على الرغم من تأكيد مراقبين وجود خلافات في رأس الهرم السياسي في إيران حول قضايا عدة، يأتي على رأسها قضية الحرب مع أمريكا والتفاوض حول الموضوع النووي، فإن مراقبين يرَون بأن ما يسمى “الخلافات” هو مجرد تكتيك إيراني لإظهار القيادة وكأنها منقسمة بين توجه متطرف وآخر أقل تطرفا، وأنه في مقابل ذلك لا بد للولايات المتحدة أن تسعى لتقديم تنازلات من خلال التعاطي السياسي مع الجهة الأقل تطرفا. غير أن هذا التحليل، أي الثاني، يبدو فاقدا للكثير من الأدلة الساعية لتأكيده.
إن أبرز خلافات رأس الهرم السياسي في إيران يكمن في التالي: أولا في الصراع حول التفاوض مع الأمريكان، حيث تسيطر حالة من التباين في مراكز القرار بين تيارات متطرفة تتبنى مواقف عدائية ومتشددة، ومراكز قوى أخرى تدرس خيار التفاوض والتهدئة.
الخلاف الثاني يتمثّل في بروز انقسامات ناتجة عن تدخل”الحرس الثوري” في قرارات الحكومة، وهو ما أدى إلى تضارب في مواقف الدولة، بل وفقدان قرار الدولة في أحيان عدة.
والثالث يتعلق بـ”الضبابية” السياسية، خاصة مع استمرار الإبهام حول الحالة الصحية للمرشد الحالي مجتبى خامنئي، الأمر الذي ساهم في بروز تنافس بين قيادات عدة، وبات كل قيادي يمثل هو ومجموعته توجها سياسيا معينا تجاه قضايا عديدة. على سبيل المثال هناك محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى، وأحمد وحيدي رئيس الحرس الثوري، ومسعود بزشكيان رئيس الجمهورية، وحسن روحاني الرئيس السابق، وسعيد جليلي وهو رئيس سابق لفريق التفاوض حول الملف النووي. حيث تلتف حول كل شخصية من هذه الشخصيات مجموعة من الأفراد الذين يتبنون وجهات نظر مختلفة تصل أحيانا إلى حد إقصاء وتخوين طرف لآخر.
هذه الخلافات، حسب محللين، انعكست على الوضع الداخلي الذي وُصف بـ”بالغ الهشاشة”، ما أدى لأطراف في السلطة السياسية والعسكرية والقضائية والأمنية للتحذير من انطلاق تظاهرات شعبية وسط تردي الحالة الإقتصادية والمعيشية في ظل استمرار حالة “الإبهام” مع الجانب الأمريكي. جدير بالذكر أن شرارة التظاهرات التي جرت في يناير الماضي ارتبطت بارتفاع سعر “التومان” في مقابل الدولار حيث كان سعر التومان آنذاك 150 ألفاً مقابل كل دولار، فيما قالت الأنباء الأربعاء إن التومان تراجع أمام الدولار بصورة تاريخية ووصل سعره إلى 180 ألفا، الأمر الذي زاد من مخاوف النظام من اندلاع التظاهرات مجددا.
إن المؤشرات على وجود خلافات في رأس الهرم السياسي في إيران، قد لا تعني انقساما، بل قد تكون انعكاسا لصراع نفوذ بين مراكز القوى المختلفة. وهناك تقارير تشير إلى أن نفوذ الحرس الثوري ازداد بشكل كبير في مقابل تراجع دور السياسيين والمؤسسات التقليدية، ما يعني أن القرار الأمني والعسكري بات أقوى من القرار الحكومي. بعبارة أخرى، بات المتطرفون يقفون في مقابل البراغماتيين، وأصبح هناك تيار يدفع نحو التشدّد والمواجهة مع الغرب، وآخر يفضّل تخفيف العزلة الاقتصادية عبر التفاوض.
إن تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي في إيران جراء العقوبات ثم الحرب والحصار، من شأنه أن يخلق صراعا داخليا حول الأولوية: هل هي للدفاع عن أيديولوجيا ولاية الفقيه؟ أم لإنقاذ الاقتصاد وتهدئة الخارج وتسكين الداخل؟ المعادلة صعبة جدا بالنسبة لنظام تتداخل فيه ضرورة الدفاع عن الأيديولوجيا ومشاريعها في موازاة الدفاع عن إيران كدولة يجب ان تكون طبيعية في علاقاتها مع شعبها وفي علاقاتها مع الخارج. إن النظام الإيراني يسمح تاريخيا بصراعات نفوذ، لكنه يمنع تحولها إلى انشقاق علني واسع. فهل الظرف الإيراني الراهن يسمح بتجاوز تلك المعادلة نحو تهديد من نوع آخر قد يكون وجوديا؟
