في ثاني أكبر مدن البلاد، تُلقي الفوضى التي أعقبت سقوط القذافي بظلالها على نهاية الديكتاتورية.
تغيّر المكان كثيرًا، وعاش أحداثًا متعددة خلال خمسة عشر عامًا. هنا، أمام محكمة بنغازي في “برقة” (شرق ليبيا)، انطلقت ثورة 17 فبراير 2011. المبنى البني ذو الأعمدة العالية، الذي غُطي عام 2011 صور مئات من شهداء نظام القذافي، استُبدل ببناء أبيض ورمادي بواجهة زجاجية طويلة. وخلفه، تعرض المدينة القديمة في بنغازي مباني ممزقة ومثقوبة بالرصاص، نتيجة حرب عام 2014. وأمامه، أُعيد تأهيل الكورنيش بممشى جديد ومقاهٍ عصرية تطل على البحر الصافي ومناطق ألعاب للأطفال.
في 15 فبراير 2011، تجمعت أمام هذا المبنى – رمز الظلم السائد منذ عام 1969 (عام استيلاء القذافي على السلطة) – عائلات السجناء الذين اختفوا في “سجن أبو سليم” بطرابلس، حيث يُعتقد أن أكثر من 1200 سجين قُتلوا عام 1996 دون إبلاغ ذويهم. انفجر الغضب بعد اعتقال أحد محاميهم والتعامل العنيف مع الاحتجاجات. كان “أكرم حمد أمسالم” يعمل شرطيًا آنذاك، لكنه، مثل كثيرين، رفض تنفيذ أوامر إطلاق النار على السكان. يقول: «أنا أحب مدينتي وكنت مقتنعًا بعدالة مطالب المتظاهرين»، ويضيف: «كنا بحاجة إلى التغيير. كانت هناك مشاكل فساد، حتى داخل جهاز الشرطة. كنت أحلم بشرطة نزيهة وحديثة».
في 17 فبراير، نُهبت إحدى ثكنات بنغازي، وأصبح المتظاهرون مسلحين، وسيطروا على المدينة خلال أيام قليلة. وانتشرت الحركة في أنحاء البلاد. في مارس، قدَّم حلف شمال الأطلسي (الناتو) دعمه. وانتهت الثورة باغتيال معمر القذافي قرب “سرت”، وسط الساحل الليبي، في 20 أكتوبر 2011. أعقب ذلك أشهر من النشوة العامة. يتذكر “معاذ”، وهو تاجر من “مصراتة” في غرب ليبيا: «كانت فترة استثنائية. شعرنا أن كل شيء ممكن. اكتشفنا العالم بعد أن عشنا معزولين ومقطوعين عنه لمدة 42 عامًا».
كان الليبيون الستة ملايين، بفضل احتياطياتهم النفطية – الأكبر في أفريقيا – يقارنون أنفسهم بـ”دبي”. لكن الأمن ظل تحديًا حقيقيًا، مع وجود أكثر من 20 مليون قطعة سلاح متداولة في بلد يعادل ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا ويملك قرابة ألفي كيلومتر من الحدود المشتركة مع السودان وتشاد والنيجر وسط الصحراء. ولم يتحسن الوضع. ووفقًا لتقرير أممي صدر عام 2021، فإن «حظر الأسلحة (المفروض عام 2011) لا يزال غير فعال تمامًا».
في عام 2012، انتخب الليبيون أول برلمان لهم. يقول معاذ: «أتذكر أنني صوتّت لجاري لأنه كان شخصًا طيبًا. لم أكن أعرف شيئًا عن السياسة». سرعان ما بدأت التوترات السياسية، وأبدى السكان استياءهم من أداء نوابهم.
لكن بنغازي كانت تعاني أيضًا من موجة اغتيالات استهدفت رجال الشرطة والقضاة والنشطاء. وازدادت قوة جماعة أنصار الشريعة الإرهابية. وكان أكرم حمد أمسالم من ضحايا ذلك. ففي 29 أبريل 2014، تعرض لانفجار قنبلة وضعت تحت سيارته بسبب معارضته للإسلاميين على مواقع التواصل الاجتماعي، وفقد ساقَهُ. وبعد نحو أسبوعين، أطلق اللواء المتقاعد “خليفة حفتر” عملية عسكرية ضد تلك الجماعات المتطرفة «لتنظيف بنغازي». لم تعترف الحكومة آنذاك بشرعيته. وبعد ذلك بوقت قصير، جرت انتخابات تشريعية جديدة، لكن لم يُعتَرف بها في غرب البلاد. وأعلن البرلمان الجديد ولاءه لخليفة حفتر. وهكذا بدأت مرحلة «ليبيا ذات الرأسين»، بوجود برلمانين – لا يزالان قائمين – وحكومتين عاجزتين عن فرض سلطتهما أمام الجماعات المسلحة. في بنغازي، استمرت الحرب ثلاث سنوات ودمّرت المدينة. ولم تبدأ إعادة الإعمار إلا بعد جائحة “كوفيد”.
اليوم، لا يبدي أكرم حمد أمسالم أي ندم: «لقد دفعنا ثمنًا باهظًا لهذه الحرب. لكني أرى نتيجة العملية العسكرية التي قادها خليفة حفتر: الاستقرار، الأمن في المدينة… انظروا إلى هؤلاء الأطفال، ما كانوا ليتمكنوا من اللعب هنا في مدينة كانت تحت سيطرة المتطرفين». في السوق قرب وسط بنغازي، بينما يستعد الليبيون لاستقبال شهر رمضان، تبدو ذكريات الحرب والثورة بعيدة. ولا بد من ذكر تاريخ 17 فبراير مع تحديد السنة حتى يتذكر الليبيون هذه الذكرى. تقول نجاة، وهي أرملة في الستين من عمرها، بصراحة: «اليوم، في بنغازي، لدينا استقرار وأمن. لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من التساؤل: لماذا كل هذه المآسي لنصل إلى هنا؟ كان الجو العام، مجتمعنا، الأسعار، كل شيء أفضل من قبل».
كثير من الليبيين يشتكون من ارتفاع الأسعار، خاصة المواد الغذائية. وتقول نجاة إنها محظوظة لأنها تعيش على العملات الأجنبية التي يرسلها لها أبناؤها من الخارج. في يناير – للمرة الثانية خلال أقل من عام – خفّض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7%. ويعاني الاقتصاد من تضخم الإنفاق العام في ظل غياب التنسيق المالي بين الحكومتين المتنافستين. ووفقًا للمصرف المركزي، بلغت النفقات العامة عام 2024 نحو 224 مليار دينار (29.96 مليار يورو)، مقابل إيرادات بلغت 136 مليار دينار (18.18 مليار يورو) – معظمها من النفط. وبينما يبلغ السعر الرسمي في فبراير 7.47 دينار لليورو الواحد، فإن سعر السوق السوداء – الأكثر استخدامًا – في بنغازي يصل إلى 11 دينارًا لليورو.
النتيجة أن الليبيين، الذين اعتادوا على الأسعار المنخفضة بسبب الإعفاءات الضريبية، شهدوا ارتفاعًا كبيرًا في نفقاتهم. فقد ارتفعت سلة الفواكه والخضروات الأسبوعية لمحمد من 65 دينارًا ليبيًا (8,70 يورو في السوق الرسمية) إلى 120 دينارًا ليبيًا (16 يورو)، بينما يبلغ دخله 1500 دينار (200 يورو). ويقول: «معظم الفواكه والخضروات تأتي من مصر. لكن الأسعار ارتفعت أكثر بالنسبة للحليب والتونة والزيت…». ويعترف هذا المتقاعد، الذي عمل في قطاع النفط، دون تردد: «لقد غيّرت الثورة بلدنا في البداية بشكل إيجابي، ثم بشكل سلبي مع الحرب. اليوم الوضع أفضل. لكن إذا طُلب مني تقييم عام، أشعر أنني أفتقد معمر القذافي».
وتتمثل مشكلة أخرى في نقص السيولة النقدية. فمنذ عدة أشهر يمكن تمييز البنوك من بعيد بسبب طوابير الانتظار الطويلة لعملائها. وتُحدَّد عمليات السحب، بحسب المؤسسات، بين 1000 و2000 دينار ليبي (من 133 إلى 267 يورو) شهريًا. غير أن وسائل الدفع الإلكتروني وبطاقات الدفع تطورت خلال السنوات الأخيرة مع توالي هذه الأزمات، بعدما كانت غير موجودة قبل عام 2011.
ومع ذلك، لا أحد ينتقد خليفة حفتر. إذ يُحمَّل غرب ليبيا، حيث يوجد المصرف المركزي، مسؤولية التدهور الاقتصادي. ويبقى خليفة حفتر، الذي تنتشر صوره في أنحاء المدينة إلى جانب صور أبنائه، الرجلَ الذي حرر المدينة والمنطقة من الإرهابيين الإسلاميين. كما نجح في إنشاء هيكل عسكري منظم يُعرف باسم «الجيش الوطني الليبي» انطلاقًا من جماعات مسلحة متفرقة، وهو ما لم تنجح طرابلس في تحقيقه. ففي الوقت الحالي، تُحمى العاصمة من قبل جماعات مسلحة تابعة لحكومة طرابلس، بحسب أهوائها.
ومن خلال “صندوق إعادة الإعمار والتنمية”، الذي يديره “بلقاسم حفتر”، أحد أبناء المشير، أُطلقت مشاريع كبرى لإعادة الإعمار والتحديث في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي. ففي بنغازي، يجري إنشاء ملعب غولف في قلب المدينة، وتظهر الرافعات في كل مكان. وهو حراك لم يعرفه أهل بنغازي منذ زمن طويل. ففي عهد القذافي، كان الناس معتادين على جمود المشاريع بسبب الفساد.
ويقول «عقيلة*»، وهو عامل إنساني مقيم في طرابلس ويتمتع بإمكانية التنقل في مختلف أنحاء البلاد، بينما لا يستطيع بعض مواطنيه ذلك بسبب انتماءاتهم السياسية: «نحن بَلَدان». ويشير إلى أن الشرق وبنغازي يتمتعان بالاستقرار، خلافًا لطرابلس: «لم يعد لدى المواطنين اليوم طموح سياسي. إنهم يريدون أن يعيشوا حياتهم اليومية من دون خوف. هذه هي الأولوية الأساسية. وهذا ما نجده في بنغازي». ولم تجذب الانتخابات البلدية الأخيرة، التي جرت في بنغازي في ديسمبر/كانون الأول بعد انقطاع دام عشر سنوات، سوى 12,500 ناخب من أصل عدد سكان يتراوح بين 700 ألف ومليون نسمة (إذ يعود آخر إحصاء سكاني إلى عام 2007). ومع ذلك، يبقى زيد محمود العواج، أحد المنتخبين الجدد في المدينة، متفائلًا: «سوف يستعيد الأهالي ثقتهم بالسياسة تدريجيًا مع توالي الانتخابات وبفضل هذا الاستقرار الجديد».
لقراءة الأصل بالفرنسية:
À Benghazi, quinze ans après, les espoirs déçus de la révolution libyenne
