لبنان لا يفتقر أساساً إلى التوربينات، ولا إلى الخبرات الهندسية، ولا إلى رأس المال الدولي. ما يفتقر إليه هو سوق كهرباء قابلة للاستثمار. ومع ذلك، تبحث الحكومة عن إيرادات إضافية من اقتصادٍ تَحَمَّلَ مُواطنوه انهياراً مالياً، وتَبخّرَ جزء كبير من مدّخراتهم، وسنوات من دفع ثمن خدمات من جيوبهم — وفي مقدّمها الكهرباء — بعد أن عجزت الدولة عن تأمينها.
والخطر اليوم هو أن يختار لبنان، مرة أخرى، الطريق المألوف: الإبقاء على منظومة مختلّة، وتمويل خسائرها، ثم فرض المزيد من الضرائب على ما تبقّى من الاقتصاد المُنتِج.
يجب أن تكون الكهرباء، على العكس، القطاع الذي نبدأ منه بكسر هذه الحلقة. لقد أصاب وزير الطاقة جو الصدّي في تشخيص جانب كبير من المشكلة. لبنان يعاني نقصاً في القدرة الإنتاجية، ومؤسسة كهرباء لبنان عاجزة عن تحصيل كامل مستحقاتها، وكميات كبيرة من الكهرباء تضيع بسبب السرقة وغيرها من الخسائر غير التقنية، فيما يطالب المستثمرون بضمانات للدفع والحماية من المخاطر السياسية قبل الالتزام برؤوس أموالهم. الصدّي يرسم صورة الاقتصاد الكلي بوضوح. لكن هل كان دوره أن يصبح مدافعاً أكثر فاعلية عن مؤسسة كهرباء لبنان داخل مجلس الوزراء، أم أن يستخدم التنظيم المستقل والمنافسة ورأس المال الخاص لجعل احتكار المؤسسة لإنتاج الكهرباء أمراً يمكن الاستغناء عنه تدريجياً؟
يمتلك لبنان الأساس التشريعي لهذا التحول منذ صدور القانون 462 عام 2002. فالهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء منصوص عليها منذ أكثر من عقدين، كما أن مسار تعيينها بدأ قبل الحكومة الحالية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي هو: ماذا يريد لبنان أن يفعل بها؟ كان بإمكان هيئة ناظمة مستقلة فعلاً أن تنقل قرارات الاستثمار بعيداً عن مؤسسة كهرباء لبنان وعن السلطة الاستنسابية للوزارة، نحو تراخيص شفافة، وحق واضح في استخدام الشبكة، ومناقصات تنافسية، وتعرفة قابلة للتطبيق. وهذا لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها: إذ يبقى عليها إعادة هيكلة المؤسسة، وفرض تحصيل المستحقات، وتأمين الحد الأدنى من المصداقية التعاقدية التي يحتاج إليها المستثمرون.
وهناك احتكارٌ آخر كان ينبغي للإصلاح أن يتحدّاه: اقتصاد مولدات الديزل الموازية الذي نشأ نتيجة فشل كهرباء لبنان، وحيث لا يملك المستهلك في كثير من الأحيان خياراً حقيقياً لمزوّد الكهرباء. حاول الصدّي تنظيم هذا القطاع، لكن الحل الفعلي هو القضاء على المبرر الاقتصادي لوجوده. والوزير يعلم بالتأكيد ما الذي بات يعنيه هذا الفشل على مستوى الأسرة اللبنانية: فكم من العائلات خفّضت اشتراكها في المولِّد الخاص إلى “أمبيرين” فقط لأنها لم تعد قادرة على تحمّل كلفة أكثر من ذلك؟ إن كهرباء موثوقة، تنتجها مشاريع ممولة تنافسياً، من شأنها أن تضعف في آن واحد احتكار كهرباء لبنان للإنتاج والاحتكارات المحلية التي تزدهر بسبب فشلها. ليس المطلوب من لبنان أن يدير النُدرة بكفاءة أكبر، بل أن ينهي النُدرة التي تُبقي هذه الاحتكارات قائمة.
وتوضح الأرقام حجم الرهان. فمحطة جديدة تعمل بالغاز بقدرة 825 ميغاواط، وبكلفة تقديرية تراوح بين 2000 و2500 دولار لكل كيلوواط، تعني استثماراً إجمالياً بنحو 1.65 إلى 2.1 مليار دولار. يبدو هذا الرقم مستحيلاً إذا كان المطلوب من الخزينة اللبنانية تمويله. لكنه يبدو مختلفاً تماماً إذا طُرح كمشروع بنية تحتية دولي. فإذا بلغت مساهمة المستثمرين في رأس المال 20 في المئة، فنحن نتحدث عن نحو 330 إلى 410 ملايين دولار من الأموال الخاصة، مع إمكان تمويل الباقي عبر قروض المشاريع وائتمان الصادرات وأدوات الحماية من المخاطر السياسية. وبإمكان “بنك التصدير والاستيراد الأميركي” دعمُ صادرات المعدات الأميركية المؤهلة، بما فيها معدات توليد الكهرباء، فيما تُستخدم هياكل تمويل مماثلة في مشاريع البنية التحتية في الأسواق الناشئة. لذلك، كلا، ليس مطلوباً من لبنان أن يجد ملياري دولار. المطلوب منه أن يخلق البيئة التنظيمية والتعاقدية التي تجعل الآخرين مستعدين لاستثمار هذا المبلغ.
وهنا، تحديداً، تصبح مواجهة الصدّي مع مجلس الوزراء حول نحو 300 مليون دولار يُقال إنها مستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان شديدة الدلالة. يستطيع لبنان أن يواصل حشد مئات الملايين لإبقاء مؤسسة أخفقت مراراً في إنتاج الكهرباء وقياس استهلاكها وتحصيل فواتيرها، أو أن يستخدم رأسماله السياسي لبناء سوقٍ قادرة على استقطاب مليارات الدولارات من خارج الدولة. إن خوض المعركة الأولى بحماسة، فيما يجري التعامل بحذر مع الثانية، يهدد بالخلط بين إنقاذ مؤسسة كهرباء لبنان وإصلاح قطاع الطاقة.
وهناك خطر أوسع.
فالسياسة الاقتصادية اللبنانية مهددة بأن تصبح رهينة لمسار بطيء من التطبيع السياسي والأمني. لا شك في أن السلام سيغيّر جذرياً جاذبية لبنان الاستثمارية ويخفض كلفة رأس المال، ولذلك ينبغي السعي إليه بحزم. لكن لبنان لا يستطيع انتظار زوال كل المخاطر الجيوسياسية قبل أن يصبح بلداً قابلاً للاستثمار. كما لا يجوز أن تترافق عملية سلام بطيئة مع سياسة اقتصادية بطيئة لا تجد جواباً سوى فرض المزيد من الضرائب على من نَجَوا من الانهيار. المودعون تحمّلوا بالفعل خسائر هائلة، والمؤسسات والأسر تموّل بنفسها الكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية. وهناك نقطة تتحول عندها الضريبة الإضافية من وسيلة لتمويل الإصلاح إلى وسيلة لتمويل غيابه.
يستطيع لبنان أن يبدأ بتغيير هذه المعادلة الآن. يمكن مكافحة سرقة الكهرباء، وتحصيل الفواتير، ومنح الهيئة الناظمة استقلالاً فعلياً، والسماح لمنتجين من القطاع الخاص بالمنافسة ضمن عقود تتمتع بما يكفي من المصداقية لجذب رأس المال الدولي. وعندها يمكن التوجه إلى واشنطن وغيرها من الشركاء الدوليين، لا لطلب المساعدات فحسب، بل للحصول على أدوات قادرة على تحريك الاستثمار: ائتمان الصادرات، والحماية من المخاطر السياسية، وتمويل المشاريع.
هذه هي المعركة الحقيقية على الكهرباء في لبنان. ليست المسألة أساساً في إيجاد شيك جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، بل في تحرير الكهرباء من احتكار جعل الدولة المنتج والمشتري والمنظّم، وفي نهاية المطاف المموّل الأخير للمنظومة. لبنان يحتاج إلى الكهرباء ويحتاج إلى السلام، لكنه يحتاج أيضاً إلى إعادة اكتشاف قدرة رأس المال الخاص على حل مشكلات لم تعد دولة منهكة قادرة على تحمّل كلفتها.
لذلك، لا ينبغي أن يكون مقياس نجاح الإصلاح هو ما إذا كان جو الصدّي سينجح في انتزاع 300 مليون دولار إضافية لمؤسسة كهرباء لبنان. المقياس الحقيقي هو ما إذا كان وزير للطاقة، بعد خمس سنوات من اليوم، سيظل مضطراً إلى طلبها.

