على مدى سنوات، بدا القطاع المصرفي اللبناني وكأنه لا يعمل كأداة للسياسة العامة، بل كساحة مالية خاصة بدائرة ضيقة من النُخَب السياسية والمصرفية. وتعرض ثائق ظهرت حديثًا في الدعوى الفرنسية ضد رياض سلامة وشقيقه رجا سلامة، والمصرفي مروان خيرالدين، والمحامي مروان عيسى الخوري، والمدقق أنطوان غلام، كيف يُزعم أن مثلثًا من المصالح ضمّ رجل الأعمال والسياسي نجيب ميقاتي، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ورئيس مجلس إدارة بنك عودة سمير حنا، استخدم المصرف المركزي كخزان رساميل خاص—على حساب الشعب اللبناني.
موضوع الدعوى هو عملية معقّدة جرت بين عامي 2010 و2016، شملت قروضًا متقاطعة، وشركات “أوفشور”، وتحايلاً على الأنظمة الرقابية، وأرباح مُطّلعين، يُقال إنها حققت أكثر من 600 مليون دولار لصالح الأطراف الثلاثة، من دون أي مخاطر أو توظيف لرأس مال شخصي من قبل المستفيدين الأساسيين.
الشرارة: تدخل مصرف لبنان حيث لا يجيز له القانون
في كانون الثاني/يناير 2010، اشترى مصرف لبنان 1.692 مليون سهم وإيصالات إيداع عالمية (GDRs) لـ”بنك عودة” من شركة EFG Hermes. وكان الهدف المعلن الضغط على EFG Hermes لاستكمال معاملة داخلية ولمنع “مخاطر سمعة” على القطاع المصرفي اللبناني.
غير أن المادتين 110 و111 من قانون النقد والتسليف اللبناني تحظران صراحةَ على مصرف لبنان تَمَلُّك حصص ملكية في المصارف التي يخضعها لرقابته. وللالتفاف على هذا الحظر، جرى إنشاء هيكل بديل “أوفشور” لإخفاء الهويات الحقيقية.
حلّ “جزر الكايمانّ: شركات وهمية دون عتبة الإفصاح
تم تأسيس شركة في جزر الكايمان تُدعى Middle East Opportunities for Structured Finance Ltd (MOSF) خصيصًا لهذه الصفقة. وبلغت قيمة شرائها الأولية نحو 153 مليون دولار دُفعت من أموال مصرف لبنان.
لكن MOSF لم تكن سوى جزء من الهيكل. فقد أُنشئت، بالتوازي، أربع شركات أخرى في “جزر الكايمان”، استحوذت كل واحدة منها على 4.95% من أسهم “بنك عودة”—أي دون عتبة الـ5% التي تُلزم بالإفصاح الإجباري في الشركات العمومية. سمح ذلك بتمرير العملية بهدوء وتجنّب التدقيق.
حلقة التمويل: مال عام يدخل، أصول خاصة تخرج
تزعم الدعوى أن هندسة التمويل كانت دائرية:
- صرف مصرف لبنان 153 مليون دولار لشركة MOSF في “الكايمان”، التي قيل إنها مملوكة لآل ميقاتي، لتمكين الكيانات “الأوفشور” من شراء أسهم “بنك عودة”.
- ثم منح “بنك عودة” آل ميقاتي قروضًا بنحو 300 مليون دولار، لتمكينهم من شراء المزيد من أسهم البنك نفسه.
وبذلك يكون المصرف المركزي قد موّل فعليًا استحواذًا خاصًا على أحد أكبر المصارف اللبنانية، فيما موّل المصرف (“عودة”) شراء المساهمين لأسهمه الخاصة. وكانت الشركات الوهمية في “الكايمان” هي طبقة الحيازة، بلا مكاتب أو موظفين أو نشاط فعلي أو محاسبة—أي أنها كانت هياكل تعتيم كلاسيكية.
2012–2014: تحويلات ظلّ عبر “الكايمان”
في عام 2012، نُقلت أسهم بنك عودة التي تم شراؤها عبر MOSF إلى شركة جديدة في الكايمان تُدعى Levant Finance Ltd. ومع ذلك، لم تُسجّل سجلات بنك عودة شركة Levant Finance كمساهِم.
وبعد عامين، في تموز/يوليو 2014، أُنشئت شركة أخرى في الكايمان باسم Levant Finance 2 Ltd، وأُعيد تخصيص الأسهم نفسها لها. زادت هذه الطبقات من إبعاد الأصول عن الرقابة وتعقيد مسارات الملكية الفعلية.
المستفيدون الحقيقيون: مثلث لا عائلة واحدة
بينما ظهرت عائلة ميقاتي علنًا كواجهة للكيانات، تشير مصادر إلى أنهم مثّلوا مثلثًا أوسع من المصالح يضم رياض سلامة وسمير حنا وأفرادًا من عائلتيهما.
في هذا الهيكل، أدّى آل ميقاتي دور الواجهة الظاهرة، فيما يُزعم أن المنافع المالية تدفقت إلى المهندسين الحقيقيين للعملية.
مرحلة التسييل: عقارات، توزيعات أرباح، وهندسات مصرف لبنان
جرت عملية التسييل عبر ثلاث موجات رئيسية:
- بيع لمصالح الحريري
بيع جزء من الأسهم إلى فهد الحريري (شقيق رئيس الوزراء السابق سعد الحريري) عبر شركة FRH Investment Holding. ويُقال إن الدفع الذي تجاوز 100 مليون دولار تم جزئيًا نقدًا وجزئيًا عبر عقارات، بينها قطعة ثمينة على الواجهة البحرية في الروشة—إحدى أرقى مناطق بيروت. - بيع لـ”البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية”
بقيمة تجاوزت 60 مليون دولار. - الهندسة المالية لمصرف لبنان عام 2016 وحقن السيولة في “بنك عودة”
وبخاصة في عام 2015، ضخّ مصرف لبنان 536 مليون دولار في “بنك عودة”. وسرعان ما وُزعت أرباح العملية كعوائد على آل ميقاتي والمستفيدين المشاركين. ثم استُخدمت تلك التوزيعات لسدادِ القروض البالغة 300 مليون دولار التي استُخدمت أصلًا لشراء جزء من الأسهم.
الأثر الصافي:
عملية عالية الربحية ومنعدمة الكلفة حققت أكثر من 460 مليون دولار للدائرة الداخلية، إضافة إلى نحو 250 مليون دولار من الأرباح الموزعة لرياض سلامة وسمير حنا وآل ميقاتي، فيما جرى تحميل المصرف المركزي التزامات جرى لاحقًا تعميمها على المودعين اللبنانيين والجمهور.
الهندسة القانونية: “عقل الهيكلة”
،وفق مصادر، تُنسب الهندسة القانونية وصياغة العقود وراء المخطط متعدد المراحل إلى المحامي كميل أبو سليمان، المحامي في شركة Dechert في لندن، والذي طُرح اسمه، لاحقًا، كمرشح محتمل لحاكمية مصرف لبنان. وقد نسّق العمليات مع “بنك عودة” ورياض سلامة في مصرف لبنان ومع بيار كنعان (مدير الشؤون القانونية في مصرف لبنان).
مصرف عام، أرباح خاصة
إذا صحت هذه الادعاءات، فإن العملية تمثل مثالًا صارخًا على استخدام مصرف لبنان كصندوق استثمار خاص للنُخب السياسية والمالية. فبينما استفاد المطلعون من موارد الدولة لتحقيق أرباح شخصية، جرى تحميل الخسائر لاحقًا إلى المودعين ودافعي الضرائب والنظام المالي—ما ساهم في الانهيار الكارثي للقطاع المصرفي بين عامي 2019 و2020. ففي تلك الفترة، كان “بنك عودة” عاجزًا عن سداد نحو ملياري دولار كان مدينًا بها أصلًا لمصرف لبنان. فماذا فعل بنك عودة بهذه “القروض” من المصرف المركزي؟ لقد وزّع جزءًا كبيرًا منها كأرباح على مساهمي البنك، كان من بينهم رياض سلامة وآل ميقاتي وسمير حنا.
أبعد من عملية واحدة: نمط متكرر
لا تُعدّ صفقة ميقاتي–سلامة–حنا المزعومة حدثًا معزولًا، بل جزءًا من آلية أوسع هيمنت على الحقبة المالية اللبنانية بعد عام 2005: استخدام المؤسسات السيادية لتحقيق مكاسب خاصة، مموّهة عبر قوانين الأوفشور، والثغرات التنظيمية، وتنسيق النخب.



