لم يأتِ الهلع على هيئة صفّارات إنذار. لم يطرق الأبواب بعنف. بل تسلّل بهدوء، عبر مجموعات واتساب، ومنصّات التلفزيون، ومقالات كُتبت على عجل، بعد أن جعلت آخر خطوات مصرف لبنان أمراً واحداً واضحاً بلا لبس: قواعد الإفلات من العقاب القديمة لم تعد صالحة للعمل .
«مصرف لبنان ليس صندوق دعاوى ولا مكتب ادّعاء عام»، قال أحد “العارفين”، مكرّراً العبارة بثقة من يحفظ تراتيل بيروت عن ظهر قلب. قيلت الجملة على أنها توبيخ. لكنها سقطت كاعتراف.
هذا المنطق—الشائع، المكرر، والواثق على نحو يثير الريبة—لا يصدر عن فهم حقيقي لكيفية عمل المؤسسات العامة، ولا عن إيمان صادق بمبدأ فصل السلطات. إنه منبتّ من تربة أخرى تماماً: الخوف. خوف ممزوج بالإنكار. خوف حادّ ناتج عن إدراك مفاجئ بأن المحاسبة قد لا تبقى نظرية.
صحيح أن مصرف لبنان ليس قاضياً ولا هيئة محلفين. لكنه شيء أكثر إزعاجاً لمن يرفعون الصوت اليوم: إنه الضحية. ضحية اختلاس. وفي لبنان، اعتادت الدولة—تحت أنظمة الوصاية المتعاقبة—أن تعامل الضحايا كإزعاج، لا كأصحاب حق. يُطلب منهم الصمت، ويُتوقّع منهم الامتنان لأي فتات اعتراف، ويُثنَون عن التفكير حتى في العدالة.
النمط معروف ومُنهك من كثرة التكرار. المخطوفون لدى النظام السوري، المعتقلون بطلبه، أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، المودعون الذين تبخّرت أعمارهم المالية—جميعهم عولجوا بالوصفة نفسها: إنكار العدالة، التشكيك المنهجي بالحقوق، وسلسلة لا تنتهي من الأعذار الإجرائية التي تشرح لماذا يجب أن ينتظروا يومهم في المحكمة. أو ألا يأتي أبداً.
اليوم، يجد مصرف لبنان نفسه داخل هذا السجل نفسه من الضحايا. يزعم—وبأسماء—أنه تعرّض للنهب: حاكم سابق، مصرفي نافذ، ومنظومة كاملة من الممكّنين. وكان ردّه، على غير المألوف، بسيطاً إلى حدّ الإرباك. تقدّم بدعوى أمام القضاء، نعم، لكن أيضاً أمام الرأي العام. لا استعراضاً، بل استباقاً. لقطع الطريق على السيناريو المعتاد: تشويه الوقائع، تلويث الخطاب، وتلوين المسرح إلى أن تضيع الجريمة في الضباب.
وهذا بالضبط ما أفزع الفاعلين.
دعوى صامتة كان يمكن احتواؤها، إضاعتها في دهاليز قصر العدل، وإفراغها بمرور الوقت. لكن هذه المرة، تكلّم المصرف علناً. قال بوضوح إن ما جرى في عهد القيادة السابقة لم يكن خطأً معزولاً، ولم يكن عملاً فردياً. فجأة، ظهرت تحت الضوء القاسي الوجوه المعتادة: مصرفيون، مدقّقون، محامون، أوصياء، وسطاء—كوكبة “الاحترام” المالي كاملة.
الرد كان فورياً ومنسّقاً.
مقدّمو برامج تلفزيونية لبنانيون—وجوه مألوفة، موثوقة الولاء للمصارف، وبعضهم هرّب ملايين الدولارات إلى الخارج حين كان المواطن العادي ممنوعاً من تحويل دولار واحد—ملأوا الشاشات. مدوّنة مقيمة في الولايات المتحدة، تخصّصت في الشتيمة الشخصية المغلّفة بلغة مالية، غيّرت موقفها بمرونة مذهلة: من مديح المصرف إلى الهجوم عليه. حرية تعبير؟ بلا شك. حرية تبديل المواقف؟ بالطبع. لكن المصداقية لا تبدّل جلدها بهذه السهولة.
إذا أُزيل الضجيج، تبقى القصة بسيطة: مجموعة منظّمة من المجرمين، ببدلات أرماني وربطات عنق هيرميس ولهجات مصقولة، مدعومة بمحامين دوليين ومدقّقين ومستشارين وشبكات مصرفية، راكمت ثروات غير مشروعة على حساب المصرف المركزي. التقديرات تشير إلى نحو نصف مليار دولار، مع الفوائد والأضرار. هذا المال—أخلاقياً وقانونياً—يعود لمودعي لبنان.
لا خطب تلفزيونية، ولا تدوينات مأجورة، ولا استحضار سياسيين من الماضي تغيّر هذه الحسابات.
الغضب الموجّه اليوم ضد مصرف لبنان وشاغل موقعه ليس أيديولوجياً. إنه وجودي. وللمرة الأولى منذ زمن طويل، يدرك من ظنّوا أنهم يعرفون الأرض أن الخريطة قد تبدّلت.
نعم، الهلع حقيقي. يمكن سماعه في الارتعاش الكامن تحت الشعارات الجاهزة.
ولمن يراقب بدقّة، الرسالة واضحة:
شدّوا الأحزمة.
العرض بدأ للتو.
*
إقرأ أيضاً:
قضية “بنك عودة”: كيف تحوّلت الأموال العامة إلى أرباح خاصة

See new posts
Conversationصحيح أن مصرف لبنان ليس قاضياً ولا هيئة محلفين. لكنه شيء أكثر إزعاجاً لمن يرفعون الصوت اليوم: إنه الضحية. ضحية اختلاس. وفي لبنان، اعتادت الدولة—تحت أنظمة الوصاية المتعاقبة—أن تعامل الضحايا كإزعاج، لا كأصحاب حق. يُطلب منهم الصمت، ويُتوقّع منهم الامتنان لأي فتات اعتراف، ويُثنَون عن التفكير حتى في العدالة.
لم يأتِ الهلع على هيئة صفّارات إنذار. لم يطرق الأبواب بعنف. بل تسلّل بهدوء، عبر مجموعات واتساب، ومنصّات التلفزيون، ومقالات كُتبت على عجل، بعد أن جعلت آخر خطوات مصرف لبنان أمراً واحداً واضحاً بلا لبس: قواعد الإفلات من العقاب القديمة لم تعد صالحة للعمل.