لم يعد اسم “معهد العالم العربي”، يُستحضر اليوم، بوصفه منصة للحوار الحضاري فقط، بل كعنوان لأزمة أخلاقية ومالية تضرب واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في فرنسا. فمنذ افتتاحه في باريس عام 1987، شكّل المعهد واجهة ثقافية وديبلوماسية لمشروع فرنسي/ عربي. غير أنّ هذه الصورة اهتزّت بقوة مع تفجّر القضية المرتبطة بعلاقة رئيسه جاك لانغ، بالمموّل الأميركي المُدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، وهي قضية لم تعد مجرّد جدل إعلامي، بل تحوّلت إلى ملف قضائي مفتوح يهدّد صورة المؤسسة ومصداقيتها.
يُذكر أنّ جاك لانغ، وزير الثقافة الاشتراكي السابق، تولّى رئاسة المعهد منذ عام 2013، أي بعد خمس سنوات من إدانة إبستين الأولى عام 2008 في الولايات المتحدة الأميركية. هذا التاريخ يضفي مزيدًا من التعقيد على الأزمة، ويضع العلاقة تحت مجهر النقد العام والسياسي.
منذ افتتاحه، قدّم المعهد جسرًا ثقافيًا وحضاريآ بين فرنسا والعالم العربي. لكن هذا الجسر تصدّع بقوة مع تكشّف حجم الروابط بين لانغ وإبستين. وبحسب ما نشره موقع “Mediapart” (ميديابارت)، ورد اسم لانغ، مئات المرات في وثائق مرتبطة بإبستين. الرقم بحد ذاته لا يشكّل إدانة، لكنه يطرح تساؤلات جدية، خصوصًا أن التواصل استمر بعد إدانة إبستين عام 2008 في الولايات المتحدة الأميركية.
الأخطر أن المعطيات المنشورة، تحدّثت عن إدراج اسم كارولين لانغ في وصية إبستين، مع مبلغ خمسة ملايين دولار، إضافة إلى تأسيس شركة “أوفشور” في جزر العذراء الأميركية، جمعت إبستين وكارولين، وظهر فيها اسم جاك لانغ. هنا لم تعد المسألة علاقة شخصية بين رجلين نافذين، بل شبكة مصالح مالية عابرة للحدود تضع مؤسسة عامة في دائرة الشبهات، حتى في غياب أي حكم قضائي نهائي.
في 6 فبراير/شباط، فتحت النيابة العامة المالية في باريس؛ تحقيقًا في شبهات «غسل أموال ناتجة عن تهرّب ضريبي مشدّد» تستهدف لانغ وابنته، وأُسند الملف إلى المكتب الوطني لمكافحة الاحتيال. بعد ذلك، دهمت الشرطة القضائية مقر المعهد نفسه. كان المشهد رمزيًا وصادمًا: مؤسسة أُنشئت لتكون واجهة ثقافية لفرنسا في العالم العربي، تتحوّل إلى مسرح لتحقيق جنائي.
بالتوازي، تقدّمت جمعية “Anticorruption AC” (ضد الفساد) بشكوى إضافية ركّزت على الروابط المالية المحتملة؛ وعلى الشركة المسجّلة في الخارج، مستندة أيضًا إلى تقرير صادر أواخر عام 2024، عن ديوان المحاسبة الفرنسي. التقرير لم يتناول قضية إبستين مباشرة، لكنه وجّه انتقادات لإدارة المعهد بين 2012 و2023، مشيرًا إلى اختلالات في الحوكمة، ومنح رواتب في ظروف قانونية قابلة للطعن لبعض المقرّبين من لانغ. وهكذا تلاقت الشبهات المالية مع ملاحظات رقابية كانت قائمة أصلًا.
تحت ضغط التحقيقات والرأي العام، أعلن جاك لانغ استقالته من رئاسة المعهد، كما استقالت ابنته من رئاسة “نقابة مُنتجي السينما المستقلين”. غير أن الاستقالة لا تمحو الأسئلة الجوهرية: كيف استمرت العلاقة مع إبستين بعد إدانته؟ وهل أُحيطت الجهات الوصية ومجلس الإدارة علمًا بطبيعة هذه الروابط؟
إن تعيين الديبلوماسية الفرنسية Anne Claire LEGENDRE (آن كلير ليجوندر)، مستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون العالم العربي، والمتقنة للغة العربية، على رأس المعهد، عُدّ إشارة واضحة إلى رغبة رسمية في احتواء الأزمة وإعادة ترميم الصورة. كما أنها أول امرأة تتولى رئاسة المعهد منذ افتتاحه عام 1987.
`
غير أن استعادة الثقة؛ تتطلّب ما هو أبعد من تغيير الأشخاص؛ فهي تستدعي ترسيخ قواعد حوكمة أكثر صرامة، وشفافية مالية واضحة، ومساءلة مؤسسية لا لبس فيها.
اليوم، يقف “معهد العالم العربي”، أمام اختبار دقيق. إما أن تتحوّل الفضيحة إلى فرصة إصلاح تعيد تثبيت دوره الثقافي والحضاري، أو تبقى المؤسسة أسيرة عنوان ثقيل يربط اسمها طويلًا بقضية اختلطت فيها الثقافة بالعلاقات الشخصية، والرمزية بالجدل القضائي.
