أولًا: لماذا التركيز على قطاع الدواء؟
يشكّل قطاع الدواء في لبنان إحدى أبرز بؤر الهدر والاختلال في النظام الصحي، بسبب الفجوة الكبيرة بين الكلفة المرتفعة التي يتحمّلها المواطن وجودة الأدوية المتداولة. هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بعوامل السوق وحدها، بل تعكس خللًا بنيويًا في إدارة هذا القطاع.
يشير الدكتور إسماعيل سكرية، في كتابه الأخير، إلى أن الاستهلاك الدوائي بين عامي 2014 و2016 بلغ نحو 40% من مجمل الفاتورة الصحية السنوية، وهو رقم يتجاوز بكثير النسب المعتمدة في تقارير منظمة الصحة العالمية.
وبناءً عليه، إذا قُدِّر الإنفاق الصحي السنوي بنحو 4 مليارات دولار، فإن 1.6 مليار دولار تُصرف على الدواء وحده، أي بزيادة تقارب مليار دولار سنويًا عن المعدلات المتوقعة دوليًا.
تُبرز هذه الأرقام مفارقة صارخة: إسراف مالي ضخم يقابله وجود أدوية مرتفعة السعر، وبعضها مشكوك الجودة أو الفاعلية.
ثانيًا: الجذور السياسية والتاريخية للأزمة
لا تُعد أزمة الدواء في لبنان ظاهرة مستجدّة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الاستقلال، واستمرّت عبر الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال. ويكمن جوهر المشكلة في تحالف بنيوي بين السياسة الزبائنية ومافيا الدواء، فرض سيطرته على المؤسسات الصحية التنفيذية والرقابية والتشريعية.
بدأت محاولات المعالجة الجدية عام 1960 عبر مشروع قانون يتيح لوزارة الصحة استيراد الدواء مباشرة لكسر الاحتكار وضبط الأسعار، إلا أن تضارب المصالح حال دون إقراره.
وفي 1971 أعاد وزير الصحة آنذاك الدكتور إميل بيطار إحياء المشروع تحت مسمى المكتب الوطني للدواء، مانحًا إياه صلاحية الاستيراد المباشر دون وسطاء. لكن المشروع عُطِّل مجددًا، وأدى ذلك .إلى اقالة الوزير
رغم إقرار القانون عام 1983، لم يُفعَّل المكتب فعليًا إلا في التسعينات، قبل أن يخضع لهيمنة القوى نفسها ويتم إسقاطه نهائيًا عام 1998. ومنذ ذلك الحين، تُرك قطاع الدواء بالكامل لآليات السوق المشوّهة ونفوذ التجار.
ثالثًا: الإطار القانوني والتنظيمي لاستيراد الأدوية
يخضع استيراد الأدوية في لبنان نظريًا لشروط تنظيمية صارمة تشرف عليها وزارة الصحة، وتهدف إلى حماية الصحة العامة وضمان سلامة الدواء، وتشمل:
-تسجيل الدواء في لوائح وزارة الصحة أو الحصول على موافقات خاصة للاستخدام الشخصي.
• تقديم فواتير رسمية، شهادات تحليل، وشهادات اعتماد من بلد المنشأ.
• إخضاع الأدوية لفحوص المختبر المركزي.
• تسجيل الشركة المستوردة والمصنّعة رسميًا.
• شروط خاصة للأدوية المخدّرة من حيث التخزين والنقل.
كما تعتمد وزارة الصحة آلية رسمية لتسعير الدواء ترتكز على سعر المنشأ، كلفة الشحن والتخزين، ونسبة ربح محددة.
ورغم سقوط مبدأ حصرية الوكالة والسماح بالاستيراد الحر بشرط أن يكون السعر أقل من سعر الوكيل الرسمي بنسبة 20%، إلا أن السوق بقي خاضعًا لنفوذ الوكلاء التقليديين، مع تسجيل حالات يكون فيها الدواء البديل أغلى من الدواء الأصلي.
رابعًا: الواقع الحالي واختلالات السوق
في التطبيق العملي، يعاني سوق الدواء من اختلالات عميقة، أبرزها:
• تلاعب بالأسعار نتيجة تفاهمات غير شفافة بين بعض المستوردين ومعنيين في الإدارة.
• ضعف الثقة بالمختبر المركزي وتهميش دوره، مقابل اعتماد الدولة على شهادات يقدّمها التاجر من بلد المنشأ.
• فوضى في تسعير المتممات الغذائية دون تدقيق فعلي بالمواصفات.
• انتشار واسع لتهريب الأدوية من سوريا وتركيا ومصر، دون ملاحقة جدية.
• حصر التفتيش بالصيدليات المرخّصة، مقابل وجود صيدليات غير قانونية تبيع أدوية مهرّبة.
• خلل بنيوي في الرقابة:
• نحو 24 شركة استيراد مقابل 6 مراقبين فعليين فقط في وزارة الصحة.
• تأخير الشحن والمراقبة في المرافئ (شهر للشحن وشهر للمراقبة)، ما يرفع الكلفة النهائية على المريض.
خامسًا: إمكانات الإصلاح والخروج من الأزمة
رغم تعقيد المشهد، تبرز مسارات إصلاحية واضحة:
1. ترشيد لائحة الأدوية المستوردة
حصر الأدوية المتشابهة بالتركيبة الكيميائية بالدواء الأرخص ثمنًا، على غرار تجربة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما قد يخفض عدد الأدوية المتداولة إلى نحو الثلث.
2. إصلاح آلية التسعير
اعتماد معايير شفافة لسعر المنشأ والكلفة الإضافية، وتحييد التسعير عن منطق المحاصصة السياسية.
3. فرض استخدام الأدوية الجنيسة (Generic)
إلزام الأطباء والصيدليات بوصف وصرف البدائل المعتمدة، وضبط تضارب المصالح الناتج عن المنافع التي تقدمها شركات الاستيراد.
4. إعادة تفعيل المكتب الوطني للدواء
ليكون المستورد الأساسي أو الوحيد، بما يتيح كسر الاحتكار، خفض الأسعار، وضبط الجودة.
5. دعم الصناعة الدوائية المحلية
عبر تسهيلات ضريبية وخدماتية، تأمين الكهرباء، وتخصيص أملاك عامة بعقود استثمار عادلة، بهدف خفض الاستيراد الذي يبلغ حاليًا نحو 92% من حاجات السوق.
6. إعادة الاعتبار للمختبر المركزي
وتمكينه من فحص مكونات الأدوية وفعاليتها، لا الاكتفاء بالتحاليل المقدّمة من التجار.
7. تعزيز أجهزة الرقابة والتنسيق المؤسسي
من خلال إطلاق يد التفتيش المركزي، الجمارك، ودوائر وزارة الصحة، وإنشاء آليات تنسيق فعالة بينها.
إن أزمة الدواء في لبنان ليست أزمة تقنية أو مالية فحسب، بل هي أزمة حوكمة ودولة. فلا إمكانية لإنقاذ هذا القطاع من دون إصلاح سياسي فعلي يحرّر الرقابة والقضاء من القيود، ويفكّ قبضة تحالف السياسة الزبائنية ومافيا الدواء عن قطاع يمسّ مباشرة حق اللبنانيين في الصحة والحياة.

تقرير عن غلاء الدواء في لبنان وكاتبيه يسيران في طريق مسيطر عليه ببنادق قناصة وكلاء الأدوية وتحالف وكلاء مع أطباء اسوأ من الوكالات.
كل ما في التقرير لا يلمس عشر الحقيقة ولا
يجروء على التلفظ أو الإشارة بالاصبع.
الدواء في لبنان احتكار نصب وسرقة ذي طابع تخصص طائفي دخل عليه شريكا مضاربا
فاميليا وزراء الصحة وتهريب الدواء.