وفق معلومات متداولة، هناك أدلة تشير إلى أن طلاب حوثيين درسوا العلوم الدينية الخاصة بالمذهب الشيعي الاثنى عشري في حوزات ومعاهد دينية في مدينة “قم”، ما يعني وجود تَوَجُّه لدى الجماعة الحوثية للتقرّب الديني والسياسي والأيديولوجي من إيران عن طريق تغيير أفرادها للمذهب الزيدي واعتناق المذهب الإثتى عشري. مع ذلك، ينبغي التفريق بين وجود طلاب حوثيين في “قم” وأنّ قياداتٍ من الصف الأول في جماعة أنصار الله الحوثية قد درست هناك.
التقارير تقول إن مئات من الطلاب الحوثيين درسوا في “جامعة المصطفى العالمية” في “قم” (والجامعة هي مؤسسة تعليمية دينية مقرها في “قم” ، وتختص بتعليم الطلاب من خارج إيران)، وأن برامجهم شملت العقائد الاثني عشرية ومبادئ الثورة الإيرانية. كذلك تشير التقارير إلى أن بعض هؤلاء الطلاب عادوا إلى اليمن وانخرطوا في نشر الأفكار التي تلقوها، بما في ذلك التصوُّر الاثني عشري والقِيَم المرتبطة بالثورة الإيرانية. لكن هؤلاء لم يكونوا من القيادات الحوثية.
تقارير أخرى تتحدث عن إقامة “عبد الملك بدر الدين الحوثي” في “قم” في مرحلة من حياته، لكنها لم تؤكد خوضه التعليم الديني هناك. مع ذلك، ارتبطت القيادة الحوثية منذ وقت طويل بإيران وبالمؤسسات الدينية الإيرانية، بحيث أن التواصل بين الطرفين لم يكن مجرد علاقة عسكرية. لكن لم يكن واضحا هل الهدف من ذلك تحويل “الزيديين” إلى “اثني عشرية”؟
يمكن تصوّر مسار الوجود الحوثي في إيران، من خلال ثلاث نوافذ: الأولى تمثلت في ذهاب الفرد اليمني المنتمي إلى المذهب الزيدي إلى “قم” لدراسة الفقه والعقيدة الاثني عشرية، ثم التعرّف على نظرية “ولاية الفقيه” السياسية، وبعدها التعرّف على نموذج الثورة الإيرانية.
النافذة الثانية تمثلت في عودة هذا الفرد الزيدي إلى اليمن ومزج ما تعلَّمَهُ مع “الزيدية”، ثم نشر خطاب “المقاومة” و”الاستكبار”، وهو ما تكون نتيجته تغيّر بُنيته الفكرية وتأثير ذلك على الحركة الحوثية.
أما النافذة الثالثة فتمثلت في ظهور حركة ليست اثني عشرية إيرانية خالصة ولا زيدية تقليدية، وإنما حوثية/ زيدية مُعاد تفسيرها، مطعّمة بأفكار إثني عشرية بنموذج الثورة الإيرانية لكن بمشروع سياسي يمني خاص. وهذا، حسب المحللين، يفسّر لماذا أصبح لدى الحوثيين بعض العناصر الفكرية التي تبدو أقرب إلى إيران من الزيدية التقليدية التاريخية، من دون أن تتحول القيادة رسميا إلى مذهب الاثني عشرية.
مع ذلك، فإن وجود طلاب حوثيين في “قم” لا يثبت، مثلا، أن عبدالملك الحوثي أو القيادة الحوثية تؤمن بنظرية ولاية الفقيه أو تتبع المرشد الإيراني دينيا. بل ربما تكون إيران قد قامت بتعليم وتدريب كوادر حوثية، وأدخلت في مناهجهم مفاهيم الثورة الإيرانية والاثني عشرية والمقاومة، بينما احتفظت القيادة الحوثية بمشروعها الزيدي/الهاشمي الخاص.
فوجود كوادر دينية حوثية درست في “قم” داخل “جماعة أنصار الله” يعني أن الارتباط بإيران ليس فقط سلاحا وتمويلا، وإنما توجد أيضا شبكة تُصعِّب عملية الانفصال بين الطرفين.
لكن قائمة القيادات الحوثية المعروفة التي يمكن إثبات دراستها في “قم” تحديدا ليس معلوما. كما أن هناك خلطا بين “حوثي درس في إيران” و”قيادي حوثي درس في حوزة قم”.
فحسب ما هو متداول، هناك مئات الحوثيين يدرسون في “جامعة المصطفى“، لكن لا توجد إثباتات موثقة تؤكد قيام قيادات حوثية عليا بالدراسة في إيران وتحديدا في “قم”.
فهناك مصادر، خصوصا تلك التابعة للمعارضة الإيرانية وبعض الصحافة العربية، تقول إن بدر الدين الحوثي ونجليه حسين وعبدالملك أمضوا فترة في “قم” وفي مدن إيرانية أخرى، وأن عبدالملك أمضى أكثر من عام. لكن لا توجد تأكيدات بأن عبدالملك درس في “جامعة المصطفى” كحقيقة مؤكدة. بل بعض المصادر تخلط بين زيارة إيران والإقامة فيها، وبين الدراسة في الحوزة أو الدراسة في “جامعة المصطفى”.
ويؤكد مثال القيادي “عصام العماد”، مساهمة القيادات الحوثية في انتقال الفكر الاثني عشري الإيراني إلى البيئة الحوثية.
فعصام في هذا الإطار أهم من كثير من القيادات العسكرية للجماعة. فهو ذو خلفية زيدية/سنية سابقة، وانتقل إلى التشيع الاثني عشري، ثم التحق بحوزة “قم” عام 1990، بحسب سيرته المنشورة. ويقول هو عن نفسه إنه واصل الدراسة حتى بلغ مرتبة التدريس الديني والتبليغ. وفي 2016 كان يوصف في الإعلام بأنه “المنظر الديني للحوثيين” و”مرجع حوثي في “قم” “.
لكن عصام ليس من القيادة السياسية العليا، ولا هو أحد أفراد أسرة الحوثي. إنما أهميته تكمن في أنه يمثل الجسر الفكري بين الحوزة الاثني عشرية في قم والبيئة الحوثية.
الإسم الآخر المثير في هذا الإطار هو “حسن علي يحيى العماد“.
فبعض أفراد أسرة العماد ارتبطوا بالحوثيين. وتذكر التقارير أن حسن شارك في الإشراف والتمويل لخلية حوثية اتُّهمت بالتخطيط لاغتيال الرئيس اليمني علي عبدالله صالح عام 2006، وأنه عاد إلى اليمن في 2011 وظل يتنقل بين صنعاء وطهران حتى 2015، ثم عاد إلى إيران عام 2016. كما ذُكر أنه كُرّم في طهران عام 2020 من قائد الحرس الثوري حسين سلامي. مع ذلك، لا توجد تأكيدات تشير بأنه كان طالبا في “جامعة المصطفى” تحديدا.
أما “محمد عبد السلام“، الذي يُعد من أهم الشخصيات السياسية الحوثية، فلا يظهر من السيرة التي أعدّها “مركز صنعاء” أنه درس في “قم” .
فهو تلقى تعليمه الديني الزيدي على يد والده، ثم درس في المراكز الصيفية للشباب المؤمن، وتلقى دورات خارجية في الإعلام والتقنية، ثم أصبح مسؤول الإعلام لدى عبدالملك الحوثي، وبعدها أصبح كبير المفاوضين الحوثيين، ورافق قائد فيلق القدس قاسم سليماني إلى العراق عام 2013. ما يعني أن التأثر بإيران لا يعني بالضرورة الدراسة الحوزوية في إيران.
مع ذلك، لا بد من التأكيد أن إيران بَنَت عبر التعليم الحوزوي شبكة تأثير فكري داخل البيئة الحوثية، لكن جذور القيادة الحوثية العليا بقيت زيدية مع تأثّر بنظرية ولاية الفقيه السياسية.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية اتهمت “جامعة المصطفى” عام 2020 بأنها استُخدمت من قبل الحرس الثوري لتجنيد عناصر وتوسيع شبكاته الخارجية. وهذا يوضح أن الجامعة كانت جزءا من منظومة النفوذ الإيراني الخارجية.




