الخبير الرّوسي ألكسي ماسلوف: الصّين ليست عصاً سحريّة لحلّ مشاكلنا الإقتصاديّة (المقابلة الكاملة)

0

ترجمة ناصر بن رجب

يعكف الأستاذ ألكسي ماسلوف، أحد أهمّ المتخصّصين الرّوس في الشّؤون الصّينيّة، على المسألة التي تؤرِّق مضاجع العديد من الرّوس: متى يا ترى تهبّ الصّين لنجدة الاقتصاد الرّوسي؟ ففي حوار له مع المراسل الرّئيسي لصحيفة موسكوفسكيا كوموسمولاتس (Moskovskiy Komsomolets)، ميخائيل روستوفسكي (Mikhail Rostovsky)، يراوح ماسلوف بين الأخبار السارّة والاخبار السيِّئة. من النّاحية الإيجابيّة، تتماهى الصّين الرّسميّة والرّأي العام الصّيني بشكل تامّ مع موقف روسيا في حربها على أوكرانيا، وقد بلغ الشّعور المعادي لأمريكا في الصّين ذروته. أمّا فلاديمير بوتين فهو يتمتّع بأعلى درجات التّقدير لدى القادة الصّينيّين، في حين يعتبره المواطنون الصّينيّون بمثابة قائد متألِّق.

 

أمّا فيما يتعلّق بالجانب السّلبي، فإنّ تصرّفات روسيا أخذت الصّين على حين غرّة ممّا أدّى إلى قلب أجندة الإنفصال عن الغرب رأسا على عقب. والصّين تنتظر الحصول على مردود مقابل استثمارها في هذه العلاقة مع روسيا، ولذلك فهي لن تكتفي فقط بمجرّد  فتح أبواب خزائنها. والصّينيّون لا يعرفون ما إذا كان الرّوس أنفسهم يعرفون ما هو نمط الاقتصاد الذي يريدونه لبلادهم. ثمّ أنّ الصّينيّين يخشون من العقوبات الأمريكيّة الثانويّة التي لن يتمدّد تأثيرها ويتفاقم إلاّ بعد أن تنتهي العمليّة الخاصّة في أوكرانيا وتضع الحرب أوزارها. فحتّى وإن بقيت الصّين ذاك الجار الودود، فإنّ على روسيا أن تُطوِّر قدراتها الذّاتيّة عوض سعيها إلى استبدال تبعيّتها للغرب  بالتبعية للصّين.

وفي ما يلي نصّ المقابلة مع الأستاذ ألكسي ماسلوف:

سوف نحصل على المساعدة من الخارج“. إنّ دورساحر على متن المروحيّة الزّرقاء” [Victor Pelvine]، في الوعي الجمْعي الرّوسي، يقوم بأدائه تقليديّا الغرب. ولكن، بعد اندلاع العمليّة الخاصّة في أوكرانيا في 24 فبراير فإن كلّ الأنظار، الباحثة عندَعْملبلدنا، اتّجهت صوب بكين. فالصّين هي البلد الوحيد في العالم، ما عدا روسيا، الذي تخشاه أمريكا خشية حقيقيّة؛ إذ هي أكبر مركز نفوذ قادر، إن تدخّل في الصّراع تدخّلا فعليّا، على تغيير موازين القوى وترجيح الكّفة ضدّ المعسكر الغربي. ولكن هل أنّ جمهوريّة الصّين الشّعبيّة مستعدّة لمنحنا مثل هذهالهديّة؟

ماذا يختبئ وراء التّصريحات الضّبابيّة الرّسميّة لبكين والتي تعبّر عن تفهّمها لما تقوم به روسيا وتندِّد بـالميول نحو الهيمنةللولايات المتّحدة. فكيف ينوي كبار قادة « زونغنانهاي » (Zhongnanhai) [وهو المقابل الصّيني للكرملين]، إدارة دفّة مسارهم السّياسي الخاصّ بهم إزاء المعركة بين موسكو والغرب؟ هاكم ما يعتقده أحد أبرز خبراء بلادنا حول امبراطوريّة الوسط، وهو ألكساي ماسلوف، مدير معهد الدّراسات الآسيوية، والإفريقيّة لجامعة موسكو، وهو أيضا خبير في البسيكولوجيا الصّينيّة وفي فنون القتال الصّينيّة.

ألكسي ألكسندروفيتش [ماسلوف]، نحن نردّد باستمرار اطروحة الطّبيعة المتعادلة تماما في العلاقات الرّوريّةالصّينيّة.  هذا الطّرح ما هو إلاّ محض بروباغندا، أليس كذلك؟ ففي نهاية المطاف، فإن عدم التّكافؤ [بين البلديْن] في الموارد والقدرات واضح وضوح الشّمس.

ماسلوف: لدينا عدم تكافؤ مضاعف عشر مرات فيما يتعلّق بالنّمو الاقتصادي. إذ أنّ النّاتج المحلّي الخام لمقاطعة « غواندونغ »، جنوب الصّين، لوحده يفوق ناتج روسيا بمجملها. فإذا أخذنا بعين الاعتبار روسيا من النّاحية الإقتصاديّة فقط، حينها نستطيع أن نقول أنّنا لسنا حقيقة في مستوى الصّين.

ولكن، إذا كان علينا أن ننظر إلى روسيا على أنّها عنصر سياسي معين ضمن العقيدة العالميّة الشّاملة التي تعتنقها بكين، عندها يمكن القول بأنّ الصّين قد تمرّ بفترة صعبة جدّا بدون روسيا. فالصّين تحيط بها بلدان غير صديقة لها كلياً:  الهند، لها مع بكين عدد لا يحصى من النّزاعات؛ اليابان، التي تتنازه مع الصّين حول قضيّة جزر سنكاكو؛ فيتنام، التي دخلت في حرب ضدّ الصّين عام 1979؛ وهناك أيضا كمّ غزير من الصّراعات في بحر الصّين الجنوبي. أمّا روسيا فهي البلد الوحيد الذي صفّى كل خلافاته مع الصّين إلى الوقت الرّاهن.

اسمَحْ لي أنّ أُجرد لك الخلاصات: هل شراكتنا متكافئة؟ على المستوى الإقتصادي، لا. على المستوييْن العسكري والسّياسي، أعتقد أنّ الشّراكة متكافئة.

بدون روسيا، فإن غدداَ من المخطّطات السّياسيّة، والعسكريّةالسّياسيّة، والجيوإقتصاديّة للصّين غير قابلة للإنجاز من حيث المبدأ. وهذا بالضّبط الشيء الذي يدعونا للتّفاؤل بأنّ الصّين لن تدير لنا ظهرها، ولن تتنحّى جانبا [أي أنّها ليست مع ولا ضدّ].

طيّب، سأجرِّب إذن نظريّتي الأخرى عليك. هل تعني « عمليّة روسيا الخاصّة في أوكرانيا » أنّ الصّين، دون أن تُطلِق طلقة نار واحدة، أحرزت نصرا مهمّا داخل اللّعبة الجيوسياسيّة الكبرى؟ في نهاية المطاف، لقد أصبحت الآن إمكانيّة تقارب خطر (من وجهة نظر بكين) بين موسكو والغرب غير واردة على الإطلاق.

ماسلوف: في الواقع، حتّى داخل الصّين، ليس لديهم تقييم للوضع واضح بالدّرجة التي تتصوّرها أنت نفسك. فالصّين تشعر بالخوف  دائما (وهي تتساءل)اليوم (أعني قبل الأحداث الأخيرة) روسيا تقترب منّا، ولكن غداً ربّما ستُدير لنا ظهرها، أو ربما ستأخذ موقفاً محايداً! الواقع أن الصّينيّين طرحوا هذا الموضوع في العديد من المناسبات وفي مؤتمرات مختلفة.

لقد تساءلوالماذا شرع أشخاص مرموقون من النّخبة الرّوسيّة، فجأة، في الحديث عن التّقارب مع الشّرق، في حين أنّهم كانوا، إلى زمن قريب، يُنادون بالتّقارب مع الغرب؟ هل علينا أن نصدِّقهم بعد هذا؟ يبدو أنّ الوضع تغيّر اليوم تغيّراً راديكاليّاً. ولكن، لنكُن صادقين، كلّ هذه التغييرات الرّاديكاليّة مرهونة بشخص واحدرئيس روسيا! فلو حصل له، أو لحاشيته، أيّ مكروه، فإنّ أشقّاءنا الصّينيّين يخشون أن الميزان سيرجح لصالح الغرب بأسرع ممّا رجح نحو الشّرق.

هنالك محلّلون جيدون في الصين؟ وهم يحلِّلون النّخب الرّوسيّة والرّأي العام في بلادنا. وهم يفهمون الأشياء فهماً جيّدا: يمكن ان يكون الرّأي العام الرّوسي معادياً لأمريكا، ولكنّه غير معادٍ للغرب. هناك اختلاف دقيق بين المسألتيْن.

بالإضافة إلى ذلك، يدرك المحلِّلون الصّينيّون ما يليإذا كانت روسيا ترى الصّين كشريك وحليف، فإنّه يستحيل عليها، بالمقابل، أن تؤكِّد أنّ الرّوح الرّوسيّة هي أقرب إلى الرّوح الصّينيّة منها إلى الرّوح الأوروبيّة. وهو ما يضع الصّين في وضعيّة معقّدة.

إلى حدّ الآن، يبدو أنّ الصّين ربحت بعض الوقت، من 5 إلى 15 سنة.

ولكن ربح كل ذلك الوقت هو انتصار سياسي مهم جدّا، أليس كذلك؟

ماسلوف: أكرِّر مرّة أخرى، أنت قاطع جدّا في تقييمك! على ما يبدو، كانت الصّين تنوي الإنفصال عن الولايات المتّحدة، ولكن ليس الآن. فهي كانت تستعدّ للإقدام على هذه الخطوة في غضون ما بين 5 إلى 8 سنوات. هذا الاستنتاج ينبع من تحليل مُعمَّق لمخطّطات النّمو الرّسميّة الصّينيّة.، على سبيل المثال مخطّطصُنِع في الصّين 2025″، وهو مخطّط يتعلّق بالبُنى التّحتيّة الجديدة وبأشياء أخرى كثيرة.

إنّ الصّين تسير في هذا التوجّه بطريقة مُمَنهَجة: أي تطوير معاييرها التكنولوجيّة الخاصّة بها، وإقليمها الإقتصاديّ الكليّ التّابع لها. يبدو لي أنّ العمليّة الخاصّة الرّوسيّة أفسدت هذه المحطّطات الصّينيّة وأهدرتها. فمن جهة، كسبت الصّين حليفا مُصمِّماً وعازِماً تمام العزم يتمثّل في روسيا، التي لم يعد لها منذ الآن أي مخرج آخؤ تلجأ إليه. ولكن، من جهة أخرى، يجب على الصّين من الآن فصاعدا تغيير نموذج انفصالها بوتيرة متسارعة.

إنّ الصّين لا تحبّ المفاجآت؛ كلّ شيء يمضي كما كان معَدًّا له. وهي بالطّبع تعرف كيف تعيد هيكلة نفسها بسرعة؛ ومع أنّه تتوفّر أمامها مجموعة من الاختيارات « أ »، « ب »، « ج »، « د »، إلّا أنّني مع ذلك أفترض أنّ هذا السيناريو المتفرِّد لانفصال روسيا السّريع عن الغرب لم يُحسَب له حساب [من طرف الصّينيّين].

نظرًا لحجم تجارتها الضخم ، فإن الصين ليست مستعدة للتخلّي عن الغرب بسبب تصرفات روسيا؛ إذ تبلغ التجارة السنوية للصين مع الإتّحاد الأوروبي أكثر من 800 مليار دولار، و740 مليار دولار مع الولايات المتّحدة، و146 مليار دولار مع روسيا.

علاوة على ذلك ، في أفضل السنوات (على سبيل المثال، في 2016 و2017)، استثمرت الصين من 100 إلى 120 مليار دولار في الولايات المتحدة. ولا يقتصر الأمر على الأموال الموجودة في البنوك، بل إنها أموال مستثمرة في الشّركات. كانت الصين تعتمد على هذه الاستثمارات. الآن اتضح أن على الصين أن تعيد هيكلة كل شيء بسرعة كبيرة.

هل هناك مؤشِّرات تدلّ على أنّ إعادة الهيكلة هذه قد انطلقت؟

ماسلوف: لقد اشتدّت الآن حدّة الموجة المعادية لأمريكا في الصّين بصورة مذهلة. وأصبح الخطاب المعادي لأمريكا شيئا عاديّا.

إنّنا نلاحظ وجود عدد ضئيل جدّا من المناقشات المتعلّقة بالوضعيّة الرّوسيّةالأكرانيّة في منشورات وسائل الإعلام وشبكات التّواصل الإجتماعيّ. عوضا عن ذلك، ووفقا للرّأي العام الصّيني، ليس هناك إلاّ الولايات المتّحدة التي استطاعت أن تجعل أوكرانيا وروسيا يتناطحان وهي في ذلك تلعب على وتر طموحاتهما ومشاعرهما القوميّة.

مباشرةً، قامت الصّين بسحب هذه الوضعيّة على نفسها. فالصّينيّون يقولون: نحن أيضا عندناأوكرانيَّتنا، أي جزيرة تايوان التي يبدو أنّ نفس السّيناريو بالضّبط يدور حولها. والأمريكيّون، الذين يحاولون أن يقودوا دول العالم بأكملها كما تُدار الدُّمى، يساندون أيضا تايوان. نحن [الرّوس] صرّحنا لمدّة طويلة أنّ المشكلة يجب أن تُحلّ من حيث الجوهر: بمعنى حلّ قضيّة النّظام المالي والمصرَفي العالميّيْن الّلذين تتحكّم فيهما الولايات المتّحدة، وكذلك مسألة المؤسّسات العالميّة للتّنمية التي هي أيضا تحت هيمنة الولايات المتّحدة. باختصار، حوّلت الصّين كلّ شيء على الفور إلى حالةالتظَلُّم البنّاء” (constructive grievance)، بعبارة أخرى، فإنّ الصّين بعدما أشارت إلى المشكلة فإنّها سارعت إلى تحديد الحلّ الذي تراه مناسبا.

بدأت الصّين تدرك أنّ العقوبات الغربيّة عقوبات مرعبة

بناء على ذلك، فإنّ التحوّلات « الزلزالية »، على مستوى الخطاب، باتت واضحة. ولكن، هل توجد تحوّلات حقيقيّة من حيث الجوهر السّياسي؟

ماسلوف: إنّ التحوّلات الخطابيّة تعكس تغيُّراً عميقا بدأ منذ زمن بعيد، ولكنّنا نشاهد اليوم أنّها تتكثّف بشدّة. العداء لأمريكا كان موجودا سابقا في الصّين. غير أنّه لم يكن قد بلغ مستوى « الكتلة الحرجة ». فهذا النّوع من الخطاب الرنّان يتحذ اليوم شكل حملات عنيفة عبر الصّحف الرّسميّة. اليوم، عمليّا وعلى مستوى كلّ الجبهات السّياسيّة، بدأت الصّين تُصعِّد اللّهجة ضدّ الولايات المتّحدة.

لقد بدأت الصّين تفهم أنّ الآليات الغربيّة للحصار الاقتصادي مخيفة. ففي 2014، بعد « حرب القِرْم »، كنّا نقول لزملائنا الصّينيّين خلال عدّة مؤتمرات: « كلّ ما يجري القيام به اليوم حيال روسيا، سيجري أيضا حيال الصّين. غير أنّ روسيا هي أقلّ إندماجا في الاقتصاد العالمي ممّا هو عليه الاقتصاد الصّينيولذلك فإنّ الأمور ستكون صعبة أكثر عليكم ».

ردّ الصّينيّون على هذا بالقول: « سوف لن يجرّؤوا. فالولايات المتّحدة تعتمد علينا اعتمادا كبيرا ». ولكن بعد أن بدأ ترامب في محاولة نقل الشّركات الأمريكية من الصّين إلى الولايات المتحدة دون جدوى، بدأ العديد من هذه الشركات في اعتبار دُولٍ مثل الأرجنتين أو البرازيل بدائل للصين. لذا، أدركت الصين أنّ الأمر ليس بهذه البساطة.

بكين تفكّر بكلّ جديّة: ماذا عسانا نفعل، إذا طُبِّقت علينا نفس العقوبات التي تُطبَّق اليوم على روسيا؟

فالصّين تعتمد في الوقت الرّاهن على عمليّات التّوريد-التّصدير بدرجة لا يمكن لروسيا حتّى أن تحلم بها. فالصّين توفِّر قرابة 40% من ناتجها المحلّي الحام من هذه العمليّات. إضافة إلى أنّ هذه الصّفقات تشمل قطاعات أوسع ممّا هو الحال في بلدنا. فيما يخصّنا، نرى أنّ هذه الصّفقات تخصّ بالأساس النّفط والغاز، ولكن بالنّسبة لجمهوريّة الصّين الشّعبيّة، فهذا يشمل كلّ أنواع السّلع. والآن، يقول الصّينيّون: “ينبغي علينا أن نخلِّص أنفسنا بأسرع وقت ممكن من هذا النّظام الذي نعتمد عليه اعتمادا كبيرا”.

هناك أيضا نقطة مهمّة أخرى. لقد استثمرت الصّين، وفقا لتقديرات غير رسميّة، وفي إطار مبادرتها الدّوليّة الرّئيسّية (One Belt One Road) [حزام واحد، طريق واحد]، ما لا يقلّ عن 300 ميليار دولار في الدّول الأوربيّة، والآسيويّة، والإفريقيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ عديد البلدان تستقبِل بالتّرحاب الإستثمارات الصّينيّة، ولكنّها لا ترتاح للوجود الصّيني. لقد صرّح العديد من الصّينيّين خلال مشاركاتهم معنا في المؤتمرات أنّ الأمر يتعلّق بتكرار التّجربة السّلبيّة للإتّحاد السّوفيتي عندما كان هذا الأخير يعتقد أنّه كان مَحبوباً من أجل القضيّة، ولكن اتّضح في الواقع أنّه كان “محبوبا” من أجل المال.

لقد أُعجِب الجميع بالصّين خلال الأربعين سنة الماضية. فجأة، اكتشفت أنّها لم تكن محبوبة، وليس فقط من طرف أوروبّا. أستراليا، على سبيل المثال، التي كانت سابقا أكبر مصدّر للفحم إلى الصّين، أصبحت اليوم منافسا لبكين جملة وتفصيلا. هناك أيضا احتكاكات جديّة مع كوريا الجنوبيّة. كلّ هذا يبدو من النّاحية البسيكولوجيّة مؤلِما للغاية.

وماذا تعتزم بكين القيام به في هذا الصّدد؟

ماسلوف: لقد أدركت الصّين أنّه يتوجّب عليها أن تُنشِئ إقليمها الاقتصادي الكُلّي الخاصّ بها الذي يتكوّن من بلدان صديقة أو تشاركها نفس النّموذج التّنموي.

ماذا أقصد بتعبيرإقليمها الاقتصادي الكلّي الحاص بها؟ [أقصد بذلك] ليس مجرّد إقامة منصّة استثمارات، بل منصّة لتطوير إطار قانوني مُوَحَّد للأموال، والشّركات، والمدّفوعات المباشرة. لقد سبق لروسيا المشاركة في هذه المنصّة. فروسيا في حاجة للصّين لأنّها تمثّل أكبر مشترٍ لبضائعنا. إلاّ أنّ الصين، بالمقابل، تشعر أيضا أنّها غير مرتاحة بدون روسيا.

من هو الحليف الحقيقي للصّين؟ ليس هناك العديد من البلدان الكبرى [في هذه القائمة]. ولهذا السّبب ترى الصّين في روسيا البلد الذي يمكن أن تعوِّل عليه دائما قائلة: “أنظروا، ها هي قوّة عظمى (على الأقل من النّاحية العسكريّة) تساندنا!

هل هناك إحتمال نستطيع القول من حلاله أنّ الصّين تفكِّر أيضا بتسويّة مشكلة تايوان بشكل نهائي، وذلك نتيجة لأعمالنا في أوكرانيا؟

ماسلوف: أعتقد أنّهم فكّروا الشّهر الماضي في القيام بذلك. ولكنّهم أمام جزيرة محصّنة جيّدا، ممّا قد يجعل من الخسائر الصّينيّة خسائر هائلة. ناهيك عن أنّ الولايات المتّحدة تقف خلف تايوان بكلّ صراحة. فمعاهدة 1979 لا تزال سائرة المفعول في الولايات المتّحدة (Taiwan Relations Act). ثمّ أنّ الصّين، ما إن تُطلِق الرّصاصة الأولى، فإنها سوف تغيُّر من مفهومها هي كدولة. فهي ستنتقل من قوّة اقتصاديّة للتحوّل إلى قوّة عسكريّة.

أعتقد أنّ الصّين، كعادتها دائما، تريد أن تسّقط الثّمار بين يديْها. فالوضع القائم في أوروبّا مؤاتٍ بدرجة قصوى للصّين الآن. فكلّ الشّحنة السّلبيّة موجّهة ضدّ روسيا. ولهذا تستطيع بكين أن تجيِّر ذلك لفائدتها وتحسِّن من صورتها، مثلا بتوفير معونة إنسانيّة بعد نهاية الحرب. أمّا شنّ هجوم على تايوان فمن شأنه أن يُشوِّه هذه الصّورة.

ما الذي يمكنه أن يُغيِّر مثل هذه المقاربة؟ الغريب في الأمر أن الضّغط الدّاخلي داخل المجتمع [يقدر على ذلك]. فالعديد من الصّينيّين يؤكّدون أنّه: “على غرار روسيا التي تسوّي كلّ شيء مع أوكرانيا، يجب علينا تسوية كلّ شيء مع تايوان بنفس الطّريقة“. هذا مع العلم، وهو ما أودّ أن أشدِّد عليه، أنّ طبيعة المشكلتيْن التايوانيّة والأوكرانيّة مختلفتان على الإطلاق. وصورة روسيا وسورة بوتين في الصّين تشبهان صور أبطال الملاحِم. فالصّينيّون هم أيضا يودّون لو أنّهم يكونون بمثل صلابة روسيا؛ وهم يرون في تصرّف بوتين مثالا على الرّد الصّحيح على الغرب.

*

على روسيا أن تقدِّم عرضاً خاصًّا

 

الصّورة جميلة وأنيقة؛ ولكن لنتحدّث عن شيء ملموس أكثر. إلى أيّ مدى يمكن للنّمو المحتمَل للتّعاون الاقتصادي مع الصين أن يُعوِّض عن الأثر السّلبي لانتهاء تعاون مماثل مع الغرب؟

ماسلوف: فيما يتعلّق بمنظور المدى القصير، لا يجب على الإطلاق أن تعترينا أوهام بخصوص الاستثمارات الهامّة للصّين في روسيا.

الصّين بلد براغماتي. وستهتمّ باستقرار « الروبل » (لا يهم في ذلك سعر الصرف الدقيق). فالصّين لا يمكنها أن تقدِّم المال فقط. بل يجب أن تحصل على مردود إيجابي. ثمّ أنّه من غير المرجّح أن تستثمر الصّين في الاقتصاد الرّوسي قبل أن نتوصّل بأنفسنا إلى بناء نمط عمل جديد لهذا الاقتصاد. وكذلك، الصّين تستثمر في أسواق مستقرة أو رخيصة للغاية. فلن تكون هناك إذاً استثمارات كبرى في المستقبل القريب، بخلاف تلك التي تمّ القيام بها بالفعل.

علاوةً على ذلك، ستستثمر الصين فقط في الصّناعات ذات السّيولة المضمونة، مثل النفط والغاز والتكرير والنقل وربما مناجم الفحم. لا تزال الصين تعمل بنسبة أكثر من 60٪ على الفحم الأسود، بقطع النّظر على انّها لا تستورد الفحم الأسترالي.

ليست مهمة الصّين أن تستثمر في بناء مصانع وإنشاء صناعات. في بلدان أخرى، تستثمر الصّين في السّكك الحديدية والسياحة. ومع ذلك، فإن معدل العائد الحالي لمثل هذه المشاريع في روسيا سيكون منخفضًا. فهل ستزوّدنا الصّين بهذه البضائع من الفئة التي توقفت عن القدوم إلينا من الغرب؟ جزئيًا، نعم. ولكن يجب أن يكون مفهوماً أن العقود الخاصّة بالعديد من المنتجات الصينية (المنسوجات وتكنولوجيا المعلومات) يتمّ إبرامها مسبقا لمدّة عام أو عامين. من المستحيل إعادة هيكلة المصانع والشّركات على الفور. سوف يزداد تدفق [البضائع]، ولكن ليس بشكل كبير. المنظور على المدى القصير هو منظور التفاوض وليس استلام البضائع.

كل شيء واضح فيما يتعلّق بالمنظور قصير المدى. ولكن هل هناك وضوح مماثل فيما يتعلق بالآفاق الاستراتيجية للتّعاون الاقتصادي بين موسكو وبكين؟

ماسلوف: من الواضح تمامًا أن الصّين حذرة من الآن فصاعدا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية الثّانويّة المتعلّقة بالتّجارة مع روسيا. فالبنوك والشّركات الصّينية تخشاها. نحن نشهد تأخيرات في المدفوعات القادمة من جمهورية الصين الشعبية، وكذلك تأخيرات في تسليم البضائع.

هناك سبب موضوعي لذلك، وهو تفشي فيروس كورونا الجديد في الصّين. ولكن هناك أيضًا سبب ذاتيّ، ن حيث أنّ اتّخاذ أيّ قرار سياسي أساسي يتعلّق بالتّعاون الاقتصادي مع روسيا يجب أن يُتّخذ على أعلى مستوى في جمهورية الصّين الشعبية. فإذا تمّ اتّخاذ مثل هذا القرار، عندها (وعندها فقط) سيتمّ “حلّ” كل هذه المشاكل.

 إذأً، متى يمكننا أن نتوقّع اتّخاذ هذا القرار السّياسي الحاسم؟

ماسلوف: لكي يحدث هذا، يجب أن تتضافر ثلاثة عوامل: انهاء كامل للعمليّة العسكرية؛ التّوقيع على نوع من اتّفاق وقف إطلاق النار، أو نوع من المعاهدة التي من شأنها “تجميد” الوضع في أي لحظة. وحتى ذلك الحين، سوف لن يحدث أيّ شيء.

النقطة الثّانية: الصين بحاجة لسماع موقف روسيا الاقتصادي. فنحن لم نُبلوِر مطالبَ متكاملة ولا موقفًا اقتصاديًّا. ليس هناك إجابة على السّؤال الرئيسي، ماذا تريد روسيا في المجال الاقتصادي؟

وأخيرًا النّقطة الثّالثة: من الطّبيعي أن تنتظر الصّين عروضًا خاصّة. ويجب أن يكون هذا العرض الخاصّ مختلفًا جذريًا عمّا كنّا نفعله [نحن الروس] من قبْل في المجال الاقتصادي. أعتقد أنه حتى نهاية العام على الأقلّ، قد تكون هناك مناقشات معقّدة وطويلة بين موسكو وبكين حول هذه المسألة.

إلى أيّ حدّ يكون من الضروري والمفيد بالنّسبة لنا تقديم مثل هذا العرض الخاص للصّين؟

ماسلوف: يجب أن نقدّم مثل هذا العرض الخاص لعدد كبير من الدّول الآسيوية: الهند، فيتنام، أو ربّما أكثر من ذلك، ينبغي أن نفعل ما يلي: إما أن نقدّم العروض الخاصّة لمجموعة من البلدان (خمسة، ستة، سبعة)، أو لا نفعل ذلك على الإطلاق.

ماذا يمكن أن يترتّب عليه مثل هذا العرض الخاص؟ على سبيل المثال، إلغاء جميع الضرائب تماما لمدّة عقود من الزّمن في المناطق التي سيتّم فيها إنشاء مشاريع مشتركة؛ ومساهمة الدّولة الروسية كمُستثمِر مُشارِك في مثل هذه المشاريع. فمن المفيد لنا ليس فقط شراء البضائع من الصّين، ولكن بالتّزامن مع ذلك إنشاء شركات روسيّة-صينيّة مشتركة على أراضي جمهورية الصّين الشعبية، سَتُنتِج وتورّد المنتجات إلى روسيا.

النقطة الثانية هي توطين التّصنيع الصّيني في روسيا. سيكون هذا، من نواح كثيرة، بمثابة عودة إلى الوضع الذي انطلقت منه الصّين في التّسعينيات، عندما كان شعارها “سوق مقابل التكنولوجيا”. [وهذا يعني] “لدينا سوق ضخمة، تعالوا إلينا، ولكن بالمقابل قوموا بتعليم مهندسينا وأنشِئوا خطوط إنتاج حديثة.”

هذه المهمّة ليس من الهيِّن تحقيقها. والصّين مستعدّة لتوطين إنتاجها في العديد من البلدان حول العالم. لكن أمامنا العديد من المنافسين. عندما يَضعُ مُصنِّع صيني عروضًا روسيّة على مكتبه، فإنه يضع بجانبها عروضًا من إندونيسيا أو فيتنام أو أمريكا اللاّتينيّة. في هذه البلدان، الظروف ستكون أفضل من نواحٍ عديدة: من حيث الضّرائب وتسجيل الشّركات والأمن.

تدمير النظام المالي العالمي بالكامل

لنفترض أن أمريكا “فجّرت القنبلة الاقتصاديّة النوويّة”، أي أنّها تفرض عقوبات اقتصادية ثانوية على أيٍّ من شركاء روسيا، وبالتّالي تمنع أيّ علاقات اقتصادية معنا. كيف ستتصّرف الصّين؟

ماسلوف: لا أحد يعرف. أعتقد أنه حتى الصّين نفسها لا تعرف ذلك بعد.

هناك طريقتان فقط للخروج من هذه الوضعيّة. أولاً، بنبغي أن تتفق روسيا والصّين وعدد من الدّول الأخرى على تدمير النّظام المالي العالمي الحالي بالكامل. سيكون الأمر مروِّعًا للجميع، بما في ذلك الصّين. ولكن من الناحية الفنيّة، يمكن تحقيق ذلك. ولكي يتمّ القيام بذلك، سيتعيّن على الصّينيّين طرح الثلاثة تريليونات دولار التي في حوزتهم لبيعها في الأسواق الخارجيّة واستحداث مراكز ماليّة وقوانين بديلة عن المراكز والقوانين الماليّة الغربيّة.

الخيار الثاني لبكين هو الإنتظار. يعني ذلك أنّ العقود مع روسيا التي لا تتعلّق بالتكنولوجيّات الحسّاسة سيتم تنفيذها. لقد بدأت روسيا، على غرار إيران، بسرقة التكنولوجيا. والآن بدأنا في تطوير أنفسنا على أساس أرضيّتنا الذّاتيّة.

ولكن ما هو الخيار الأكثر واقعية؟ لا أعتقد أنّ الصّين ستوقف إمداداتها كلياً. من النّاحية النّفسيّة، تعاني الصّين بشكل رهيب من حقيقة مفادها أنّها دولة عظمى، ولكنّها تعتمد بشكل كبير على الولايات المتّحدة. يمكننا معاينة هذا الشّعور في جميع المنشورات. إذ تبدو الصّين وكأنّها موجودة داخل النّموذج الاقتصادي لكيان آخر. إنّ الخضوع للولايات المتّحدة يعني بالضّرورة الانغماس أكثر في هذا النموذج، وهو أمر غير مريح للغاية بالنّسبة للصّين. لهذا السبب قلتُ أنّ الأمر سيتعلّق بالدرجة الأولى بقرارٍ سياسيّ لمعرفة ما إذا كانت الصّين مستعدة لتقديم تضحيات.

حسناً، هل الصّين مستعدة لذلك أم لا؟

ماسلوف: هذا هو السّؤال الكبير. لقد تعوّد الصّينيّون على أن يزدهروا أكثر فأكثر، واعتادوا على العيش الرّغيد. كلّ عام يحصلون على القليل من المال الإضافي. ولهذا فنحن نضع الصّين أمام خيار مُريع.

وإلى أي مدى يمكن للصّين أن تماطل قبل التوصل إلى هذا الخيار؟

ماسلوف: لمدة لا تزيد عن عام. لا يمكن إدامة هذه المشكلة لفترة أطول من ذلك. فالعديد من الدّول تراقب الصّين: ماليزيا، إندونيسيا، دول آسيا الوسطى. والسّؤال الذي يمكن أن يُطرَح هو: هل أنّ الصّين دولة عظمى تتّخذ قراراتها بنفسها، أم أنّها دولة تسير في ركاب الولايات المتحدة؟

هل يدرك الصّينيّون أنّهم إذا ما أرادوا إحداث اختراق مّا [إحداث شرخ في النّظام العالمي القائم]، يجب أن يقوموا بذلك الآن، لأنه لا يمكن أن تتوفّر لهم مثل هذه الظروف المؤاتية في المستقبل؟

ماسلوف: من المفارقات أنّ هناك فئتيْن على الأقلّ من الأشخاص في جمهورية الصّين الشعبيّة يفهمان هذا جيّدًا. المجموعة الأولى تتمثّل في الجنرالات الصّينيّين الذين يقولون إنّ “الحرب أُعلِنَت علينا عمليّا، ولكن بشكل مختلف. يجب علينا أن نردّ الفعل ونحقّق اختراقًا”.

أمّا الفئة الثانية فهي تتكوّن من رجال الأعمال الصينيين الشّباب الذين ينتقدون بشدّة واقع الحال هذا. ففي الصّين، هناك حديث واسع النطاق عن تحفيز العديد من العلامات التجارية الصينية للاختباء وراء أسماء أمريكية من أجل الولوج إلى السّوق الأمريكيّة. يردّ رجال الأعمال “الشبان والغاضبون” على ذلك بالقول إنه إذا كانت الصّين تُعامَل بمثل هذه المعاملة المزريّة في الغرب، فلماذا لا نجيب ونردّ الفعل!

ولكن لا الجنرالات ولا رجال الأعمال الشّبان هم مَن يتخذون القرارات. اللّجنة الدائمة المكوَّنة من سبعة أعضاء من المكتب السياسي للّجنة المركزيّة للحزب الشّيوعي الصّيني هي التي تتّحذ القرارات. وهم أشخاص متوازنون وجادّون للغاية. وهناك جماعات اقتصاديّة وجماعات ماليّة قويّة تقف من ورائهم. فاتّخاذ مثل هذا القرار يعني أيضًا توجيه ضربة للمجموعات الماليّة الصينيّة المرتبطة بالولايات المتّحدة واستثماراتها. لا أحد يعرف ما إذا كانت الصّين مستعدّة للإنخراط في مثل هذا السيناريو. كل التكهّنات والاستقراءات غير مجدية. نحن لا نعرف حقًا ما الذي يحدث بالفعل في “المَحفَل” الصّيني.

أسرار المكتب السياسي

 هل ما زال من الممكن محاولة فهم ميزان القوى داخل المكتب السياسي: مَن الذي يؤيّد اتّخاذ إجراء أكثر حسماً تجاه الولايات المتّحدة، ومن لا يؤيّد ذلك؟

ماسلوف: هناك رئيس الوزراء،  لي كه تشيانغ، المسؤول عن الاقتصاد. من الواضح أنّه يؤيّد الحدّ الأدنى من الاضطرابات الاقتصاديّة ويساند العمل السّلمي والاقتصاد المفتوح ويعارض اختلالات المبادلات التّجارية.

رئيس وزراء الصين لي كه تشيانغ

وهناك كتلة مسؤولة عن السّياسة الدوليّة، برئاسة عضو من المكتب السّياسي (ولكن ليس عضوًا في لجنته الدائمة)،هو « يانغ جيشي ». تتكون هذه الكتلة من أشخاص أقوياء العزم للغاية وصَعبِو المِراس. وزارة الشؤون الخارجية، التي يديرها الوزير « وانغ يي »، تابعة لهذه الكتلة.

لقد شارك هذا الثّنائي بالضّبط في الاجتماع الشّهير مع [جيك] سوليفان و[أنتوني] بلينكين في ألاسكا. لأوّل مرة، في هذا الاجتماع، استخدمت الصّين مثل هذه اللّغة القاسية في محادثة مع القادة الغربيّين. لم يحدث من قبل أبداً أن حصل مثل هذا أو ما شابهه.

في الصين، أيضاً، جيل يُدعى “الدّبلوماسيّون الذئاب [أي المحاربون]”. وهؤلاء يعتبرون ماريا زاخاروفا [المتحدثة باسم وزارة الخارجيّة الرّوسية] نموذجًا (إن لم تكن أيقونة) للسلوك السّليم.

يحاول « شي جنبينغ » النّأي بنفسه والبقاء فوق هذه الصّراعات. ولكنه نجح مؤخرًا في تحييد مجموعات جنوب الصين، التي كانت تركّز وتراهن على الولايات المتّحدة وعلى تمويل مشروعات في هونغ كونغ وماليزيا. لقد قدّم كلّ من « لي كيكيانغ » و »جيانغ زيمين »، اللّذان ما زالا على قيد الحياة، الدّعم لمجموعات جنوب الصّين بكلّ السّبل والوسائل الممكنة، معتبرين إياها “نقطة النمو” الرئيسية.

هل من الممكن معرفة ما يعتقده « شي جينبينغ » حقًا عن روسيا؟ كنا نعرف ما كان يشعر به « جيان زيمين » بخصوص هذا الموضوع. فقد غنّى “منتصف الليل في موسكو”، وكان يجيد اللّغة الرّوسيّة. ماذا يمكننا أن نقول عن شي [جينبينغ]؟

ماسلوف: [أولاً] أعتقد أن لديه موقفاً براغماتيّاً للغاية. وهذا موقف صيني طبيعي. وهو موقف بين بين لا هو بالسّيئ ولا بالجيّد.

[ثانيًا]، يبدو أن « شي جينبينغ » قد خلق لنفسه مثل هذه الصورة للعالم، حيث تحتّل فيه روسيا مكانة مهمّة وتلعب دور المخرِّب فيما يتعلق بالولايات المتّحدة، أي أنّها تفعل بالوكالة ما تودّ الصين أن تفعله، ولكنّ هذه الأخيرة لا تجرأ على فعل ذلك.

[ثالثًا]، يرى « شي » روسيا كدولة صديقة. والدليل على ذلك ما نشاهده في التّلميحات والعبارات التي يستخدمها. في اللّغة الصّينيّة، هناك الكثير من التّنوّعات [اللّغويّة] الدقيقة في كيفية مخاطبة شخص مّا. إذ لا يمكنك تسمية دولة بعينها بأنّها “صديقة” هكذا ببساطة تامّة. بل يجب، للقيام بذلك، اتّخاذ قرار سياسي خاص.

هناك مشكلة أخرى، حيث أنّ « شي جينبينغ » يُظهِر موقفا إيجابيّا، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، تجاه بوتين شخصيًا. ما رأيتُه شخصيًا يشهد على وجود “تناغم” بينهما.

ومع ذلك، من الممكن أيضًا أن يكون « شي » يُفرِّق بين بوتين وروسيا:  بوتين شيء، وروسيا شيء آخر! فهو يعتبر أنّ بوتين زعيم ناجح وبارز. وفي الوقت نفسه، يرى في روسيا دولة لم تتمكن بعد من تحقيق نموذجها المالي والاقتصادي بشكل كامل.

وأخيرًا، هناك شيء آخر أيضا. من الناحية النّفسيّة، لا يرى « شي » أنّ روسيا تمثّل تهديدًا للصّين. فنحن لا ننتقد الصّين أبداً أو « شي جينبينغ ». بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنه لن تكون هناك مواجهة اقتصاديّة بين الصّين وروسيا في القرن المقبل. ولكنّ « شي » يرى بإن الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي وبريطانيا هم في نظره أعداء بطبيعة الحال.

مَن يمتلِك قوّةً حقيقيّة أكثر:  « شي جينبينغ » في الصّينK أم « بوتين » في روسيا؟

ماسلوف: بوتين [هو مَن لديه قوة حقيقية أكبر] في روسيا. فإذا نظرنا إلى ترتيب هيكليّة السلطة، فإن « شي جينبينغ » مُلزَم أكثر بمراعاة آراء الآخرين. لنَفتَرِض: إذا أُصيبَ بلد يبلغ عدد سكانه مليار وأربعمائة مليون شخص بالجنون (على سبيل المثال، اندلاع اضطرابات اجتماعيّة في مقاطعة أو إقليم)، فسيكون هناك سلسلة هائلة من ردود الافعال تخضع لـ”مبدأ الدومينو”. وعليه، عندما يُقال أنّ الصّين دولة شيوعيّة، فهذا ليس مجرّد لَغْو حديث. إذ أنّ الصّين تخضع لمركزيّة ديمقراطية ولها مداولات جماعيّة وصنع قرار جماعي. شي جينبينغ ليس هو ذاك الزعيم المطلق، لكنّه الأوّل من بين رفقائه. ولذلك، فهو شديد الحيطة والحذر.

ألا يجب أن نكون حذرين للغاية مع الصّين؟ على سبيل المثال، هل هناك رأي مُبرَّر يُفيد بأنّ الصّين إذا أصبحت في وضعٍ احتكاريّ من حيث شراء موارد الطّاقة الرّوسيّة، فإنّها ستُملي حينئذ بشدّة على موسكو أسعارًا منخفضة؟

ماسلوف: هذا وارد، وله ما يبرّره. لم تكن هناك مفاوضات تكون الصّين قد مارست فيها ضغوطًا على الأسعار. لذا فإن مهمّة روسيا ليست أن تصبح رهينة لدى المشتري الاحتكاري (حتى الودود للغاية).

مهما كان الأمر، لا ينبغي أن يُنظر إلى الصّين على أنّها عصاً سحريّة من شأنها أن تحلّ جميع مشاكل روسيا. فإذا قمنا ببساطة “بفك” رابط اقتصادنا بالدولار و”ربطه” باليوان، فسنمنح أنفسنا بالطّبع فترة من الرّاحة المؤقَّتة. إلاّ أنّنا سوف لن نحقّق أيّ شيء فيما يتعلق بالانتعاش الاقتصادي.

وإذا قمنا بمجرّد فصل أنفسنا عن المعايير التكنولوجية الأمريكية وربطنا أنفسنا بالمعايير الصّينية، فسوف يحصل لنا الشيء نفسه.

الطريقة الوحيدة لتحقيق الأمن المطلق لبلدنا هي تطوير نقاط النموّ الخاصّة بنا.

على مدى السنوات الأربعين الماضية، لم تتصرف الصّين بعدوانية تجاه روسيا، وأعتقد أنّها لن تتصرّف بهذه الطريقة في المستقبل. الصّين، على سبيل المثال، ليست مهتمّة بمنطقتيْ سيبيريا والشرق الأقصى المتخلِّفتيْن. فالصّينيّون براغماتيون للغاية في هذا الصدد. لكن هذا لا يعني إلغاء مهمة بلوغ [روسيا] الاستقلال التّكنولوجي.

لقراءة الأصل على صفحة « الشفاف » الإنكليزية:

Russian Expert Alexei Maslov: China Is Not A Magic Wand For Solving Russia’s Economic Problems

 

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
Share.
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x