إنّ حَذَر قائد المؤسسة العسكرية رودولف هيكل مفهوم، لكنه قادرٌ على التحرّك، ويجب أن يتحرّك.
مع تقدّم إسرائيل نحو نهر الليطاني، سيضطرّ حزب الله عاجلًا أم آجلًا إلى إعادة تنظيم صفوفه في المنطقة الواقعة بين نهرَي الليطاني والأوّلي عند مدخل صيدا. ولن يكون للجيش اللبناني، الذي سعى لأسباب مفهومة إلى تجنّب الاشتباكات المسلحة مع الحزب في السابق، أيّ عذرٍ إذا لم يبادر على نحو استباقي إلى تأمين هذه المنطقة أولًا. وعلى قائد الجيش، رودولف هيكل، الذي يُسجَّل له أنه يتجنّب المخاطر، ألا يسمح لهذه السمة بأن تتحوّل إلى تقاعسٍ قاتل. فالجيش يستطيع فعل الكثير من دون أن يذهب إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله.
يرى بعض الدبلوماسيين العرب أن الحرب في لبنان ستستمرّ لشهرَين آخرَين، أي أطول بشهرٍ من الحرب الأميركية والإسرائيلية ضدّ إيران. ويعتقدون أيضًا أن حزب الله سيستنزف، خلال هذه الفترة، مخزونه من الأسلحة تدريجيًا، وهو مخزون لن يتمكّن من تعويضه بشكل كافٍ نظرًا إلى أن خطوط إمداده عبر سورية تقلّصت بشكلٍ ملحوظ. وإن صحّ هذا التقدير، فنرى أن هدف حزب الله الأساسي من هذه الحرب هو كسب الوقت لصالح إيران، بما يتيح تحقيق نتيجة مُرضية لها.
لا يخفى أن هيكل ورئيس الحكومة نواف سلام لم يكونا على رأي واحد عندما اتّخذت الحكومة، قبل شهر تقريبًا، القرار بإعلان أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية غير قانونية. ويُقال إن قائد الجيش أبلغ رئيس الجمهورية بأنه لا يملك الوسائل اللازمة لتنفيذ القرار، لأسبابٍ عدّة منها تدنّي رواتب عناصره، وعدم قدرة الدولة على تقديم الدعم المالي لعائلات العسكريين الذين يُقتَلون. أما السبب الأكثر صراحةً، فهو أن الجيش لا يستطيع إلحاق هزيمة عسكرية بالحزب، وإذا حاول ذلك، سيُلحق بنفسه ضررًا بالغًا.
وقد تعرّض هيكل لقدرٍ كبيرٍ من الملامة ممّن نصّبوا أنفسهم خبراء عسكريين، والذين تعجّ بهم بيروت وواشنطن. فبينما طالب بعضهم بإقالته واستبداله بشخصٍ أكثر حزمًا، اتّهمه آخرون بأنه لا يريد تنفير حزب الله، لأنه سيصبح مرشحًا طبيعيًا لرئاسة الجمهورية بعد خمس سنوات. وذهب فريقٌ ثالث إلى القول إن هيكل يعكس ببساطة موقف مؤسسةٍ تربطها علاقات مريبة بحزب الله. لكن الحقيقة، بصرف النظر عن هذه التفسيرات الجاهزة، هي أن هيكل أدرك على الأرجح بوضوح أن أيّ مجابهة مع الحزب ستتحوّل إلى مواجهة مع الطائفة الشيعية برمّتها، وأنّ لا سبيل للجيش لتحقيق الغلبة في ظلّ هذه الظروف.
وكما قال لي مؤخّرًا أحد المراقبين المطّلعين على شؤون الجيش، ينتمي كلٌّ من هيكل وجوزاف عون إلى جيلٍ من الضباط الذين بدأت مسيرتهم المهنية خلال الصراع المدمّر مع القوات اللبنانية في العام 1990. هذان الرجلان يعيان تمامًا حدود قدرة الجيش في الصراعات الداخلية مع الميليشيات الطائفية. فعندما تواجه الجيوش مقاومة، ماذا تفعل؟ تتوقف ثم تبدأ بقصف المناطق التي تحاول دخولها، أي أنها تقصف مواطنيها، متسبّبةً بأعدادٍ هائلة من الضحايا ونقمة كبيرة. هذا ما حدث في أوائل العام 1984، عندما حاصر الجيش ضاحية بيروت الجنوبية لإلحاق الهزيمة بحركة أمل. وبعد أسابيع، في 6 شباط/فبراير، اندلعت انتفاضة للميليشيات في بيروت الغربية، شكّلت عمليًا إيذانًا بنهاية سلطة أمين الجميّل الرئاسية الفعلية.
قبل اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران، كان الجيش اللبناني يستعدّ لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطته لحصر السلاح بيد الدولة. قد يستهزئ كثرٌ بخطة تقدّمت ببطءٍ شديد، ولم تحقّق في النهاية تأثيرًا يُذكر في احتواء حزب الله أو الضباط الإيرانيين الذي يقودون وحداته القتالية. لكن اليوم، مع تقدّم القوات الإسرائيلية نحو نهر الليطاني، ستكتسب المنطقة الممتدّة شمال هذا الخط وصولًا إلى صيدا أهميةً كبيرة فيما تتحوّل إلى جبهةٍ جديدة مُحتملة لحزب الله.
لهذا السبب، على هيكل، والحكومة عمومًا، التحرّك سريعًا لوضع خطة تضمن ألا يكون حزب الله هو الطرف الذي يوسّع شبكاته العسكرية في تلك المنطقة، بل الدولة. ولن يكون الأمر سهلًا، إذ إن الحزب متواجد هناك أساسًا. مع ذلك، اتّخذت الحكومة قرارًا بعيد المدى يقضي باعتبار أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية خارجة عن القانون، في ظلّ قبول معظم الوزراء الشيعة، ناهيك عن أنّ غالبيةً واضحة داخل الحكومة تعتبر أن الحرب الدائرة في لبنان تسبّبت بها إيران. وهذا يشكّل أساسًا يمكن للجيش الانطلاق منه.
لكن ثمّة بعض الغموض الذي يحيط بهذه المنطقة. فقد طالب الإسرائيليون بإخلاء المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني. ما ينبغي على الحكومة اللبنانية السعي إليه هو التوصّل إلى اتفاقٍ لانتشارٍ عسكري جنوب الزهراني، يمتدّ حتى الليطاني، على أن تضطلع الولايات المتحدة بدور الوسيط في المفاوضات مع إسرائيل. سيتطلّب ذلك دبلوماسيةً مُبتكَرة، ويمكن تبريره داخليًا كمسعى للحدّ من المناطق التي قد تتقدّم إليها القوات الإسرائيلية. ومن خلال التحرّك إلى المنطقة الواقعة شمال الليطاني، ستكون الحكومة في موقعٍ يخوّلها تحييدها أو محاولة ذلك، ومنع إطلاق الصواريخ منها باتجاه إسرائيل، مع توقيف عناصر حزب الله المتّجهين جنوبًا. والهدف من ذلك هو إنشاء منطقة تكون فيها الدولة وحدها صاحبة الحق في حمل السلاح، حتى وإن انطوى ذلك على خطر اندلاع اشتباكات محدودة فيها إذا تصدّى حزب الله لهذه الخطوة. فمن الأمور التي لا يستطيع الحزب التعامل معها اليوم بينما يخوض مواجهةً مع الإسرائيليين هو تصاعد التوتّر مع الجيش. ولذا، على الجيش نشر وحداته الأفضل تدريبًا في هذه المنطقة، وليس المجنّدين العاديين.
يمكن إضافة إجراءات عدّة إلى هذه الخطة. قد يشمل ذلك إضفاء بُعدٍ مدني يهدف إلى التخفيف من معاناة سكان شمال نهر الليطاني، مثلًا من خلال إصلاح البنى التحتية المتضرّرة. ويمكن أن يتضمّن ذلك أيضًا تنسيقًا مع لجنة الميكانيزم، التي لا تزال الجهة الرسمية المُكلّفة بالإشراف على تطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بلبنان، والتي يريد رئيس مجلس النواب نبيه بري إعادة تفعيل عملها لتشكّل آلية تفاوض غير مباشر مع إسرائيل. لكن من الضروري منع تحوّل هذه المنطقة بالكامل إلى مركز ثقلٍ لحزب الله في الصراع الدائر، إذ إن أيّ قرار تتّخذه إسرائيل بجعلها غير صالحة للعيش قد يؤدّي إلى نزوح السكان الشيعة باتّجاه مناطق غير شيعية في جبل لبنان، ما ينذر بحدوث احتكاكات داخلية تقوّض ما تبقّى من استقرار الدولة.
هيكل محقٌّ في معارضة المساعي غير المدروسة لتحويل الجيش إلى نوعٍ من حلٍّ سحري لمشكلة حزب الله في الدولة اللبنانية، إذ إنّ أحدًا لن يدافع عن الجيش حين يتعرّض إلى انتكاسات. لكن عليه الحفاظ على مصداقية المؤسسة العسكرية من خلال إعداد خطط عملية تتماشى مع قرارات الحكومة، والتعامل مع مهمّته بقدرٍ من الابتكار، وإلّا فسيصبح دوره بلا جدوى.
تكمن نقطة الانطلاق في المنطقة الممتدّة بين نهر الليطاني ونهر الأوّلي، باعتبارها أكثر المناطق حساسيةً في المشهد اللبناني اليوم.
مايكل يونغ محرّر مدوّنة “ديوان” ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.

منذ ٢٠٠٥، التحالف الرباعي ، و نحن نتجنب المواجهة حتى وصلنا إلى قعر الهاوية . تراكم أخطاء لن يرحمها التاريخ . ايا تكن نتيجة المواجهة الحالية لبنان الدولة هو الخاسر الأول .
اقتراح مايكل يونغ يبدو معقولاً، وقابلاً للتنفيد. التهجم على قائد الجيش سببه الأول هو أن قائد الجيش لم يوحِ بالثقة منذ حادثة إضاءة صورة نصراالله على صخرة الروشة. في تلك الحادثة، بدا أن قيادة الجيش متواطئة مع حزب الله! وبعد تخاذل العسكر في منع إضاءة الروشة بصورة نصرالله، واستخفافه بطلبات رئيس الحكومة، فقد حصل قائد الجيش على أعلى وسام لبناني من يد رئيس الجمهورية جوزيف عون!!! تلك كانت بداية عدم الثقة بالجيش وقائده.
بضعف امكانات الجيش، لكان الشعب “تعاطفَ” مع الجيش وقائده. لكن حادثة الروشة أظهرت “سوء نية” لا يُغتفَر.