كمن يستخفه السفر وما قد يحمله من مفاجآت غامضة، أو كمن يتذكر خفة السفر ومفاجآته القديمة، جلستُ في قاعة حدودية للأمن العام السوري الجديد في “جديدة يابوس”. وفي انتظار إنجاز معاملات وإجراءات عبور الحدود السورية، شرعتُ أدون ملاحظات وانطباعات عابرة عن الرحلة إلى دمشق.
قد أكون فعلتُ ذلك لأختبر احتمال ضعيف: زوالُ تاريخ ثقيل، مريرٍ ومديد، من العلاقات بين بلدين قال الديكتاتور السوري الراحل إن “لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين”، و”ما صنعه التاريخ بينهما لا يمكن أن تمحوه السياسة”. وهذا فيما كان ذاك الديكتاتور وابنه من بعده، يستعبدان الشعب السوري، ويعملان على تعميق الشقاق وتأجيج الاقتتال بين جماعات لبنان وتدمير الدولة اللبنانية.
في الطريق إلى دمشق
في الخارج، خارج القاعة الأمنية الحدودية الفسيحة، لفتني سياج أخضر أمام المبنى المشيد في طبيعة جرداء، قاحلة ومقفرة. قوة الاخضرار المتساوي والمتجانس في السياج كله، خلوه التام من النتوءات والتعرجات، وجموده كجدار على خلاف طبائع النبات، حملتني على الاقتراب منه، فإذا به سياج من البلاستيك الأخضر.
لا ضير في ذلك -فكرت- طالما أن السياج يشي بانتباه إلى أهمية المنظر والشكل، وبرغبة في كسر مشهد الخلاء المقفر وغير المأهول على الحدود بين البلدين. ثم إن القاعة الفسيحة، ربما جُدِّدت تجهيزاتها. والأكيد أن العمل فيها وإدارتها نُظما على نحو جديد، بعد زوال النظام السوري السابق، وزالت معه صلافة ضباطه الذين ما كانوا يتناوبون عن إهانة جنودهم، شتمهم وصفعهم.
وها هم رجال الأمن السوري الجديد يبادروننا -نحن المدعوين إلى حضور معرض للكتب في دمشق- بشيء من اعتذار، فيما نلحُّ عليهم لتسريع معاملات اجتيازنا الحدود، بعدما بيّنت لهم أجهزتهم الإلكترونية أن ثلاثة منا أصدر النظام السابق مذكرات أمنية لتوقيفهم واعتقالهم.
على دفترٍ صغير كتبت: حين تجاوزنا بلدة مجدل عنجر، تحدث السائق البقاعي الذي أقلنا في سيارته من بيروت، عن كساد التهريب والسلفية في تلك البلدة اللبنانية الحدودية. ثم كتبتُ أيضًا: ما معنى الحدود والأمن بين بلدين صنع نظام الأسد بينهما وفي كل منهما ما يصنعه حداد بدائي قديم بمطرقته في الحديد؟ وهل من علاقة ما بين الحدود والحديد؟ وبعدما خوّض أهل البلدين وجماعاتهما مديدًا في القتل والدم والخراب، هل هما بقادرين على طي صفحة ذاك الماضي الذي لا يزال ماثلًا في حاضرهما، للشفاء منه في المقبل من الأيام؟
على الأرجح لا شيء مضموناً في هذه البلاد المنكوبة.
المقعد الذي أجلس عليه في القاعة مخلوع ويتأرجح، فانتقلتُ إلى آخر متصل به، فتأرجح بي مثل قرينه في صف طويل من المقاعد المتصلة والمتماثلة. تذكرت أنني لم أشاهد مقاعد لجلوس المنتظرين في قاعة الأمن العام اللبناني الحدودي، وأن إهمالًا مزمنًا يهيمن على تجهيزاتها، ربما منذ استرسل اللبنانيون والفلسطينيون في حروبهم الأهلية.
وحين انتُدب نظام حافظ الأسد، أو انتدب ديكتاتوره نفسه لإيقاف تلك الحروب، فأدخل الجيش السوري وأجهزته الأمنية إلى البلاد اللبنانية، شرع ذاك النظام الأمني وعرابه الأكبر في إذكاء الاحتراب فيها، وعمّق الشقاق بين أهلها جماعاتها طوال 15 سنة (1975- 1990). ثم منع تلك الجماعات من التواصل والإجماع على أي أمر أو قرار.
وفي المقابل ترك ذاك العراب سوريا ومجتمعها وجماعاتها -إلا تلك المافيا الأمنية الإجرامية الرثة التي صنعها- في فقر مدقع وإهمال حتى الرثاثة، وسلط عليها القتل والموت في السجون طوال 30 سنة (1970- 2000)، ثم مات. ولما ورّث سوريا ولبنان لابنه، دمّر الإبن سوريا وقتل مئات ألوف من أهلها، وشرّد فيها وهجّر منها إلى المنافي أكثر من نصف سكانها في 13 سنة (2011- 2024)، ليعيد عددهم إلى ما كان عليه في بداية حكم والده سنة 1970.
وكتبتُ أيضًا: اختفى تمامًا ذاك الرعب الصامت من ضباط مخابرات النظام البائد في قاعة الأمن السوري الجديد. وعلى أسفل اللوح الزجاجي الفاصل بين رجاله الجدد وطالبي إنجاز معاملات عبورهم، أُلصِقت قصاصة ورقية صغيرة دُوّنت عليها بخط اليد عبارة: افتتح نهارك بأذكار الصباح. ولمن لا يحفظ كلمات أي من تلك الأذكار أو الأوراد، دُوّنت كلمات واحد منها على القصاصة الورقية الصغيرة.
أما على الجدار الفسيح العالي في صدر القاعة الكبيرة، فعُلّقت شاشة تلفزيونية كبيرة تبث بلا صوتٍ صورَ احتفالات، وتظهر في أسفل الشاشة كلمات أهازيج: ها هو التاريخ يشدو… وكتبتُ على دفتري الصغير: ليس أمرًا عاديًا أن يستخفك السفر في قاعة للأمن السوري، فتجلس مطمئنًا وتدوّن بلا اكتراثٍ من أحد ملاحظاتٍ وانطباعات عن الرحلة في الطريق إلى دمشق.
صورتان قديمتان لدمشق
وحين حاولت أن أستبقَ وصولي إلى دمشق بصور لها في ذاكرتي، لم أعثر على غير مشهدين قديمين تجمّدا فيها ويستحيل إزالتهما منها بالنسيان أو بالمحو الإرادي.
في المشهد الأحدث زمنًا، رجال موتورون وخائفون يتقدمون تظاهرة، كأنما انبثقت فجأة في شارع من منطقة الشعلان التجارية، في غروب نهار زيارتي الثانية دمشق، في 10 حزيران من العام 2000. كأنما الهواء في الشارع تسمّم فجأة مع سريان لغطٍ بلا مصدر محدد، يفيد أن هدف التظاهرة تجديد عهد حافظ الأسد الذي مات أخيرًا في ذاك النهار الحزيراني. ولئلا يموت الأبد السوري الأسود، أُخْرِجتْ تلك التظاهرة المذعورة لمبايعة ابنه وريثًا له في حكم سوريا ولبنان. وفي حالٍ من رعب صامت رأيت المتاجر تقفل أبوابها، فيما يسرع الناس المذعورون إلى الاختفاء من الشوارع.
مثلهم اختفيت مذعورًا، كما عدت في سيارة تاكسي إلى بيروت في مساء ذاك النهار الوحيد الذي أمضيته في دمشق، ملبيًا دعوة قريب كان يعمل موظفًا في شركة جديدة لاتصالات الهاتف الخليوي الجديدة آنذاك. وبعد يومين نُصبت في بيروت سرادق المهانة والذل لتجديد البيعة بالدم لوريث الأبد.
أما المشهد الدمشقي الأول في ذاكرتي، فيعود إلى فجر نهار من صيف العام 1982. في ذاك الصيف كانت بيروت تحترق بنيران الجيش الإسرائيلي الذي حاصرها، ثم سهّل لميليشيا الثأر أو لفرقة الموت، بعد اغتيال بشير الجميل، أن ترتكب مجزرة صبرا وشاتيلا الشهيرة. ولم تكن قد مضت آنذاك سوى شهور قليلة على المقتلة الأسدية الكبرى في مدينة حماة، وتدمير شطرها القديم على سكانه، وسط صمت سوري وعربي ودولي مطبق.
هاربًا من حريق بيروت ودمارها في ذاك الصيف، وصلتُ إلى دمشق مساءً، وفي أحد فنادقها نمت مبنّجًا حتى فجر النهار التالي، فأقلتني سيارة تاكسي إلى مطار دمشق. من نافذة السيارة أبصرت مشهدًا لأربعة رجال أو خمسة، تنسدل أردية بيضاء على أجسامهم المتدلية من منصة إعدام في غبش الفجر وسط ساحة المرجة. كأنما بُكْمٌ أصابني في الطريق إلى المطار، وفي الطائرة التي أقلتني إلى باريس. وهناك سقطتُ نصف نهار وليلة كاملة في لجة نوم أسود.
واستمر كابوس الأبد الأسود ينازع مديدًا في سوريا ولبنان، فلم يلفظ أنفاسه الأخيرة إلا قبل سنة واحدة وأشهرٍ قليلة. وها أنا وبعض من أصدقائي في الطريق إلى دمشق ما بعد الأبد، والتي استحال على أمثالي زيارتها والتعرف عليها، إلا في مثل هذين المشهدين الكابوسيين.
مدينة الشحوب المحظوظة
أما ما عشتُهُ وشاهدته وسمعته ليومين في دمشق، فيختلف تمامًا عما عرفَتْهُ وعاشته سوريا “الجديدة” في سلسلة الحوادث المأسوية الدموية الأخيرة، طوال سنة وشهرين: في منطقة الساحل شمالًا. وفي محافظة السويداء والقنيطرة جنوبًا. وفي حلب وشمال سوريا الشرقي. فدمشق ما بعد الأسد، تبدو آمنة ومستقرة وغير خائفة، على الرغم من الدمار والخراب الشاملين والمهولين اللذين أنزلهما في ضواحيها نظام المخلوع وحلفاؤه من روسيا إلى إيران و”لبنان حزب الله”. وهما دمار وخراب لا يزالان في الغوطة المتصحرة، يزنّران المدينة بطوق من الموت والردم والركام، على مثال ما فعلته إسرائيل في غزة.
هل حالف التاريخ والقدر والحظ عمران دمشق وعماراتها، منذ أن كانت أقدم حاضرة في العالم، وحتى صارت عاصمة دولة مركزية سرعان ما تسلط عليها طغيان البعث والأسد، فعاش أهلها وسكانها حياة اجتماعية مدينية تقليدية محافظة، وفي حال من انكفاء وتقشف وشحوب وإهمال، قد تكون هي الحال التي حفظت عمران المدينة التراثي القديم والمعاصر، المهمل والشاحب والمتقشف، من ادعاءات التحديث المشوَّه والوحشي؟
نعم، تبدو دمشق مدينة محظوظة في عمرانها وتنظيمها العمراني المحافظ والراكد، مقارنة بحداثة التسيُّب الفوضوي الحر في عمران بيروت، وبما آل إليه اليوم من تفسّخ وتآكل وحرية موتورة ومتوحشة في عشوائيتها. فكما كان وسط بيروت الضيق والعتيق في مطلع الستينات، بعدما قامت آخر موجة من الحداثة اللبنانية خارجه في شارع الحمراء، لا يزال عمران دمشق الهيكلي والفيزيائي، الأفقي والواسع والفسيح والمترامي، على حاله حتى اليوم.
وفي مرآة ما آلت إليه الحداثة اللبنانية بوجوهها كلها في بيروت، تبدو دمشق مدينة راسخة بإقامتها في ماضٍ محافظ وتقليدي، أُدخلت عليه بعض تحديثاتٍ وظيفية في أنظمة السير والمرور في أحيائها وشوارعها غير التراثية القديمة.
أما الشحوب المزمن الذي يكسو عمران دمشق وعمارتها، والتقشف والإهمال المزمنان في ألوان مبانيها القاتمة وأشكالها المتقادمة، والمماثلة لقيافة وأزياء العابرين والعابرات نهارًا بكثافة في شوارعها وأحيائها الحديثة والتراثية، وكذلك الإضاءة الليلية الشاحبة في مشاهد المدينة الخارجية كلها، التي يبدّد منها الليلُ وهدأتُه التلوثَ والسخامَ النهاريين… أما هذا كله فلم يُفقد دمشقَ شيئًا من تلك الجاذبية المتقادمة التي تتراءى فيها للعابر القادم إليها من بيروت الشاحبة والمهملة والمهترئة، لكن على نحو مختلف عن العاصمة السورية.
قد تكون طفرات الحداثة العمرانية الصارخة والمسترسلة في حريتها الفوضوية والعشوائية، هي ما يمثّل “الخطيئة الأصلية” في بيروت ولبنان كله. أما في دمشق فلربما تمثل المحافظة العمرانية التقليدية المتقادمة “خطيئتها الأصلية” التي عصمتها من فوضى الحداثة البيروتية المشوّهة.
هذا ما تراءى لي، حين خرجت من فندق أمية القديم، فجر نهار الجمعة، نهار العطلة الأسبوعية في دمشق، ومشيت في غبش الفجر البارد وهدأته، على غير هدىً وكيفما اتفق، في شوارع المدينة شبه الخالية إلا من رجال الشرطة في معاطفهم البلاستيكية المتماثلة والداكنة اللون. إنهم يقفون باسترخاء، ضجرين متثائبين، عند مفارق الشوارع وقرب مداخل الأبنية في ذلك الفجر الدمشقي الهادئ والبارد. هنا وهناك بعض من حمامات تتنقل على بلاطات الأرصفة، مطمئنات مثل بعض القطط الشريدة. هذا فيما قلة من أصحاب محال الفواكه والخضار والعصير يشطفون محلاتهم.
مشيت قرابة ساعة أحدق في واجهات المباني القديمة، في اللافتات التي تنتمي إلى الزمن القديم نفسه. شحوب وقدم وإهمال في حاجة إلى لمسات تنظيف وترتيب وطلاء وتجديد، كي تظهر تلك العمارة الجميلة في المدينة كلها. وذلك على مثال ما بدا لي في المساء ذاك المبنى التراثي الجميل المنظف والمجدد والمضاءة واجهاته، وشعرتُ أن حضوره على هذا النحو يغيّر مزاج العابرين أمامه، سلوكهم وحركاتهم وحواسهم وأشكال وألوان ثيابهم. وهذا ما لمحته أيضًا في مساحات من جدران المدينة يقوم عمال بتنظيفها وطلائها.
وفي الشوارع الفسيحة المستقيمة المؤدية إلى مدخل دمشق، ووصولًا إلى فندق أمية في وسطها، كنت قد انتبهت إلى تدفق السيارات القديمة في معظمها، بانتظام وبلا فوضى ولا تزاحم مَوتور، وبلا قفزات دراجات نارية مفاجئة ومرعبة أمامها وعلى جنباتها في تلك الشوارع. وحين عدت إلى فندق أمية بعد تلك الجولة الصباحية، انتبهتُ إلى عبارات مطبوعة على فسحة من جداره الخارجي العتيق: “عظّم ربك. لا تكفر به. الخِمار عبادة”.
صوت فيروز ومزاج دمشق
وفي صالة الفطور في الفندق القديم، يستقبلك كل صباح وبلا توقف صوت فيروز بحضوره الدائم في أغانٍ قديمة مثل تجهيزات الصالة وأثاثها. وصوت فيروز في دمشق يطلع بدوره من قدم يناسب مزاج المدينة وأهلها وسكانها. كأنه برومنطيقيته يواسي الجراح الدمشقية الخاصة والعمومية الدفينة التي لا ينضب حزنها الشفيف في ملابسته الخفر العاطفي في صوت فيروز. صوت يعيد الزمن دائمًا إلى ماضٍ متخيل ساحر وآسر، تطغى عليه أنوثة بريئة ومنكسرة، حزينة في مراهقتها الأبدية، ضد تلك الخشونة الذكورية وحرمانها العاطفي الدائم.
ودمشق تعشق فيروز عشقًا موحدًا، لا يغيّره تدافع الزمن وتغيُّر الأحوال وتفاوت الأعمار والأجيال والأمزجة، إلا لدى بعض من غادروا البلاد، أو فروا منها هاربين، وتقطّعت بينهم وبينها السبلُ، فصار عشقهم صوت فيروز يعادلُ نفورهم منه، ولا يختلف عن حنينهم إلى بلدهم ونفورهم منه. وهؤلاء غالبًا ما يتوزعون في المنافي الأوروبية، ويعيدهم اليوم موتُ الأبد الأسدي إلى دمشق في زيارات قد تقصر أو تطول. لكن هيهات أن يمكثوا ويقيموا ويتدبّروا حياتهم فيها على نحو مستمر وثابت.
هناك من يعتب على هؤلاء العائدين في زيارات متقطعة متباعدة، يعيّرونهم بالفرار من مآسي ثورة صارت دموية وكانت مغدورة قبل انتصارها الأخير. وكلما عادوا زائرين مستطلعين، يناصب كثيرون تذمراتهم ورؤيتهم السياسية المختلفة لسوريا الجديدة بالعداء، أو نكاية بهم يطالبونهم بالعودة الدائمة للمشاركة في نهضة البلاد.
لكن كيف ولماذا يعودون من مهاجرهم أو منافيهم إلى بلادهم التي استنقعت مديدًا في البؤس والركود والقتل والمعتقلات، ففروا منها وصنعوا هناك في البلاد الغريبة، بجهدهم الشخصي ومثابرتهم الفردية، حياة جديدة غيرتهم وغيرت نظرتهم إلى معاني الحياة والعالم والهويات والأوطان؟ وهؤلاء غالبًا ما يعيشون في حيرة وقلق وتوزع وشقاق في أنفسهم بين هناك، حيث ارتسمت مساراتهم ومصائرهم الجديدة ويستحيل عليهم تركها، للعودة الدائمة إلى هنا ومباشرة حياتهم من جديد في بلدهم الذي الذي بينه وبين النهوض مسافات غامضة وأهوال لا تحصى.
في يومين اثنين التقينا كثيرًا وفي مصادفاتٍ تفوق الحصر، عشراتٍ من أمثال هؤلاء العائدين. كأنهم مثلنا نحن الزائرين العابرين الذين يستخفنا السفر واللقاءات العابرة في مطاعم دمشق ومقاهيها، وفي حانات باب توما وباب شرقي الليلية. لقاءات تتدافع فيها المشاعر والكلمات والانفعالات العابرة، الحائرة والغامضة، التي لا تقيم ولا تثبت على حال.
شابان من هؤلاء اندفعا فجأة وعانقا يوسف على الرصيف أمام حانة أبو جورج الضيقة في باب شرقي، فلم يتعرف عليهما. كانا مراهقان لما فرّا مع أهلهما إلى بيروت، حيث درّبهما يوسف في “دار المصور” على كتابة نصوص ترافق تحقيقات مصوّرة. وها هما اليوم شابان عائدان إلى دمشق من كندا والمكسيك. ولم يصدق يوسف هذه المصادفة، وكادت دموع فرح تنحدر من عينيه. لقد صارا محترفي تصوير أفلام تسجيلية هناك.
مفارقات في “مدينة المعارض”
في معرض دمشق الدولي للكتاب بـ”مدينة المعارض” المنصوبة كصروح تجهيزية مهولة الأحجام في مساحات مترامية في قفر الغوطة شبه الصحراوية على طريق المطار، صادفت فجأة كاتبًا سوريًا صديقًا تعرفت إليه قبل سنوات في اسطنبول، ثم انتقل منها إلى الإمارات العربية. قال إنه أمضى قرابة شهر في دمشق، مستطلعًا دارسًا احتمال ومتطبات عودته الدائمة إليها، للإقامة والعمل فيها مع زوجته وولديه، فاستنتج استحالة ذلك لأسباب شتى: منها غلاء كلفة المعيشة وإيجارات البيوت المناسبة لسكنه وأسرته، ومصاعب عثوره على مدرسة وبيئة مدرسية ملائمتين لتعليم ولديه. لذا قرر ألا يعود إلى سوريا.
وفي صروح “مدينة المعارض” صادفنا كثرة من منظمين يبدون في قيافتهم وهندامهم المميزين وشبه الموحدين كموظفين في جهاز جديد. ثم صادفنا في فسحة واسعة بين هنغارات المعرض سيارة جديدة بيضاء كبيرة، مرسوم عليها نسر ضخم بكوفية مرقطة، وكُتبت إلى جانبه شعارات لم نعلم أهي جدّية أم كاريكاتورية ساخرة: “الجمهورية الرقاوية”، “وزارة العشائر”، “الجمهورية العربية العنزية” نسبة إلى قبيلة عنزة، و”الشرع عمك وعم الجميع”.
خرجنا مساء من “مدينة المعارض”، فوقفنا إلى جانب الأوتوستراد منتظرين مرور سيارة تاكسي تعيدنا إلى دمشق. اقترب منا شرطي يقف هناك مع زميل له، فعرض علينا أن يساعدنا في العثور على تاكسي. قال إن راتبه كان قبل زوال النظام أقل من 20 دولارًا، وصار اليوم 200 دولار، لكنه غالبًا ما لا يقبضه كاملًا، فتؤجل منه مبالغ إلى شهور مقبلة. بدا مرهقًا وقدّرت أنه تجاوز الأربعين من عمره. لكنه ظل يبدو لي على حاله وفي العمر نفسه، بعدما قال إنه ولد في العام 1990. أي أنه شاب لم يتجاوز الـ26 من عمره.
