هل يمكن أن تكون نهاية الجمهورية الإسلامية نهاية لنموذج الحكم القائم على الأيديولوجية الدينية؟
لن تسقط حكومة واحدة فقط في إيران. فالجمهورية الإسلامية ليست مجرد هيكل سياسي، بل هي حكومة ربطت بين تسع هويات سياسية لأكثر من أربعة عقود.
لذلك، فإن نهاية الجمهورية الإسلامية ليست مجرد تغيير لعدد قليل من المسؤولين السياسيين، بل قد تعني نهاية نموذج حكم قائم على أيديولوجيا دينية.
هناك فرق كبير بين الوضع في إيران وبين العديد من الثورات التي حصلت في العالم العربي. لقد رحل زين العابدين بن علي في تونس، وسقط حسني مبارك في مصر، وأُطيح بمعمر القذافي في ليبيا. لكن مع سقوطهم، لم تكن أسس العلاقة بين الدين والمجتمع بالضرورة القضية الرئيسية للثورة أو للتغيير. أما في إيران، فالوضع مختلف.
لقد ارتبط الوضع في إيران والقانون والسياسة الخارجية والتعليم والحجاب ونظام الحكم وحتى أجزاء من الحياة الخاصة للأفراد بقراءة رسمية خاصة للدين لعقود من الزمن.
وهذا يعني أن الأزمة في الجمهورية الإسلامية لا تكمن في من ينبغي أن يحكم فحسب، بل على أي أساس ينبغي أن يحكم؟
لقد أدخلت الجمهورية الإسلامية الدين إلى الساحة السياسية. فهي تستمد شرعيتها مباشرة من نظرية دينية سياسية هي: ولاية الفقيه المطلقة. في الدستور الإيراني، يرتبط الهيكل السياسي بالسيادة الإلهية للدين الشيعي عن طريق سلطة الفقيه.
وتمثلت النتيجة في أن عمل الحكومة ومؤسسة الدين لم ينفصلا عن أذهان جزء كبير من المجتمع. كما أن الأيديولوجيا التي ينبني عليها نظام الحكم هي نفسها أصبحت موضع تساؤل.
ولعل هذه هي أكبر أزمة تواجه الجمهورية الإسلامية. بمعنى أن المجتمع تغيَّر، ويمكن ملاحظة علامات هذا التغيير في استطلاعات الرأي.
ففي استطلاع أجري عام 2020، قال حوالي 47% من المشاركين إنهم تحولوا من متدينين إلى غير متدينين خلال حياتهم. وفي استطلاع آخر أجري عام 2023، قال حوالي 58% إن الدين ليس مهمًا جدًا أو ليس مهمًا على الإطلاق في حياتهم. بالطبع، لا تعني هذه النتائج نهاية الإسلام في إيران. فالمجتمع الإيراني لا يزال متنوعاً من حيث المعتقدات.
وتشير الأبحاث الأكاديمية القائمة على هذه الدراسات الاستقصائية أيضاً إلى وجود انقسام عميق بين العلمانيين والمتدينين في المجتمع الإيراني.
القضية الرئيسية هي شيء آخر. لم يعد احتكار الدين للحكومة يتمتع بشرعية كما كانت في الماضي. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يكون أحد أهم التغييرات في حقبة ما بعد الجمهورية الإسلامية هو التحول في مصدر الشرعية نحو المصالح الوطنية، ومن الأيديولوجيا إلى حكومة مواطنين. لكن هذا لا يعني بالضرورة القضاء على الدين في المجتمع.
قد يظل الناس مسلمين ومتدينين، لكنهم لا يريدون أن يحدّد رجل دين أو الأيديولوجيا الدينية من يجب أن يحكم، وما يجب أن يكون عليه القانون، وكيف يجب أن تعيش إيران. بعبارة أخرى، يمكن للدين أن يبقى، لكن لا يمكن للثيوقراطية أن تبقى.
هذا هو السبب تحديداً في صعوبة السقوط. فالجمهورية الإسلامية لا تدافع عن حكومة واحدة فقط من أجل بقائها، بل تدافع عن شبكة من السلطات المؤسسية والمصالح، والتي يرتبط وجودها بهذا النظام الأيديولوجي.
لهذا السبب، قد يتجاوز الأمر مجرد تغيير الرئيس أو القائد أو الدستور، وقد يكون نهاية حقبة تاريخية من الحكم الأيديولوجي في إيران، وربما لا يتعلق السؤال الأهم في المستقبل بمن سيحل محل الجمهورية الإسلامية، بل مِن أين ستستمد إيران شرعية حكومتها؟ هل من الدين والأيديولوجيا؟ أم من الأمة وأصوات المواطنين؟
إيران بعد الجمهورية الإسلامية لن تكون قائمة على الأيديولوجيا والدين، بل ستكون هناك حكومة تقوم على أساس الأمة والهوية الإيرانية. فما يحدث في إيران لن يكون مجرد سقوط نظام. إنها عملية انتقال من أيديولوجيا وطريقة تفكير معينة. ولهذا السبب تحديداً يُعد هذا التحول صعباً وعميقاً وتاريخياً للغاية.
*معارض إيراني مقيم في ألمانيا. له مقالات تحليلية في القضايا السياسية والاجتماعية التي تخص الأوضاع في إيران.
