تُطرَح اليوم، تحت عنوان “إنصاف المودعين”، دعواتٌ لتسييل الذهب اللبناني، في تجاهلٍ متعمّد لمسار قانوني – مؤسساتي قائم، ومعلن، وقابل للتنفيذ. وهي دعوات لا يمكن فصلها عن محاولة الهروب من المحاسبة، عبر نقل الخسائر من المسؤولين الفعليين عن الازمة الاقتصادية، إلى المال العام، ومن القانون إلى الذهب السيادي.
طرح بيع الذهب كحلٍّ سهل، لرد اموال المودعين «كلام حق يُراد به باطل»، يُراد منه إنقاذ من أفلسوا الدولة والمصارف، لا إنصاف المودعين ولا حماية الاقتصاد.
ثم إن الحقيقة التي يجري القفز فوقها عمدًا، هي أن شريحة واسعة من المودعين استفادت، على مدى سنوات، من فوائد خيالية وغير طبيعية، جنَت منها أرباحًا توازي الودائع أو تفوقها أحيانًا، فيما لم يكن سائر اللبنانيين شركاء في هذه الأرباح، ولا مستفيدين من هذه السياسات. فكيف يُطلب منهم اليوم أن يكونوا شركاء في الخسارة، عبر بيع الذهب، أي آخر ما تبقّى من ثروة عامة؟
فالذهب اللبناني ليس فائضًا ولا تفصيلاً يمكن التصرّف به عند كل مأزق. لقد شكّل، قبل الحرب الأهلية عام 1975، الغطاء الفعلي للاقتصاد الوطني، وساهم في تثبيت الليرة اللبنانية وتعزيز الثقة بها.
فالذهب اللبناني ليس أصلًا ماليًا عاديًا، بل هو جزء من منظومة الحماية النقدية والسيادية التي يلحظها قانون النقد والتسليف، ويُفترض أن تُدار ضمن معايير صارمة تخدم الاستقرار النقدي والمالي، لا أن تُستخدم كصندوق طوارئ لسدّ فجوات ناتجة عن جرائم مالية مثبتة أو قيد الملاحقة القضائية.
الأخطر في الطرح القائم، أنه يتجاهل كليًا السياسة التي أعلنها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والتي تستند صراحة إلى مقاربة قانونية شاملة، لا إلى حلول استنسابية. فقد وضع الحاكم، في موقف علني واضح، آلية لاستعادة أموال المودعين تنطلق من تحميل الدولة اللبنانية مسؤولياتها المالية، والتي تتجاوز 50 مليار دولار، بوصفها الجهة التي موّلت عجزها عبر المصرف المركزي، واستنزفت احتياطاته، وغطّت سياسات مالية مخالفة لمبادئ الحوكمة والمساءلة.
هذه المقاربة ليست سياسية، بل دستورية وقانونية، لأنها تربط الخسائر بمصدرها الحقيقي، وتستند إلى مبدأ المسؤولية عن الفعل الضار، ومبدأ عدم جواز تحميل المجتمع كلفة أفعال غيره. وهي بذلك تنسف من أساسها فكرة بيع الذهب كحلٍّ أول، أو كخيار مشروع قبل استنفاد مسارات الاسترداد والمحاسبة.
ويتقدّم على هذا الصعيد، وبأهمية بالغة، المسار القضائي الخارجي، وتحديدًا في فرنسا، حيث يوجد ادعاء موثّق ضد بنك عودة بقيمة تقارب 600 مليون دولار، في ملف يستند إلى وقائع مالية وهندسات احتيالية جرت خلافًا لقوانين النقد والتسليف. وحاكم مصرف لبنان ليس مراقبًا لهذا المسار، بل شريك مباشر فيه، ما يمنحه بعدًا مؤسساتيًا رسميًا، ويحوّله من مجرّد دعوى إلى سابقة قانونية قابلة للتوسّع والبناء عليها.
إن هذا الادعاء يؤكد أمرين في غاية الخطورة والأهمية:
أولًا، أن الأموال ليست “ضائعة” أو “تبخّرت”، بل موجودة ويمكن (استعادتها) عبر القضاء.
وثانيًا، أن تسييل الذهب قبل استنفاد هذه المسارات يشكّل تخلّيًا مسبقًا عن حق الدولة والمجتمع في المحاسبة والاسترداد.
قانونيًا، لا يجوز الانتقال إلى بيع أصل سيادي جامع، قبل تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وقبل حسم مصير الأموال التي هُرّبت أو جرى الاستيلاء عليها بوسائل غير مشروعة. وأي خطوة من هذا النوع، في ظل وجود دعاوى قائمة وملفات مفتوحة، قد تُفسَّر لاحقًا كإضرار متعمّد بالمال العام، أو حتى كتغطية غير مباشرة على مرتكبي الجرائم المالية.
أما من زاوية السياسة النقدية، فإن حاكم المصرف المركزي، عبر تمسّكه بمسار الاسترداد والمحاسبة، يوجّه رسالة واضحة للأسواق وللمجتمع الدولي مفادها أن لبنان لا يزال قادرًا، متى توفّرت الإرادة السياسية، على إدارة أزمته ضمن أطر قانونية، لا عبر التفريط بما تبقّى من ركائز الاستقرار. في المقابل، فإن بيع الذهب في ظل اقتصاد كاش، وانعدام ثقة، وقطاع مصرفي غير مُعاد الهيكلة، يُفرغ أي سياسة نقدية من مضمونها، ويقضي نهائيًا على إمكان استعادة الثقة.
من هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين “ذهب أو ودائع”، بل بين دولة قانون تستعيد أموالها وتحاسب المرتكبين، ودولة تصفية تبيع أصولها لتفادي المواجهة. والحل، كما بات واضحًا، لا يبدأ من الذهب، بل من تنفيذ سياسة حاكم مصرف لبنان، وتوسيع الملاحقات القضائية، داخليًا وخارجيًا، وإجبار الدولة والمصارف على تحمّل كلفة ما اقترفوه.
وما عدا ذلك، ليس حلًا، بل انقلاب على القانون، وعلى مفهوم المال العام، وعلى ما تبقّى من سيادة اقتصادية.

اذا سددت الدولة 50 مليار ، و هو طلب محق، فمن أين تأتي الأموال؟ من المال العام أيضا… لذلك أجد تناقضاً بين هذا الطلب المحق وخلاصة المقال …