غيّرت الحرب الأمريكية الإيرانية صورة الخليج كـ”ملاذ آمن ومستقر” للأعمال والاستثمار، لكنها لم تحطمها بالكامل فهي أنهت فكرة “الحصانة الجغرافية” للخليج والاعتقاد بأن ما يحدث في الشرق الأوسط يبقى خارج دبي وأبوظبي والدوحة والرياض والكويت.
فقبل الحرب كان النموذج الخليجي يقوم على معادلة بسيطة،” – وهي أنه برغم أن المنطقة قد تضطرب إلا أن المدن الخليجية ستظل مستقرة، أي أنه باستطاعتها أن تبقى مكانا آمنا لرأس المال والأعمال.
وعندما وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مطارات وموانئ ومنشآت في الخليج، أصبحت هذه المعادلة موضع شك. “رويترز” وصفت الضربات بأنها أكبر اضطراب للأعمال في المنطقة منذ جائحة كورونا، خاصة مع إغلاق المطارات وتوقف عمليات الموانئ واضطراب الأسواق.
وكانت الضربات أصابت القطاعات التي بنت عليها دبي، مثلا، صورتها العالمية، كقطاع الطيران والسياحة والفنادق والمؤتمرات والموانئ والخدمات المالية. وعلى الرغم من أن هناك فرق بين الضرر الاقتصادي والضرر النفسي، فإن دبي بنت على مدى عقود صورة تقول للمستثمر: “هنا الوضع مختلف”.
لكن الحرب كسرت هذه الفكرة بشكل مباشر. “رويترز” قالت إن الضربات أصابت الأسس النفسية للصورة التي بنتها دبي على مدى أربعة عقود باعتبارها مكانا موثوقا للأعمال. وكشف تقريى لاحق للوكالة أن مسؤولي دبي جمعوا مئات من قادة الأعمال بعد الضربات لمناقشة كيفية إعادة المستثمرين والسياح.
وتحدث تقرير لـ”DW” في مايو عن انتقال بعض أصحاب الثروات والأصول من دبي إلى سنغافورة وسويسرا، وقال التقرير إن سمعة دبي كملاذ آمن تواجه أكبر اختبارٍ لها.
لكن هذا لا يعني أن المستثمرين قرروا مغادرة الخليج نهائيا. فهناك عامل قوي جدا، وهو عمق البنية التحتية الخليجية، والاستقرار السياسي الداخلي، والسيولة الحكومية، والمناخ الاستثماري الذي لا يوجد له بديل سهل في المنطقة. لهذا ترى مؤسسات اقتصادية أن الصدمة خطيرة، لكنها قابلة للإدارة بسبب قوة المؤسسات والاحتياطيات المالية.
ورغم أن المفارقة المهمة هي أن الحرب أضرّت بصورة الخليج، لكنها قد تدفع هذه الدول إلى بناء اقتصاد أكثر تحصينا من الحرب. مثلا، بدأت بعض الدول التفكير في تقليل اعتمادها على مضيق هرمز من خلال زيادة البدائل اللوجستية وخطوط الأنابيب.
والسؤال الآخر الذي يمكن أن يطرح نفسه هنا: هل تضررت كل دول الخليج بالدرجة نفسها؟ الإجابة هي: لا. فالضرر على “صورة الملاذ الآمن” ليس متساويا بين الجميع. ليس لأن هذه الدول أكثر أو أقل أمنا بالضرورة، وإنما بسبب طبيعة النموذج الاقتصادي ومدى اعتماد كل دولة على فكرة أنها مركز عالمي للأعمال والسفر والاستثمار.
فالإمارات هي الأكثر تعرضا للضربة النفسية، لأن دبي تحديدا تتبنى الأمان إلى جانب الاتصال العالمي، كجزء أساسي من منتجها الاقتصادي.
أما قطر، فقد تضررت صورتها الآمنة، لكن لديها ميزة الغاز الطبيعي والسيولة السيادية وموقع اقتصادي مختلف عن دبي.
السعودية من جهتها أقل اعتمادا على فكرة “الملاذ الآمن” كمنتج اقتصادي، فاقتصادها أكبر وأكثر اعتمادا على السوق المحلية والإنفاق الحكومي والطاقة.
أما الأمر المثير للاهتمام بالنسبة للكويت تحديدا، فهو أنها لم تكن أصلا تبني نموذجها الاقتصادي العالمي بنفس الدرجة التي بنت بها دبي نموذجها. ولذلك فإن الضرر على “العلامة التجارية” أقل، وإن كان الخطر الجيوسياسي نفسه موجودا.
وبالنسبة للمستثمر الأجنبي، كان سؤاله قبل الحرب: هل أضع مقر شركتي في دبي أم لندن أم سنغافورة؟ أما بعد الحرب فأصبح سؤال المستثمر أكثر تعقيدا: إذا وضعت مقر الشركة في دبي، ماذا يحدث لها إذا أُغلق المجال الجوي؟ أو تعطل مضيق هرمز؟ أو اندلعت حرب أمريكية إيرانية جديدة؟ وهذا تغيير في طريقة تسعير المخاطر، حتى لو عاد النشاط الاقتصادي سريعا.
بمعنى آخر، الخليج لم يفقد جاذبيته، لكنه فقد جزءا من “علاوة الأمان” التي كان يحصل عليها. وهذه هي النتيجة الاقتصادية الأهم للحرب.
اللافت أن ما حدث هو اختبار غير مسبوق لنموذج الخليج الاقتصادي، وليس مجرد أزمة مؤقتة. لذا السؤال هو: من المستفيد اقتصاديا من تراجع صورة دول الخليج كملاذ آمن ومستقر اقتصاديا بسبب الحرب؟ وما أثر ذلك تحديدا على الكويت؟
هناك مستفيدون واضحون، لكن ليس بالضرورة أن يكون المستفيد الأكبر دولة واحدة. الحرب تعيد توزيع جزء من رأس المال والأعمال من الخليج إلى مراكز يُنظر إليها على أنها أبعد عن المخاطر الجيوسياسية.
ووفق المراقبين، فإن سنغافورة هي المستفيد الأوضح. فهي قادرة على استقطاب مكاتب العائلات الثرية والشركات الإقليمية ومقرات الشركات. وتكمن قوتها الأساسية ازاء ذلك في الاستقرار السياسي وسيادة القانون ووجود نظام مالي متطور وبعدها الجغرافي عن ساحة الحرب.
ويرى المتابعون أن سويسرا تأتي بعد سنغافورة. فهي المستفيد التقليدي من أموال الثروات في أوقات الحروب. كما أن البنوك الخاصة وإدارة الثروات والفرنك السويسري يعززان جاذبيتها. وهناك تقارير تتحدث عن إعادة توزيع أموال العائلات والمكاتب العائلية من دبي ونقلها إلى سنغافورة وسويسرا وهونغ كونغ كوجهات بديلة.
أما هونغ كونغ فهي مرشح مهم خصوصا للأموال الآسيوية والعائلات التي تريد قاعدة مالية في آسيا. ويبدو أن المنافسة بينها وبين سنغافورة ستكون قوية على المكاتب العائلية ورؤوس الأموال الخليجية/الشرق أوسطية.
ماذا عن الكويت؟ الصورة تبدو هنا أكثر تعقيدا. فالكويت تعتمد بشدة على تصدير النفط عبر المنطقة، ولذلك فإن إغلاق مضيق هرمز يضربها مباشرة. وتشير أحدث البيانات إلى أن الناتج المحلي الكويتي انكمش 4.6% على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، مع توقع انخفاض الناتج النفطي بنحو 26% خلال العام والناتج غير النفطي بنحو 2% في التقديرات الحالية. كما أن الحرب أدت إلى انخفاض الإنتاج النفطي وتباطؤ الائتمان والإنفاق ونشاط العقار والمشاريع.
كما أن الكويت لا تستطيع أن تقول للمستثمر “نحن بعيدون عن الحرب”، وهذه هي النقطة التي ستصبح مهمة جدا في السنوات المقبلة. فالمستثمر الذي يبحث عن “مقر إقليمي آمن” قد يضع الكويت في المرتبة نفسها تقريبا مع بقية دول الخليج من ناحية المخاطر الجيوسياسية.
لكن في المقابل، الكويت لديها ميزة مهمة: لم تكن قيمتها الاقتصادية مبنية أساسا على كونها مركزا عالميا للأموال والسياحة مثل دبي. لذلك لن تكون خسارتها من تراجع “علامة الخليج الآمن” بنفس حجم خسارة دبي.
غير أنه هناك مفارقة قد تكون في صالح الكويت. فإذا استمرت الحرب في تغيير خريطة الأعمال الخليجية، فقد تبدأ الشركات في البحث ليس فقط عن أكثر مكان آمن، بل عن أفضل علاقة بين الأمان والسيولة والمؤسسات المالية وانخفاض تكلفة التشغيل. وهنا يمكن للكويت أن تنافس، خصوصا إذا نجحت في إصلاح بيئة الأعمال.
والكويت لديها بالفعل قطاع مصرفي قوي واحتياطيات مالية ضخمة، كما أن تراجع قيمة العقارات والخدمات مقارنة بدبي قد يجعلها جذابة لبعض الشركات. لكن المشكلة هي أن الجغرافيا تتغلب على هذه المزايا إذا استمر خطر هرمز.
لذلك فإن السؤال بالنسبة للكويت ليس فقط: “هل تنجح في جذب المستثمرين الذين يغادرون دبي؟”، بل “هل تستطيع أن تحول موقعها الجغرافي، الذي أصبح نقطة ضعف بسبب هرمز، إلى جزء من استراتيجية أمن اقتصادي جديدة؟”.
إن أمام الكويت فرصة كبيرة إذا استغلت الحرب وتحقيق التالي، حسب العديد من المحللين: إعادة بناء ميناء مبارك، وتطوير الموانئ والمناطق الحرة، وتنويع طرق التجارة، وإصلاح سوق العقار والتمويل، وجعل الكويت مركزا ماليا خليجيا منخفض التكلفة.
