بدأ كل شيء “بتغريدة” لعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، نشرها باللغة الإنجليزية على حسابه في موقع (X)، جاء فيها أنه “يُسمح بشكل حر تماما بمرور جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز طوال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار”، مع أنه ذكر أن مرور السفن “أُتيح” بعد إعلان الجمهورية الإسلامية وقف إطلاق النار في لبنان.
وأكد عراقجي على ضرورة أن “يتم هذا المرور عبر مسارٍ مُنسقٍ ومُعلنٍ مسبقاً من قِبل منظمة الموانئ والملاحة البحرية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
ومن المقرر أن ينتهي وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الثلاثاء. وكان من بين شروط الولايات المتحدة ومطالبها إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كانت إيران قد أغلقته منذ بداية حرب الأربعين يوماً. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، بدأت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على إيران في 14 أبريل/نيسان، ردًا على استمرار حصار مضيق هرمز.
بعد دقائق من نشر تغريدة عراقجي، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة على شبكة التواصل الاجتماعي “تروث سوشال” كتب فيها: “أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الحر. شكرًا جزيلًا”.
بالنسبة لأنصار الجمهورية الإسلامية، بل وحتى مسؤوليها، الذين ظلوا لأيام، رغم تكبدهم خسائر فادحة وأحيانًا لا يمكن تعويضها، يدّعون “النصر” في جميع المجالات ويتباهون بإغلاق مضيق هرمز، كان إعلان حرية المرور عبره أمرًا لا يُصدق.
كانت هذه نهاية خمسين ليلة من التباهي بالنصر في الشوارع وعلى المنابر وعبر الإذاعة والتلفزيون، والمراهنة على حجم العائدات التي ستجنيها البلاد من “مضيق هرمز”، ووضع شرط بانسحاب أمريكا من المنطقة. ولم يقتصر الأمر على فتح مضيق هرمز فحسب، بل أعلن الرئيس الأمريكي أنه على الرغم من فتح إيران للمضيق فإن الحصار البحري المفروض على موانئها سيظل قائمًا. وفي منشور آخر على “تروث سوشال”، كتب: “ستحصل الولايات المتحدة على كل «الغبار النووي» الذي تنتجه قاذفاتنا القوية من طراز B-2. ولن يتم تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال”.
أثارت رسائل ترامب المتتالية ارتباكًا كبيرًا بين مؤيدي إيران، حتى أن إشارات الخلاف والإحباط بدت واضحة بينهم لساعات بعد ذلك. وخاصة عندما ادعى ترامب في رسالة أن الولايات المتحدة وإيران تعملان بشكل مشترك على إزالة الألغام في الخليج.
بعد نحو نصف ساعة من تغريدة عراقجي، أفاد التلفزيون الإيراني، نقلاً عن مسؤول عسكري رفيع، بأن المرور عبر الممر المائي يقتصر على “السفن المدنية” ولا يشمل “السفن العسكرية”. إلا أن مقدم برنامج “توقيت إيران” على القناة السادسة ادعى أن “جميع تغريدات ترامب كاذبة”.
وفي هذا الأثناء كتب حساب منسوب إلى “قيادة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني” على شبكة (X): “صدر أمر جديد في مضيق هرمز:
1. ستعبر السفن المدنية فقط عبر المسار المحدد من قبل إيران.
2. سيظل ممنوعًا على السفن العسكرية عبور المضيق.
3. لا يُسمح بالمرور إلا بإذن من البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني.
4. يتماشى هذا المرور مع اتفاق فترة وقف النار في ساحة المعركة وبعد تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان”.
يأتي هذا على الرغم من تصريح عراقجي قائلاً: “يجب أن تتم الحركة البحرية وفق مسار منسق ومعلن مسبقاً من قبل منظمة الموانئ والملاحة البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية”، ولم يذكر الحرس الثوري بالاسم.
وكتب ماجد موسوي، قائد القوات الجوية الفضائية الإيرانية، تعليقاً على الرسالة المنشورة على حساب “قيادة القوات البحرية الثورية”: “رحم الله الشهيد تنغسيري، مهندس النظام الجديد في مضيق هرمز. إن القوات الجوية الفضائية للحرس الثوري لا تزال غير واثقة بالعدو، وهي على أتم الاستعداد للدفاع عن إيران. فلنحذر من الروايات الكاذبة والشائعات التي ينشرها العدو”. وأعيد نشر رد ماجد موسوي في وسائل إعلام رسمية مثل “تابناك”، إلا أن وكالة أنباء “ميزان” نفت نسبة هذا الحساب إلى قيادة هذه الوحدة التابعة للحرس الثوري.
مع ذلك، لم تقتنع وكالتا الأنباء الرئيسيتان المواليتان للنظام، “فارس” و”تسنيم”، التابعتان للحرس الثوري الإيراني بذلك.
“فارس” قالت في مقالٍ بعنوان “أيها المسؤولون الكرام! على الأقل اشرحوا سبب عدم توضيح «صمت» مسؤولي الجمهورية الإسلامية حيال التطورات الأخيرة”، وكتبت: “المجتمع الإيراني غارق في حالة من الارتباك”.
كما كتبت الوكالة مجددا: “إذا كان من مصلحة البلاد عدم الكشف عن تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يتم توضيح هذه المصلحة وسبب تجنب الشفافية للشعب؟”.
وانتقدت “تسنيم” عراقجي، واصفةً تغريدته بأنها “سيئة وناقصة، وتُعدّ ردًّا سيئًا للغاية في نشر المعلومات”، وكتبت أن الرسالة “نُشرت دون توضيحات كافية وضرورية، وأثارت غموضًا كبيرًا حول شروط وتفاصيل وآليات المرور، ما أثار انتقادات واسعة”.
ودعت إحدى وسائل الإعلام وزارة الخارجية الإيرانية إلى “إعادة النظر” في قرارها، وكتبت: “إن إثارة أي قلق أو خيبة أمل لدى هذه الدولة يُعد مثالاً على العصيان السياسي وتقويض الوحدة الوطنية”.
وازدادت الأمور غرابة عندما ظهر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي دون تنسيق مع رئيسه عراقجي، في برنامج تلفزيوني، مصرحاً بأن “فتح وإغلاق مضيق هرمز يُحدد بالواقع، لا بالفضاء الإلكتروني”. كما أكد أن “اليورانيوم المخصب مقدس كأرض البلاد، ولن يُصدّر تحت أي ظرف”. وأضاف بقائي، الذي أمضى معظم مساء الجمعة في إجراء مقابلات مع قنوات وبرامج إيرانية مختلفة، في برنامج آخر، مؤكداً ضمنياً فتح مضيق هرمز: “إذا رأينا أي إخلال بالوعد، فسنتخذ الإجراءات اللازمة”.
وقال أمير إيراني، قائد البحرية الإيرانية، في برنامج آخر: “لا أحد يستمع إلى كلام ترامب بشأن الحصار البحري، إنه مجرد كلام”.
وكان علي رضا زاكاني، رئيس بلدية طهران، ومحمد مهدي إسماعيلي، وزير سابق، من بين مسؤولين آخرين انتقدوا تغريدة عراقجي، مؤكدين أنه كما أن “مبدأ التفاوض كان تحت إشراف قائد الثورة، فإن جميع القرارات الرئيسية يجب أن تتوافق مع استراتيجياته”.
وكتب علي نادري، الرئيس التنفيذي لوكالة أنباء “إيرنا”، مستندًا إلى تغريدة عراقجي: “لم يعد مضيق هرمز في أيدينا. ماذا حدث لنا؟ لا ندري”. ووصل الأمر في النهاية إلى حد أن عزت الله ضرغامي، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، كان يبحث عن “مسلم” بين مسؤولي النظام “ليخبر الشعب بما يجري”.
وبينما لجأ المسؤولون الإيرانيون إلى وكالات الأنباء وشبكات التواصل الاجتماعي للتعبير عن خلافاتهم حول أسلوب وتفاصيل المفاوضات مع الولايات المتحدة، سعى آخرون إلى إقناع أو استفزاز الحاضرين في التجمعات الليلية في الميادين.
وقال محمد كريمي، أحد مؤيدي الحكومة المتشددين، للحاضرين في أحد هذه التجمعات: “أعلم أنكم حساسون تجاه فتح مضيق هرمز. المفاوضون مشغولون للغاية اليوم. كانوا يعتقدون أننا سندمر سخانات المياه ومحركات الغاز. قالوا إن هذه فترة حوار، لا صواريخ”.
من جهة أخرى، قال محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، في تجمع آخر: “لقد وافقنا في لجنة الأمن القومي على منع مرور سفن أي دولة تفرض عقوبات على الشعب الإيراني
