بلغ المسرح السياسي في لبنان مستوى جديدًا من الانحدار مع معارضة عدد من النواب لأي بيع لاحتياطي الذهب لدى مصرف لبنان.
ويتصدر ذلك الموقف نواب يُصنّفون أنفسهم كـ”يساريين”أو كدعاة “عدالة اجتماعية” — علماً أن العديد منهم أشرفوا على، أو سمحوا، أو استفادوا مباشرة من النهب المنهجي للدولة أي، في نهاية المطاف، من أموال المودعين.
هؤلاء النواب يرتدون اليوم عباءة الأخلاق، مدّعين أن ذهب لبنان “أصل سيادي” لا يجوز المساس به، خصوصًا إذا كان ذلك لمصلحة المودعين أو القطاع المصرفي. حجتهم بسيطة ظاهريًا: المودعون لا يمثلون سوى نسبة صغيرة من الشعب، وبالتالي لا يستحقون الأولوية.
تلك الحجة ليست مضللّة فحسب، بل خطيرة.
من هم المودعون، فعلاً؟
المودعون ليسوا نخبة مميزة. إنهم من أبناء الطبقتين العاملة والوسطى. هم الموظفون، وأصحاب الأعمال، والمهنيون، والمتقاعدون الذين دفعوا الضرائب لعقود فيما كانت الدولة تسجّل عجزًا مزمنًا. وقد استُخدمت مدخراتهم — من دون موافقتهم — لتمويل تجاوزات الدولة، والزبائنية، والفساد.
القول اليوم إن على هؤلاء المواطنين أنفسهم تحمّل الخسائر، بينما يحمي السياسيون رمزًا جامدًا لما يسمّى “الثروة الوطنية”، ليس سوى أُمِّية اقتصادية مغلّفة بشعبوية صاخبة.
الذهب: قصة النجاح المالية الوحيدة في لبنان
من المفارقات أن احتياطي الذهب اللبناني يُعد من قصص النجاح القليلة جدًا وسط الانهيار المالي. ففي حين انهارت جميع فئات الأصول الأخرى، فقد ارتفعت قيمة الذهب. التعامل مع هذا الأصل كأيقونة مقدسة وليس كأداة مالية ليس تعبيراً عن الوطنية، بل إهمال.
لنكن واضحين: لا أحد يدعو إلى تسييل كل الذهب وتوزيعه بلا مسؤولية. المطروح أكثر عقلانية وتحفّظاً، ويتمثل في:
هذا هو جوهر إدارة الأصول. إن تجميد رأس المال بينما يختنق الاقتصاد ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل تعبير عن عدم كفاءة.
هل يستمع أولئك النواب إلى ناخبيهم؟
إذا كان ذلك البرلمانيون يعتقدون حقًا أنهم يمثلون “الشعب”، فليجرؤوا على اختبار معتقدهم.
أي استطلاع رأي بسيط ضمن قواعدهم الانتخابية، خصوصًا بين من يتعذر عليهم الوصول إلى ودائعهم المصرفية، سيكشف حقيقة مؤلمة: معظم المواطنين لا يهتفون “احموا الذهب”، بل يصرخون: “أعيدوا لنا أموالنا”.
الخطب الاستعراضية في البرلمان قد تلقى صدى على وسائل التواصل الاجتماعي أو داخل دوائر أيديولوجية مغلقة، لكنها جوفاء في نظر العائلات التي تكافح لدفع الإيجار، والفواتير الطبية، وأقساط المدارس.
الذاكرة تلعب دوراً في صناديق الاقتراع
على اللبنانيين أن يتذكروا من عرقل الحلول البراغماتية باسم النقاء الأيديولوجي. عند حلول الانتخابات المقبلة، يجب على الناخبين ألا ينسوا من فضّل الرمزية على البقاء، والاستعراض على السياسات، والشعارات على الحلول.
لا يستطيع لبنان الخروج من الانهيار عبر الضرائب. فالزيادات الضريبية المستمرة في اقتصاد متقلص لن تؤدي إلا إلى تعميق الفقر وتسريع الهجرة. لا بد أن تأتي السيولة من مكان ما، ورفض استخدام الأصول القائمة بشكل مسؤول يعني الحكم على البلاد بالركود.
الخلاصة
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب. بل يحتاج إلى رأس مال، واستثمار، وزخم اقتصادي. إن الاستخدام الجزئي والمدروس لاحتياطي الذهب، بشفافية ومهنية، يمكن أن يساهم في إطلاق هذه العملية.عرقلة هذا المسار ليست فعل مقاومة، بل فعل تَخَلٍّ.
والناس تراقب.

قد يكون الذهب مخزونا سياديا إلا أنه ملك لجميع اللبنانيين وليس للمودعين فقط من المفيد في سياق المقال ان يتم تسييل قسم منه لتعزيز الاستثمارات ورفد الاقتصاد بالسيولة النقدية ولكن لا نثق بكل الطقم الحاكم الحالي للقيام بهذا الامر وبالتأكيد لا نثق باستخدام الذهب المسال في مسار طبيعي