نظام “الأپارتايد” النموذجي

1

في 24 يونيو الماضي نشرت الصحف هذا الخبر: [تلقت وزاره الخارجية اعتذارا رسميا من منظمه العمل الدولية عما تضمنه تقريرها الصادر حول المساواة في أماكن العمل من إرشادات إلي التمييز ضد الإخوة الأقباط في مصر‏، وذلك ردا علي رسالة الاحتجاج قوية اللهجة التي وجهها السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية إلي المدير العام للمنظمة في هذا الشأن‏.‏ واعترفت المنظمة في الخطاب بأنها لم تكن حريصة ودقيقة بالشكل الكافي في اختيار المصادر التي تستقي منها معلوماتها، الأمر الذي أدي إلي تضمين التقرير معلومات خاطئة وغير موضوعية حول التمييز ضد أقباط مصر‏.‏ وكان وزير الخارجية قد أكد في خطابه إلي المدير العام للمنظمة تمتع كافه مواطني مصر مسلمين وأقباطا بجميع حقوقهم المقررة في الدستور والقانون علي حد سواء‏.‏ وقد رحب أبو الغيط بهذا الموقف التصحيحي من قبل منظمه العمل الدولية،‏ وناشد كافه الأطراف الدولية والمحلية تحري الدقة والتمسك بالمصداقية والابتعاد عن تطويع القضايا لخدمه مصالحهم الضيقة‏].

في البداية لم نكن ننوي إعطاء الخبر أي اهتمام، باعتباره يتعلق بموقف تقليدي لمسئول مصري “لا يقول الصدق” ويعلم الآخرون ذلك ويعلم هو أن الآخرين يعلمون، ولكنه يستمر في “أقواله” بجدية شديدة وعناد أشد. بل وأعطيناه العذر في أن يكون قد كتب خطابه “شديد اللهجة” تنفيذا لأوامر عليا، تكملة للمسرحية الرديئة التي قامت السيدة عائشة عبد الهادي، وزيرة العمل، بأدائها أمام مؤتمر منظمة العمل الدولية في يونيو الماضي.

ولكن لفت نظرنا أن السيد الوزير، بعد وصول خطاب الاعتذار (المزعوم؟) من مدير الوكالة الدولية، قد ارتدى عمامة الوعظ وعباءة الإرشاد وراح يناشد كافة الأطراف “تحري الدقة والتمسك بالمصداقية”. ولم يقتصر في تنبيهاته على الأطراف “الخارجية” ـ باعتباره وزيرا “للخارجية” ـ بل شمل أيضا تلك “المحلية”. ولا نعلم بأي صفة فعل ذلك…

***

فليسمح لنا السيد الوزير أن نبلغه بالمعلومات التالية:

أولا: في 14 يونيو نشرت الأهرام خبر حركة تنقلات وانتدابات أصدرها المستشار سمير البدوي رئيس هيئة النيابة الإدارية شملت ‏86‏ عضوا. وباعتبارها عينة إحصائية معقولة الحجم تمثل مكونات الهيئة، راجعنا الأسماء لنجد من بينهم قبطيا واحدا، أي بنسبة تزيد قليلا عن واحد بالمائة.

ثانيا: في 18 يونيو نشرت الأهرام أن الرئيس حسني مبارك أصدر قرارا جمهوريا بتعيين خمسه رؤساء جامعات جدد (قناة السويس‏ والمنوفية‏ والمنصورة وحلوان‏ وعين شمس‏)، ليس من بينهم قبطي واحد. وبمراجعة موقع وزارة التعليم العالي، يتضح أن بمصر ‏17 جامعة بها أكثر من 257 كلية، بإجمالي أكثر من 274 رئيس جامعة وعميد كلية لا يوجد بينهم قبطي واحد. وهذا بالطبع لا يشمل جامعة الأزهر ذات الـ 55 كلية والـ 400 ألف طالب التي يحظر على القبطي دخولها (إلا إذا كان يحفظ القرآن بأكمله ـ كما صرح رئيسها…)

ثالثا: في 21 يونيو أفادت الأهرام أن الجمعية العمومية لمحكمه النقض قد وافقت في اجتماعها برئاسة المستشار مقبل شاكر رئيس مجلس القضاء الأعلى علي تعيين‏25‏ مستشارا في درجه نائب رئيس محكمه النقض وعلى تعيين ‏38‏ مستشارا للعمل بالمحكمة، بإجمالي 63 مستشارا، لا يوجد بينهم سوى قبطي واحد على أكثر تقدير.

رابعا: في 18 يوليو ذكرت الأهرام أن الرئيس حسني مبارك قد أصدر قرارا جمهوريا بترقية ‏1334‏ عضوا بهيئة النيابة الإدارية بمختلف الدرجات، تعد معه أكبر حركه ترقيات في تاريخ الهيئة‏‏.‏ وكان المجلس الأعلى للهيئة برئاسة المستشار سمير البدوي قد اعتمد حركه الترقيات التي أعدتها إدارة التفتيش الفني بالهيئة برئاسة المستشار يسري الهواري نائب رئيس الهيئة. وتتضمن الحركة ترقية ‏45‏ إلي درجه نائب رئيس الهيئة و‏40‏ وكيل عام أول‏،‏ و‏111‏ وكيلا عاما‏، و‏106‏ رؤساء نيابة إدارية فئة (‏ أ‏)، و‏46‏ رئيس نيابة فئة ‏(‏ب)، و‏172‏ وكيل نيابة من الفئة الممتازة،‏ (إجمالي 520) وأيضا ‏374‏ وكيل نيابة‏,‏ و‏440‏ مساعدا‏.‏

وإذ نشرت الصحيفة أسماء 520 يتبين أن عدد الأقباط بينهم يتراوح بين 9 و13 أي بنسبة بين 1.7% و 2.5% على أقصى تقدير.

خامسا: في 26 يوليو ذكر سامح فوزي في جريدة وطني أن‏ ‏قوائم‏ ‏أعضاء‏ ‏هيئة‏ ‏التدريس‏ ‏والباحثين‏ ‏والمبعوثين‏ ‏إلى‏ ‏الخارج التي نشرت قبلها ببضعة أيام‏، تدل على أن ‏العدد‏ ‏الإجمالي‏ ‏للمبعوثين‏ 425 ‏مبعوثا‏،‏ ليس‏ ‏بينهم‏ ‏من‏ ‏الأقباط‏ ‏سوى‏ ‏شخص‏ ‏واحد‏ ‏في‏ ‏القائمة‏ ‏الأساسية‏، ‏وعدد‏ ‏لا‏ ‏يتجاوز‏ ‏أصابع‏ ‏اليد‏ ‏الواحدة‏ ‏في‏ ‏قائمة‏ ‏الاحتياطي.

سادسا: في 29 يوليو ذكرت الأهرام أن السيد حبيب العادلي وزير الداخلية قد اعتمد حركة ترقيات ضباط الشرطة التي تضمنت ترقية ‏5‏ قيادات أمنية إلي درجة مساعد وزير الداخلية ونقل وترقية 15‏ ضابط شرطة إلي منصب مدير أمن. ونشرت الجريدة قائمة بأبرز الأسماء، شملت 230 ضابطا: من بينهم قبطي واحد (نائب لمدير أمن الجيزة)، وهناك آخر ليس من الواضح إن كان قبطيا (وكيلا لإدارة شئون المجندين). وهكذا فإن نسبة الأقباط أقل من نصف في المئة أو أقل من 1% على أحسن الفروض.

سابعا: في 8 أغسطس أفادت الأهرام أن السيد عبد السلام المحجوب وزير التنمية المحلية أصدر قرارا بإجراء تنقلات بين قيادات الإدارة المحلية ببعض المحافظات‏.‏ وقد اشتملت الحركة علي تعيين وتحريك وندب ‏150‏ قيادة محلية حيث تم تعيين‏13‏ سكرتير عام محافظة، ليس من بينهم قبطي واحد‏.‏ كما تم تعيين ‏140‏ سكرتير عام مساعد محافظه‏‏ و‏110‏ رؤساء مراكز ومدن وأحياء، لم تشر الصحيفة لأسمائهم وإن كنا نتوقع ألا يكون بينهم قبطي واحد، وعلى وزارة التنمية المحلية تصحيح هذه المعلومة في حالة خطئها.

ثامنا: في 10 أغسطس، نشرت الأهرام أن مجلس القضاء الأعلى،‏ برئاسة المستشار مقبل شاكر رئيس محكمة النقض‏،‏ رئيس مجلس القضاء الأعلى‏، قد أقر‏ الجزء الأول من الحركة القضائية المتضمن التعيينات بوظائف نواب رئيس محكمة النقض ومستشاريها والرؤساء والنواب والمستشارين بمحاكم الاستئناف وتنقلاتهم والتبادل بين القضاء والنيابة العامة في هذه الدرجات، شملت‏1447‏ عضوا وتضمنت تعيين ‏25‏ نائبا لرئيس محكمة النقض و‏38‏ مستشارا بمحكمة النقض و‏168‏ رئيسا بمحاكم الاستئناف و‏162‏ نائبا للرئيس بمحاكم الاستئناف و‏219‏ مستشارا بمحاكم الاستئناف.

وتدل مراجعة الأسماء على وجود 24 قبطيا، إضافة إلى حوالي 22 آخرين مشتركي الأسماء، أي أن نسبة الأقباط تتراوح بين 1.6% و 3.2% وغالبا في حدود 2.4%.

تاسعا: باعتبار أن “الدار أولى بالشفعة”، قمنا بمراجعة لرؤساء البعثات التمثيلية والقنصلية ـ التابعة لوزارة السيد أبو الغيط ـ في الخارج، طبقا لما هو منشور في موقع وزارته الرسمي في الأسبوع الثالث من شهر أغسطس، ووجدنا أن عددهم 164 يشمل 134 رئيس بعثة بدرجة سفير و 30 رئيس مكتب قنصلي بدرجة سفير أو قنصل عام أو وزير مفوض. ومرة أخرى يتبين أن هناك ثلاثة أقباط فقط: سفيرٌ في كل من اليونان وميانمار وسفيرةٌ في الفلبين. وربما يوجد رابع في إحدى مجاهل أفريقيا. أي أن نسبة الأقباط تتراوح بين 1,8% و 2,4% بحد أقصى. أضف لذلك أنه ـ على قدر علمنا ـ لم يحدث خلال نصف قرن أن كان هناك لمصر سفير قبطي في أي من عواصم العالم الرئيسية أو المنظمات الدولية. [ملحوظة: مندوب الولايات المتحدة الدائم في الأمم المتحدة زالماي خليل زادة، مسلم سنيّ ولد في أفغانستان وهاجر لأمريكا في شبابه].

***

ليس هناك جديد في هذه الأرقام، فهي وغيرها التي تؤكد سقف الـ 2% الشهير معروفة جيدا ـ ولكننا فقط رجعنا إلى عينة مما نشر في فترة الأسابيع القليلة التالية لـ “غزوة” منظمة العمل الدولية التي دخلتها دولتنا العزيزة بثقلها واستنفرت لها كافة خبراتها وأدواتها بهدف نفي وإنكار وجود تمييز ضد “الإخوة” الأقباط في مصر!

وقد اقتصرنا في هذه العجالة على أرقام محددة ومنشورة، تعاملنا معها باعتبارها عينات إحصائية ذات دلالات علمية واضحة؛ وليس على انطباعات أو مشاعر. كما اقتصرنا على ميدان “الوظائف العامة” ولم نتطرق إلى غيرها في العديد من المجالات مثل ما يجرى على أيدي مصلحة الأحوال المدنية وأجهزة الأمن في مواضيع التحول الديني، أو ما جرى في انتخابات مجلس الشورى في شهر يونيو الماضي: ليس فقط لم يرشح الحزب الحاكم قبطيا واحدا، بل إن المرشحين المستقلين الأقباط تعرضوا من قبل أجهزة الأمن لضغوط هائلة حتى ينسحبوا “منعا لحدوث اضطرابات طائفية”، الخ الخ.

***

الواضح أن التمييز ضد الأقباط ليس مجرد “تعبير عن ضيق أفق شخصي” (كما زعم أحد الكتّاب مؤخرا) بل سياسة ممنهجة (systematic) وراسخة تتبعها الدولة (وليس الحكومة)؛ بل يمكن القول أنها أحد ثوابت نظام الحكم‏ بكافة أجهزته وأفرعه، التنفيذية والقضائية والتشريعية، وعلى كافة مستوياته ـ بدءا من القمة. وأغلب الظن أن هذا لا يحدث اعتباطا، بل لأسباب أيديولوجية، لها “منظّروها” ومروّجوها في الحكومة وفي إعلامها.

ما الفرق إذن بين هذا النظام ونظام الأپـارتايد الذي ساد في جنوب أفريقيا من 1948 حتى اندحاره في 1996، والذي كان قد بدأ عندما فكر فيه استراتيجيو الحزب الوطني (لاحظ تشابه الأسماء) كوسيلة تضمن للأفريكانر (البيض من أصل هولندي) السيطرة السياسية والاجتماعية على البلاد؟

هناك فروق واضحة بالطبع على رأسها عدم وجود “الفصل السكاني”، أو حظر دخول السود والملونين أماكن بعينها؛ أو غيرها من أمور التي اتبعت في جنوب أفريقيا (والتي لا تختلف فكرتها وخلفيتها الاستعلائية العنصرية كثيرا عما نجده عندنا في كتب فقه أهل الذمة!)

لكننا نعتقد أن الفارق الجوهري هو أن نظام جنوب أفريقيا العنصري كان يعلن عن نفسه بوضوح. وربما كان هذا سببا رئيسيا في أن يجلب على نفسه سخط العالم الذي استخدم كافة الوسائل حتى نجح في القضاء عليه.

من ناحيتها، فإن دولتنا قد توصلت ـ بعبقريتها ـ إلى صيغة نموذجية لدولة الأبارتايد تطبق عن طريقها سياسات تمييزية صارخة، ولكنها في نفس الوقت تنكر أنها تفعل شيئا من هذا وتُعنِّف من يجرؤ على الإشارة إلى ما هو واضح كالشمس ولا تتوانى عن توزيع الاتهامات العجيبة من عينة “زعزعة الاستقرار” و “تهديد الوحدة الوطنية” وغيرها من التهم الجاهزة التي قد تبرر جرجرة قائلها أمام نيابة ومحاكم “أمن الدولة”. وفي نفس الوقت لا يتورع بعض أبواقها عن التبجح باتهام هيئة المعونة الأمريكية “بالتحيز” لأنها ـ كما قيل ـ تخصص جزءا من إنفاقاتها التنموية على “مناطق ترتفع فيها نسبة الأقباط”. وبغض النظر عن صحة هذه المزاعم التي فندها آخرون، فالاتهام يفضح عنصرية بغيضة تذهب إلى حد تفضيل ألا يحصل المسلمون في تلك المناطق على معونات لمجرد كونهم جيرانا لأقباط “ارتفعت نسبتهم” عن المتوسط!!

لو كان الإخوة “الأفريكانر” قد اتبعوا هذه الاستراتيجية العبقرية، ربما نجحوا في مد عمر نظامهم حتى الآن!
***

أخيرا: هل يمكن للسيد وزير الخارجية أن يوضح لنا من الذي عليه تحرّي الدقة والتمسك بالمصداقية والابتعاد عن تطويع القضايا لخدمه “مصالحهم الضيقة”؟

وهل يمكن له، بالمرة، أن يرسل خطابا جديدا ـ ليس بالضرورة شديد اللهجة ـ إلى رئيس منظمة العمل الدولية يتضمن المعلومات المذكورة أعلاه كتوضيح وتصحيح لخطاب فضيلته الأسبق؟

adel.guindy@gmail.com

* كاتب مصري

1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
تاج الدين النوبي
تاج الدين النوبي
16 سنوات

نظام “الأپارتايد” النموذجي
أخي عادل جندي لقد اوردت في مقالك هذا عددا من الاسئلة وطلبت اجابات عليها, كم؟ كم؟ كم؟ عدد الاقباط الذين……..وهذا من حقك ولا غبار عليه, وعلى المسئولين الاجابة عليها وهذه مسئوليتهم وانا بدوري اوجه لك نفس الاسئلة ولكن بدل كلمة قبطي أقول نوبي((السكان الاصليين بلا منازع))؟؟؟هل تستطيع الاجابة؟؟ ام انكم الوجه الثاني من العنصرية في مصر؟؟؟؟؟

Share.

اكتشاف المزيد من Middle East Transparent

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading