وفقًالمقياس التّصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)رابط خارجي، الذي طوّرته الأمم المتحدة بالتعاون مع جهات أخرى، يعاني قرابة 20% من سكان لبنان، أي أكثر من 1،2 مليون شخص، من انعدام الأمن الغذائي الحادّ. ويعود ذلك بالمقام الأوّل إلى الحرب بين حزب الله وإسرائيل، المؤدّية إلى نزوح نحو مليون شخص داخل البلاد، فضلًا عن مئات آلاف الفارين، والفارّات، إلى سوريا عبر الحدود.
وتزيد موجات النزوح الواسعة الضغط على بلد يعتمد منذ فترة طويلة على استيراد جزء كبير من احتياجاته الغذائية. كما تضرّرت قدراته الزراعية بشدّة خلال العقد الأخير. فمنذ عام 2019، تتوالى الأزمات في لبنان، واحدة تلو الأخرى؛ اضطرابات سياسية ومالية، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، وحربان مع إسرائيل، وتعطّل سلاسل الإمداد. أمّا تداعيات إغلاق مضيق هرمز، فلا تزال غير واضحة حتى الآن. وفوق هذا وذاك، جاءت معدلات الأمطار، هذا الربيع، دون المتوسّط في عموم المنطقة.
ويعيش المزارع أحمد حسين القطلب، البالغ من العمر 65 عامًا، في قضاء عكّار بالمحافظة الشمالية، أحد المراكز الزراعية في لبنان. وتقع حقوله، ومشاتله في بلدة عرقة، التي مرّ بها نهر صغير يحمل الاسم نفسه. ويشكّل هذا النهر بالذات، أحد أبرز مصادر قلقه.
وخلال زيارة أجرتها سويس إنفو (Swissinfo.ch) في أواخر عام 2025، لخّص القطلب الوضع باقتضاب، قائلًا: ”وضع المياه سيئ جدًّا“. فقد شهد العام الماضي معدلات أمطار تحت المتوسط، ولم تكن السنوات السابقة له أفضل حالًا. وأضاف مزارع الخضروات: ”لحسن الحظ لدي بئر، وليس هذا متاحًا للجميع. لكن بالطبع، ليست المياه الجوفية بلا حدود“.
وفي العادة، يتولى ”شاويش“ تكلّفه البلدية، تنظيم توزيع المياه في قرى مثل عرقة. وعند شُحِّها، تنتشر غالبًا شائعات عن فساد أو سوء إدارة. لكن بمزيج من الدعابة والإحباط، قال: ”لكن هذا العام، لم تهطل أمطار كافية أساسًا لكي يتمكّن من التحايل علينا“.
الحرب تثقل كاهل الزراعة
وتشير حالة انعدام الثقة في لبنان إلى مشكلة أخرى، هشاشة الدولة في ظل انقسام سياسي عميق. فبينما يرى البعض أنّ الحرب الراهنة تهدد تماسك البلاد الداخلي، يأمل البعض الآخر أن تفضي إلى عكس ذلك تمامًا.
وتقول نورا عرابة حداد، ممثلة منظمة الأمم المتّحدة للأغذية والزراعة، “الفاو”، في لبنان: “أمام لبنان فرصة ثمينة لإحداث تحوّل في قطاع المياه، ويتطلّب ذلك اعتماد نهج متكامل. إذ ينبغي تعزيز المؤسسات، وإنفاذ القوانين، والاستثمار في البنية التحتية والحلول المبتكرة، والربط بين أنظمة المياه، والطاقة، والنظم الغذائية”. وترى أنّ ثمة سبلًا فعلية لتحقيق تنمية مستدامة.

أمَّا المزارع، القطلب، فلا يتأثر مباشرة بالحرب الدائرة في جنوب البلاد، وشرقها أساسًا. ومن المقرّر استفادته من مشروع قيد التنفيذ مستقبلًا، لمدّ قناة مائية تضمن إمدادات مياه موثوقة وآمنة، للسكان المقيمين على ضفاف النهر الصغير.
وتنفّذ “الفاو” المشروع بتمويل مشترك من سويسرا. وترى ممثلة “الفاو” في لبنان أن هذا المشروع يأتي في لحظة حاسمة للبلاد، قائلة: “علينا تحسين حياة الناس اليوم، وفي الوقت نفسه حماية الموارد للأجيال القادمة”
لكن في ربيع عام 2026، عاد الوضع في لبنان إلى حالة من عدم الاستقرار مجدّدًا، ما يجعل تقدير كيف يمكن تنفيذ مثل هذه المشاريع على المدى المتوسط، صعبًا في الوقت الحالي. وردًّا على استفسارٍ، أفادت السفارة السويسرية في بيروت بزيادتها في نهاية مارس بالفعل، المساهمة المالية في مشروع إمدادات مياهٍ تابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، كإجراء طارئ. ويوفّر هذا المشروع المياه النظيفة للسكان النازحين داخليًا.
”دبلوماسية المياه“ السويسرية
وتُعتبر ضمانات التخطيط أمرًا أساسيًا للمشاريع المستمرّة لسنوات متعدّدة بمشاركة عديد الأطراف. لكن تجعل الهدنة الحالية بين لبنان وإسرائيل، المخروقة باستمرار، عملية التخطيط مهمة شاقة.
وتُضاف إلى ذلك حقيقة اعتماد الزراعة في لبنان على العمالة الموسمية، ويأتي معظمها من سوريا. وفي الأشهر الأخيرة، اضطرّ عدد متزايد منها إلى مغادرة البلاد تحت ضغط من الحكومة اللبنانية.
وقبل الهدنة الحالية، الداخلة حيّز التنفيذ في أبريل الماضي، نشرت وزارة الزراعة اللبنانية أرقامًا تفيد بتضرُّر 22% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعيةرابط خارجي جراء الحرب. ويضاف إلى ذلك تضرُّر أعداد قطعان الماشية، لا سيّما في جنوب البلاد وشرقها. ولا تتوفّر أرقام أحدث من ذلك.
وفي مارس، خصّصت سويسرا 7،5 ملايين فرنك سويسري للمساعدات الإنسانية في لبنان، وسوريا، وإيران. وقالت منظمة الأغذية والزراعة إنّها تحتاج إلى حوالي 19 مليون دولار (14،8 مليون فرنك سويسري) كمساعدات طارئة للبنان وحده، في عام 2026. وانخفضت ميزانيّتها في السنوات الأخيرة. ففي يناير 2026، أوقفت الولايات المتحدة مساهمتها، البالغة 300 مليون دولار (235 مليون فرنك سويسري)، التي كانت تمثّل 14 في المائة من ميزانية المنظّمة الإجمالية.

