من المفارقات أن أحد أخطر التبعات لهذه الحملة قد يكون تآكل الردع تجاه إيران، وتحديداً فقدان “السيف المعلق” الضمني فوق طهران كلما فكرت في التقدم نحو امتلاك قدرات نووية.
لسنوات طويلة، كان أحد العوامل الرئيسية التي كبحت نظام الملالي برئاسة خامنئي عن الاندفاع الصريح نحو القنبلة النووية هو الخوف من أن يؤدي ذلك إلى شن حملة عسكرية واسعة النطاق، لا تقتصر على تدمير قدرات إيران فحسب، بل تهدد بقاء النظام نفسه.
ومن منظور طهران، فقد خاضت إيران الآن بالضبط مثل هذه المواجهة ونجت منها.
والأهم من ذلك أن الصراع كشف عن القيود الكبيرة التي تواجه كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة في أي حملة مستقبلية ضد إيران: التردد في إرسال قوات برية، والقيود على الذخائر المتاحة، والاعتماد الاستراتيجي والعملياتي العميق لإسرائيل على الولايات المتحدة.
في الوقت ذاته، ربما خلصت إيران إلى أن قدرتها على تهديد أو تعطيل مضيق هرمز – وبالتالي إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد العالمي تمنحها نفوذاً إكراهياً لا يجرؤ الغرب على تحديه بشكل حاسم.
ومن المهم الإقرار بأن إيران صمدت أمام هجوم عسكري غير مسبوق من حيث حجم النيران الموجّهة إليها، ومع ذلك ظل النظام متماسكاً ولم ينهَر. هذه الحقيقة قد تدفع طهران إلى الاعتقاد بأن مصداقية الردع لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة قد تضررت بشكل جوهري.
ومن المرجح أن يتعزز هذا الإدراك بعد الانتخابات الأمريكية، خاصة تحت إدارات أمريكية مستقبلية جديدة قد تكون أقل رغبة في الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران. من وجهة نظر طهران، فإن صمود إيران خلال الصراع قد يكون قد حطم هالة الردع الإسرائيلي-الأمريكي الساحقة.
تكمن المفارقة في أن الردع كان أكثر فعالية حين ظل غامضاً وغير مختبر. أما وقد استخدمت القوة العسكرية فعلياً، فقد أظهرت حدود القدرة الإكراهية الغربية تجاه إيران، أكثر مما أظهرت قوتها.
هذا تطور بالغ الخطورة. ومن الدلائل على ذلك أن إيران تبنت – بحسب التقارير – مواقف أكثر تشدداً في المفاوضات بعد الحرب مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع. فقدان ورقة الردع قد يقنع القيادة الإيرانية في النهاية بأن هذه هي اللحظة المناسبة للتحرك نحو قدرات نووية، معتقدةً أن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة تمتلكان الإرادة ولا القدرة على منعها.
المشكلة الأساسية تكمن في أن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة كانتا مستعدتين – أو ربما قادرتين – على الذهاب إلى أقصى مدى في مواجهة إيران. وبدلاً من ذلك، اعتمدتا على متغيرات خارجية، سواء اضطرابات كردية أو عدم استقرار داخلي للنظام أو آمال في حدوث تفكك سياسي داخل إيران بدعم أحمدي نجاد، كوسائل بديلة توفر عليهما الحاجة إلى قوات بشرية هائلة واحتمال حملة طويلة تمتد لأشهر أو سنوات.
وبمجرد انهيار هذه الافتراضات، لم يتبقّ سوى حملة جوية. ورغم أنها كانت مثيرة للإعجاب تكتيكياً، إلا أن إنجازاتها تبدو متواضعة مقارنة بالضرر الاستراتيجي الذي نجم عن كشف الحدود الحقيقية للقدرات الإسرائيلية والأمريكية في عيون الإيرانيين.
من منظور طهران، لم تظهر الحرب هيمنة غربية ساحقة، بل كشفت بالأحرى عن الحدود الفعلية لما تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة فعله عسكرياً ضد إيران، ومدى استعدادهما لذلك.
هذا بحد ذاته قد يعد أحد أخطر النتائج طويلة الأمد لهذه الحملة بأكملها. ومن شأن ذلك أن يدفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى العودة إلى إعادة تقييم الطريقة التي يمكن بها إعادة بناء الردع ضد إيران في الظروف الراهنة.
دا:ني سيترينوفيتش (Danny (Dennis) Citrinowicz) الرئيس السابق لفرع إيران في المخابرات العسكرية الإسرائيلية
