إيران بعد ذلك إن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان سيشكل انتهاكًا للتفاهم، وإنها سترد عليه.
لكن إسرائيل استأنفت قصف لبنان بعد أقل من يوم على توقيع الاتفاق. وأوقفت إيران مؤقتًا المحادثات اللاحقة في سويسرا، كما أغلقت مضيق هرمز لفترة وجيزة، لكنها لم ترد عسكريًا في لبنان.
وكان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين في إسلام آباد، محمد باقر قاليباف، قد وصف مرارًا منذ ذلك الحين إدراج لبنان في الاتفاق بأنه انتصار لطهران. وهذه التصريحات تحديدًا، في ظل الدخان المتصاعد فوق “علي الطاهر”، هي التي يستشهد بها منتقدوه الآن.
تصفية حسابات سياسية
حذرت صحيفة «شرق» الإصلاحية، في تقرير نشرته الأربعاء الماضي بعنوان «الاستقطاب تحت الاسم الرمزي لعلي الطاهر»، من أن الهجمات الإسرائيلية تُستغل في «تصفية حسابات سياسية داخلية».
وكتبت الصحيفة: «إن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان والخلاف حول مرتفعات علي الطاهر، بدلاً من أن يتم تقييمهما فقط في ضوء الحقائق على الأرض، خلقت مجددًا الظروف للاستقطاب ومهاجمة المفاوضين والتفاهم الإيراني-الأمريكي المبرم في 18 يونيو الماضي».
وقالت «شرق» إن بعض المنتقدين يتهمون المفاوضين بأنهم، من خلال البند الأول في الاتفاق، «باعوا» حزب الله، أو على الأقل تخلوا عن دعمه بشكل فعّال. وتكتسب هذه الاتهامات قوتها من حقيقة أن المسؤولين الإيرانيين كانوا قد قدموا هذا البند نفسه باعتباره الآلية التي تحمي الجبهة اللبنانية.
قاليباف في مرمى الانتقادات
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، كانت المواجهة أكثر حدة، وكان قاليباف هدفها الرئيسي.
وكتب أحد الحسابات: «أي خيانة أكبر كان يمكن أن يرتكبها قاليباف حتى يستحق المحاكمة؟»، مضيفًا أن الحوثيين في اليمن كانوا محظوظين لأنهم لم يضعوا أنفسهم تحت سيطرته، «وإلا لما كان مصير اليمن أفضل من جنوب لبنان».
وطرح مستخدم آخر موقف المتشددين كاملاً قائلاً: «في اليوم التالي لوقف إطلاق النار، تعرضت 300 نقطة في لبنان للقصف خلال 10 دقائق. لقد منعتم الرد بحجة المفاوضات. ومنعتم مرارًا شن هجوم رادع وفشلتم في الحفاظ على استمرارية وتنسيق مختلف جبهات المقاومة. المسؤولية تقع عليكم».
واتهم مستخدم آخر المسؤولين الإيرانيين بالسماح للاتفاق بمنع الرد العسكري، قائلاً: «هل هناك أي سبب لفشل إيران في شن رد كبير على إسرائيل في اللحظة الأخيرة، باستثناء إصرار المسؤولين على الالتزام بتلك الورقة عديمة القيمة والسخيفة والحيلولة دون انهيارها؟ إذا كان هناك سبب آخر، فأخبرونا به حتى نعرفه نحن أيضًا».
الدفاع عن قاليباف
رد معسكر قاليباف بأن “الاتفاق الميت” لا يمكن تحميله مسؤولية حرب مستمرة.
وكتب محمد سعيد أحديان، الصحافي والمساعد السياسي لقاليباف، على منصة «إكس»: «منذ نحو 60 يومًا، لم يُنفذ الاتفاق الذي فرض قيودًا».
وأضاف: «خلال هذه الفترة، لم يقدم بعض الأشخاص سوى حلول غامضة ووهمية، ومع ذلك يقولون إن الاتفاق، الذي يزعمون أنه مات، هو المسؤول عن سقوط علي الطاهر. كفى هذه اللعبة السياسية الداخلية المدمرة».
أما أحد المدافعين الآخرين، وهو وحيد حاجي بور، فجادل بأن سقوط المرتفعات كان نتيجة انهيار الاتفاق، وليس نتيجة بنوده، قائلاً: «الآن اذهبوا وواصلوا إهانة قاليباف. بهذا، أنتم تجعلون نتنياهو أكثر سعادة».
لكن هذا الدفاع يتضمن إقرارًا بحد ذاته. فالبند الذي وصفه قاليباف بأنه انتصار، لم يعد، وفقًا لما يقوله مساعده، ساريًا منذ شهرين.
وعليه فإن الجدل في طهران لا يدور حول ما إذا كان البند المتعلق بلبنان قد حمى حزب الله، إذ لا يدعي أي من الطرفين الآن أنه فعل ذلك، وإنما حول من يتحمل المسؤولية عن عدم نجاح هذا البند في حماية حزب الله.
