تم إقرار ميزانية الدولة اللبنانية لعام 2026 في مجلس النواب بأغلبية ضئيلة للغاية لم تصل حتى إلى نصف عدد أعضاء المجلس! ما كشف عن انقسامات سياسية عميقة وأثار مخاوف جدية بشأن دستوريتها وشفافيتها والغاية الحقيقية من النفقات التي أُضيفت إليها في اللحظات الأخيرة.
كتل نيابية كبرى ذات غالبية مسيحية صوّتت ضد الموازنة أو امتنعت عن التصويت، معتبرة أن الميزانية التي أقرّها المجلس لم تعد تعكس الصيغة التي وافق عليها مجلس الوزراء. وأشارت تلك الكتل إلى تعديلات جوهرية أُدخلت في اللحظة الأخيرة من قبل لجنة المال والموازنة النيابية، رغم اعتراض “حزب القوات اللبنانية”، أبرزها إضافة اعتمادات جديدة تقارب 160 مليون دولار، أقرّها البرلمان بتسرّع في خرقٍ واضح للأصول الدستورية والمالية المعتمدة.
ويرى منتقدو الميزانية أن هذه الأموال الإضافية لا ترتبط بأي خطة إصلاحية واضحة أو بأولوية اقتصادية فعلية! بل يُنظر إليها على نطاق واسع كاعتمادات ذات دوافع سياسية تهدف إلى تغذية شبكات الزبائنية وتمويل الحملات الانتخابية المقبلة، بما يخدم بالدرجة الأولى حزبَ الله وحلفاءه عبر مؤسسات مرتبطة بالدولة.
لا إعمار بل إعادة توزيع
رغم تبرير بعض الاعتمادات الجديدة رسميًا على أنها مخصّصة لإعادة الإعمار أو الإغاثة، لا سيما في جنوب لبنان، يؤكد نواب ومراقبون أنه لا يمكن تنفيذ أي أعمال إعمار حقيقية في الوقت الراهن. فاستمرار الاستهداف الإسرائيلي للمعدات والآليات والبنى التحتية في الجنوب أدّى فعليًا إلى وقف أي جهود لإعادة البناء على نطاق واسع، ما يجعل هذه التبريرات المالية غير واقعية إلى حد كبير.
وبناءً عليه، يُتوقع أن تُحوَّل هذه الأموال بعيدًا عن الإعمار، ليتم تمريرها عبر آليات بديلة تتيح إنفاقها سياسيًا تحت غطاء الدعم الاجتماعي، ولا سيما عبر المساعدات الصحية.
تسييس القطاع الصحي واستخدام مؤسسات الدولة كقناة سياسية
وبحسب ما ذكرت مصادر برلمانية متخصصة في السياسات العامة، يُرجَّح أن يُوزَّع جزء كبير من هذه الأموال عبر شبكة مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات المرتبطة بحزب الله، وهي بنية شكّلت على مدى سنوات ركيزة أساسية لنفوذه الاجتماعي والسياسي.
وجاء توزيع الاعتمادات على النحو الآتي:
ويُتوقَّع أن تتم هذه العملية في ظل غياب فعلي للمساءلة والرقابة، خصوصًا أن وزارة الصحة يتولاها حاليًا وزير محسوب على حزب الله، ما يثير تساؤلات خطيرة حول تضارب المصالح وآليات المراقبة والضوابط المالية.
كما يُنتظر أن تمر أموال إضافية عبر “الهيئة العليا للإغاثة” و”مجلس الجنوب”، وهما مؤسستان تعرّضتا مرارًا لانتقادات بسبب غموض الإنفاق وبسبب استخدامهما كأدوات للزبائنية السياسية بدلًا من مؤسسات دولة محايدة.
ميزانية منفصلة عن مسؤولية الحكومة
الداعمون الأساسيون للميزانية هم نواب الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل، إلى جانب كتل حليفة لهما، إضافة إلى دور محوري لعبه الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، الذي أقنع كتلًا أخرى بأن التصويت ضد الموازنة سيُعدّ تصويتًا ضد حكومة نواف سلام. ودافع هؤلاء عن دعمهم للتصويت بـ«نعم» باعتباره ضرورة لضمان الاستمرارية المالية أو كإشارة ضمنية للثقة بالحكومة.
في المقابل، يرى المعارضون أن هذا الموقف يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الميزانية النهائية لم تعد ميزانية الحكومة الأصلية، بل أصبحت نتاج مساومات برلمانية تقوّض الشفافية والمساءلة.
وقد تعزز هذا القلق مع الصمت اللافت لرئيس الحكومة خلال الجلسة النيابية، إذ امتنع عن الدفاع عن مشروع حكومته الأصلي، وترك المهمة لوزير المالية المحسوب على الثنائي الشيعي، وهو ما فُسِّر على نطاق واسع على أنه تساهل سياسي مع حزب الله ودليل على ضعف السلطة التنفيذية.
انهيار مؤسسي وإنفاق سياسي
إن إقرار الميزانية في ظل هذه الظروف يكرّس خللًا تشريعيًا أوسع في لبنان، حيث تُمرَّر القوانين المالية الأساسية بأكثريات هشة ومن دون توافق وطني، وبما يتعارض مع مبادئ الإصلاح. كما يتم تهميش دور الحكومة في رسم السياسات المالية، رغم أن الميزانية تُعد من أكثر القوانين الدستورية أهمية وتتطلب بطبيعتها توافقًا واسعًا.
والأخطر من ذلك، أنه يعزز المخاوف من استخدام المال العام بشكل متزايد لتمويل بُنى النفوذ السياسي والحملات الانتخابية، عبر الالتفاف على الجهود الدولية الرامية إلى وقف تدفّق الأموال إلى حزب الله المصنّف كمنظمة إرهابية، بدل توجيه هذه الموارد لمعالجة الانهيار المالي المستمر في لبنان أو تلبية حاجات المواطنين الفعلية.
وفي هذا السياق، تبدو الـ160 مليون دولار المضافة حديثًا ليس كإنفاق طارئ بل كتمويلٍ انتخابي مدعوم من الدولة، يُمرَّر عبر مساعدات صحية ومؤسسات إغاثية تعمل خارج أي رقابة جدّية، في وقت لا يحتمل فيه لبنان مزيدًا من تآكل الثقة العام بالحكومة ومؤسساتها.
