منذ انتصار فيتنام الشمالية على فيتنام الجنوبية وسقوط عاصمة الأخيرة ، سايغون (حاليا مدينة هو تشي منه) بأيدي ثوار الفييتكونغ الشيوعيين، وبالتالي توحيد شطري البلاد وقيام “جمهورية فيتنام الإشتراكية” رسميا في 30 إبريل 1975، وهذه البلاد في قبضة الحزب الشيوعي الفيتنامي الذي يحتكر كل السلطات وحده ويدير البلاد وفق الأيديولوجية الماركسية اللينينة وفكر زعيم الأمة “هو تشي منه” (1890 ــ1969).، وعلى الرغم من تبني الحكومة الفيتنامية فكرة الإنفتاح الاقتصادي، أو ما أطلقت عليه إسم (Doi Moi) في عام 1986، وقيامها مذاك بإطلاق سياسة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، التي تحول بموجبها اقتصاد فيتنام من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد مختلط قريب من اقتصاد السوق، وهو ما سمح بنمو اقتصادي متسارع وتدفق الاستثمارات الأجنبية والاندماج في الاقتصاد العالمي .. على الرغم من كل هذا، فإن البلاد لم تشهد أي انفتاح سياسي يرافقه تغيير في آليات الحكم والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية وإطلاق حرية التعبير وترسيخ مباديء حقوق الانسان بأشكالها المعروفة في الغرب الرأسمالي.
وبعبارة أخرى تقتفي فيتنام إلى اليوم النموذج السياسي والاقتصادي المعمول به في الصين، رغم حالة العداء الصامت بين البلدين الجارين، أي سيطرة سياسية مطلقة مع اقتصاد منفتح شبه رأسمالي.
نقول هذا، مع بدء أعمال المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الحاكم (ينعقد كل خمس سنوات) الذي سيستمر حتى الخامس والعشرين من يناير الجاري، لإنتخاب مائتي عضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم التي تختار بدورها 19 عضوا في المكتب السياسي للحزب الذي سيجدد للأمين العام أو يختار بديلا له. وقد جدد المؤتمرون بالفعل ولاية الأمين العام الحالي “تو لام” لفترة جديدة مدتها خمس سنوات وقت كتابة هذه المادة.
ما تردد طويلا هو أن تو لام (انتخب أمينا عاما ورئيسا للدولة في عام 2024) يتطلع إلى تعزيز قبضته على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقيادية، ليغدو رأسا للدولة ورئيسا للحكومة وقائدا للحزب الحاكم. كما تردد أن تطلعات الرجل ربما تصطدم بمعارضة أجنحة حزبية غير موالية له من تلك التي تمثل الجيش، حيث لاحظ المراقبون في الآونة الأخيرة ما يشبه وجود تنافس وحرب خفية داخل أروقة الحزب بين فصيلين، أحدهما يعارض أن تتحول فيتنام إلى بلد يسيطر شخص واحد على كل مقدراتها وسياساتها كي لا ينفر منها المستثمرون الأجانب الذين تحتاجهم البلاد بشدة. والآخر، الذي يقوده تو لام، يسعى من خلال نفوذه إلى إخفاء الانقسام وإسكات الأصوات المعارضة بكل الوسائل. أما الدليل على صحة ما ذكره المراقبون فقد تمثل في نشاط غير مسبوق وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي قادها ما يعرف بـ”القوة 47″، وهي وحدة الحرب الإلكترونية التابعة للجيش الفيتنامي. وبطبيعة الحال لم يستطع “تو لام” أن يتدخل لإسكات صوت القوة 47، كما فعل مؤخرا مع إثنين من مستخدمي الإنترنت الفيتناميين تعرضا له بالانتقاد، حيث استخدم ضدهما مادتين قانونيتين تعاقبان كل من يتعرض لرأس الدولة بالانتقاد.
من المهم الإشارة هنا إلى أن ما سعت إليه القوة 47 تحديدا وهو الضغط على المؤتمر الرابع عشر للحزب الحاكم من أجل انتخاب عضو المكتب السياسي ونائب الأمين العام للجنة العسكرية المركزية وزير الدفاع الجنرال “فان فان جيانغ” بديلا لتو لام في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي. حيث تمّ الترويج له باعتباره قائدا مخلصا للشعب والوطن على الطريقة الهوشي منية (نسبة لهو شي منه). والمعروف أن الجنرال فان فان جيانغ برز مؤخرا في وسائل الإعلام الأجنبية من خلال لقاءات ومحادثات أجراها مع نظرائه الصيني والأمريكي والتركي والآذري.
توقعت الناشطة الفيتنامية المعروفة والعاملة في مجال تمكين المرأة وحقوق الإنسان “نغوين نوك نهو” حسم الأمر لصالح تو لام لأنه “حقق زخما سياسيا من خلال سيطرته على أجهزة الدولة والحزب” خلال السنوات الماضية. وأضافت أن نقطة ضعفه هو خلفيته الشرطية (كان ضابط شرطة لأربعين عاما وشغل لسنوات منصب وزير الأمن العام) التي لا توحي بالثقة لدى المستثمرين الأجانب وأصحاب رؤوس الأموال، أي أنه على العكس من صورة رئيس الوزراء الأسبق “نغوين تان دونغ” المعروف باسم “الرفيق X“، والذي شغل المنصب من عام 2006 إلى 2016، وكان محبوبا لدى المستثمرين الغربيين بسبب اصلاحاته الاقتصادية وتبنيه نهج السوق، والتي حققت بدورها تدفقا هائلا للإستثمارات متعددة الجنسيات.
نخالة القول أن تو لام، لن يستطيع جذب استثمارات جديدة لبلاده، إذا تطلع إلى محاكاة الزعيم الصيني شي جينبيغ لجهة إدارة بلده بقبضة حديدية، لكنه سينجح حتما إذا ما تعاون مع واستفاد من خبرات الحرس القديم الذين حققوا لفيتنام نهضتها الإقتصادية الراهنة.
*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
