تتقاطع عدة تغطيات إعلامية عند سؤال محوري: كيف يصمد الحوثيون أمام السعودية، رغم التفاوت الكبير في القدرات العسكرية؟
مي المهدي
الحوثيون والسعودية: حرب استنزاف يصعب حسمها
ترى صحيفة تاغيس أنتسايغير أن قوة الحوثيين الحقيقية لا تكمن أساسًا في أسلحتهم، بل في قدرتهم على تحمّل الخسائر. فأسلحتهم قد تُلحق أضرارًا كبيرة بالسعودية، لكنها لا تهدد وجود المملكة، بحسب تحليل الصحيفة. أما قدرتهم على مواصلة القتال رغم القتلى والهزائم، فتمنحهم هامشًا أوسع في حرب الاستنزاف.
وتضع هذه الضربات ولي العهد محمد بن سلمان أمام معضلة يصعب تجاوزها. فالعودة إلى قصف الحوثيين قد لا تحقق نتائج مختلفة عن الحملات العسكرية السابقة. وفي المقابل، يهدد استمرار استهداف المطارات صورة المملكة بوصفها وجهة آمنة للاستثمار.
ولا تقتصر مصادر قوة الحوثيين، وفق التحليل، على قدرتهم على تحمّل الخسائر. فقد عززت سيطرتهم على مناطق ساحلية قرب البحر الأحمر قدرتهم على تهديد الملاحة المؤدية إلى قناة السويس.
وترى الصحيفة أن تحقيق تسوية مستقرة على المدى المتوسط يتطلب إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وتعتبر أن المفاوضات توفر فرصة للحل أكثر مما تتيحه المواجهة العسكرية، رغم غياب الاستعداد للتفاوض حاليًا.
كيف بنى الحوثيون قوتهم العسكرية والاقتصادية؟
تنتقل صحيفة نويه تسورخير تسايتونغ من قدرة الحوثيين على الاستنزاف إلى تفسير صمودهم العسكري والاقتصادي. وتبحث في أسباب عجز خصومهم عن إلحاق هزيمة حاسمة بهم، رغم سنوات القتال والعقوبات.
وينقل التقرير عن الخبير العسكري مايكل نايتس أن الضربات الأمريكية دمرت أساسًا صواريخ حوثية مضادة للسفن. أما الضربات الإسرائيلية فاستهدفت مستودعات نفط وموانئ، بينما بقيت القوات البرية للحوثيين بمنأى عن معظم تلك الضربات.
ويستفيد الحوثيون، وفق الخبير، من وحدات قتالية مدربة، ومن مستشارين إيرانيين وخبراء تابعين لحزب الله اللبناني. كما يمتلكون ترسانة من الصواريخ والمسيّرات، ويصنعون محليًا عددًا متزايدًا من مكوناتها. لكنهم لا يزالون يعتمدون على الاستيراد لتوفير المحركات والرؤوس الحربية.
وتمنحهم السيطرة على مناطق واسعة ومكتظة بالسكان موارد بشرية للتجنيد، فضلًا عن موارد اقتصادية لتمويل القتال. كما تساعدهم الطبيعة الجبلية الوعرة لمناطق نفوذهم على مقاومة الهجمات البرية.
غير أن قوة الحوثيين ليست التفسير الوحيد لصمودهم. فالمعسكر المناهض لهم يعاني الانقسامات وسوء القيادة، كما زاد انسحاب القوات الإماراتية من تعقيد وضعه. وجاء الانسحاب في أعقاب تصاعد الخلاف بين الرياض وأبوظبي، بحسب الصحيفة.
وفي هذا السياق، يقول السياسي اليمني الجنوبي عمرو البيض: “يعود جانب كبير من ذلك أيضًا إلى ضعف خصومهم”.
هجمات الرياض تضع وعود محمد بن سلمان على المحك
بينما تبحث الصحف في أسباب قوة الحوثيين، يركز موقع الإذاعة والتلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية على التداعيات داخل السعودية.
ويرى مراسله في الشرق الأوسط، توماس غوترزون، أن الهجمات على مطار الرياض تضع ولي العهد محمد بن سلمان تحت ضغط متزايد. فقد أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة المملكة على حماية سكانها ومنشآتها الحيوية.
ويواجه ولي العهد، وفق المراسل، اختبارًا لجدوى الاستثمارات العسكرية الضخمة والتحالفات الأمنية التي أقامتها السعودية. فهو مطالب بإظهار قدرة المملكة على الرد، دون الانجرار مجددًا إلى حرب واسعة في اليمن.
ورغم المخاطر الأمنية، مضت الرياض في تنظيم مؤتمر دولي للطاقة بمشاركة مسؤولين أجانب وقيادات اقتصادية. وأرادت بذلك إظهار أن الهجمات لا تعطل أنشطتها. غير أن محمد بن سلمان لم يظهر علنًا منذ وقوعها، وهو صمت يعدّه المراسل لافتًا بالنظر إلى تركّز السلطة بيده.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة تحديات اقتصادية متزايدة. فبحسب التقرير، تراجعت الاستثمارات والإيرادات غير النفطية خلال النصف الأول من العام، متأثرةً أيضًا بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وينقل التقرير عن صحيفة وول ستريت جورنال أن أعمال البناء في مشروع نيوم تكاد تتوقف. كما جرى تقليص مشاريع أخرى ضمن رؤية 2030 أو تجميدها.
سلطة الحوثيين: منظومة حكم موازية تتحكم في مؤسسات الدولة
لفهم أسباب استمرار قوة الحوثيين، يقدم موقع جورنال 21 تحليلًا لبنية السلطة التي أقامتها الجماعة في شمال اليمن.
ويوضح الباحث راينهارد شولتسه أن الحوثيين لم يدمروا مؤسسات الدولة القائمة بعد سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر 2014. بل احتفظوا بها، وأنشأوا فوقها منظومة موازية للرقابة والولاء ترتبط بزعيمهم عبد الملك الحوثي.
وتقوم هذه المنظومة على مستويين متداخلين: مؤسسات رسمية تتولى الإدارة، وقيادة حوثية تمارس السلطة الفعلية. ويحتفظ المجلس السياسي الأعلى والحكومة في صنعاء بأدوار رسمية، لكن صلاحياتهما تخضع لتدخل قيادة الحركة.
أما تمويل هذه السلطة فيعتمد على الضرائب والجمارك والرسوم الإضافية، فضلًا عن السيطرة على الموانئ والمراكز السكانية. وتتيح هذه الموارد للجماعة تمويل أجهزتها الإدارية والأمنية وعملياتها العسكرية، رغم غياب الاعتراف الدولي بحكمها.
ويشير التحليل إلى أن التماسك الظاهر لا يعني غياب الخلافات الداخلية. إذ تشهد المستويات الأدنى من السلطة تنافسًا على الموارد والمناصب والنفوذ، بينما تسعى القيادة المركزية إلى احتواء هذه الصراعات.
وفي الجانب الديني، يميز شولتسه بين الحركة الحوثية والمذهب الزيدي الذي تستمد منه بعض مرجعياتها. ويؤكد أن الانتماء إلى المذهب الزيدي لا يعني بالضرورة تأييد الحوثيين أو تبني مشروعهم السياسي.
