توقَّفَ وزيرُ الطاقة اللبناني عن حضور جلسات مجلس الوزراء احتجاجًا. ولكن أزمة الكهرباء ما زالت حاضرة في كل منزل لبناني.
في 6 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن وزير الطاقة “جو صدّي” أنه سيعلّق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء احتجاجًا إلى حين نظرِ الحكومة في مطالبه المتعلقة بتمويل قطاع الكهرباء، بما في ذلك المتأخرات المستحقة على الدولة نفسها لصالح مؤسسة “كهرباء لبنان”. ويشير احتجاجُه إلى سؤالٍ يتجاوز بكثير مجرد خلاف بين وزراء: كيف تقرر الحكومة أية أجزاء من الدولة تستحق أن تستمر في العمل؟
إن نقطة الضغط الراهنة تتمثّل في الوقود. ويقول الوزير “صدّي” أن سعر الوقود الذي تشتريه مؤسسة كهرباء لبنان قد تضاعف خلال الأشهر الستة الماضية، ما أدى إلى انخفاض التغذية بالكهرباء بعدما كانت قد بلغت حوالي سبع ساعات يوميًا في فبراير/شباط. وبناءً عليه، فقد دعا إلى اعتماد تعرفة تتكيّف مع أسعار الوقود، إلى جانب إجراءات أخرى لمعالجة سرقة الكهرباء وتحصيل الأموال المستحقة للدولة.
بالنسبة إلى الأُسَر، فإن حسابات الوقود والكهرباء قاسية. إن شُحّ الكهرباء العمومية يعني اعتمادًا أكبر على المولّدات الخاصة. وفواتير طاقة مرتفعة تستهلك دخلًا مثقلًا أصلًا بسنوات من الانهيار المالي. يدفع المواطنون ثمنَ فشل النظام العام، ثم يدفعون مرة أخرى للحصول على بدائِلِه.
بحسب معلومات تم الحصولُ عليها تمهيداً لكتابة هذا المقال، طلب “صدي” نحو 300 مليون دولار من المتأخرات عن فواتير كهرباء القطاع العام غير المُسدّدة، و 70 مليون دولار لتعويض الإيرادات التي فُقدت بسبب قرارا حكومي بإعفاء المواطنين في جنوب لبنان من جميع الرسوم والضرائب. وقد رفض رئيس الوزراء نواف سلام طلبه بسبب عدم توفر التمويل.
لكن المعلومات نفسها تشير إلى أن رصيد الحكومة بالدولار في المصرف المركزي يبلغ نحو 900 مليون دولار. من الواضح أن وجود رصيدٍ مصرفي لا يحدّد، تلقائياً، مقدار الأموال غير الخاضعة لالتزامات، أو الاموال المُتاحة للإنفاق فورًا. لكنه يستدعي تفسيرًا. ما مقدار الأموال المُخصصة لأغراض محددة؟ وما مقدار الأموال المُقيَّدة قانونيًا؟ وما المُتاح منها؟ ولماذا تأتي الكهرباء في مرتبة متأخرة عن أولويات الإنفاق الأخرى؟
ينبغي للحكومة أن تنشر إجاباتٍ واضحة عن الأسئلة السابقة.
ويغدو النزاع الحكومي أكثر إثارة للتساؤل عند وضعه إلى جانب ما ورد في تقارير عن مداولات مجلس الوزراء الأخيرة بشأن الموازنة. فبحسب تقرير نُشر في 6 أكتوبر، طلب وزير الصناعة جو عيسى الخوري مبلغ 400 ألف دولار لوزارته، لكن طلبه رُفض بحجة عدم توافر الأموال الكافية. وفي الجلسة نفسها، أفادت التقارير بأن الحكومة خصصت 60 مليون دولار لـ”مجلس الجنوب”. وعندما اعترض على هذا التفاوت، أفادت تقارير أن سلام طلب منه تسجيل اعتراضه.
وتحتاج هذا الرواية إلى تأكيدٍ من محضر جلسة مجلس الوزراء ومن الوزراء المعنيين، لكن التباين الذي تصفه يستدعي التدقيق.
ستون مليون دولار تعادل 150 ضعف المبلغ الذي أفادت التقارير بأنه رُفض لوزارة الصناعة.
إن سكان جنوب لبنان يستحقون إعادة إعمار وتعويضات وخدمات العامة فعالة. إن معاناتهم حقيقية، وعلى الدولة واجب الاستجابة لمعاناتهم. والسؤال هو: لماذا ينبغي أن تتزامن هذه الاستجابة مع تجفيف موارد مؤسسات أساسية أخرى، وما هي الضمانات التي تكفلُ وصول الأموال إلى الناس وفقاً لحاجتهم.
ينبغي أن تقترن المساعدات بمعايير علنية، وأن تذهب لمستفيدين يتم التحقق منهم بشكل مستقل، وأن تتمّ وفق مناقصات شفافة، وإنفاقٍ يخضع للتدقيق. ومن دون هذه الضمانات، قد تؤدي أموال إعادة الإعمار إلى تعزيز الشبكات السياسية التي اضطر المواطنون، على مدى سنوات، إلى اللجوء إليها للحصول على المساعدة.
ذلك هو باعث القلق السياسي الذي يحيطُ بوزارة المالية وبـ”مجلس الجنوب”: هل يتم تنظيم الإنفاق العام على أساس الاحتياجات الوطنية، أم وفق أولويات تحالف أمل-حزب الله؟ إن الحكومة التي تتذرع بالتقشف تجاه مؤسسة ما، ثم تجد تمويلاً كبيراً لمؤسسة أخرى، تدين للرأي العام بما هو أكثر من ردّ مقتضب أو متجاهِل.
لا يستطيع الرئيس سلام أن يدّعي الإصلاح بينما يترك منطق هذه الخيارات من دون تفسير.
قد يكنُّ وزيرُ المالية “ياسين جابر” طموحاتٍ سياسية، وقد يكون الرئيس نواف سلان مقتنعاً بأن الإنفاق على الجنوب سيجلب للحكومة تعاطفاً من بيئة حزب الله. وفي أثناء ذلك، فإنهما يتجاهلان بقية الأولويات الملحّة ويعرّضان الحكومة للخطر.
إن الانطباع السائد هو أن الحكومة تترك أصعب القضايا الأمنية لرئاسة الجمهورية، في حين تسمح للقنوات التي تتمتع بحظوة سياسية أن تتخذ القرارات المتعلة بالإنفاق المدني. ويبقى الوزراء مسؤولين عن تقديم الخدمات، إلا أن قدرتهم على تقديمها تتوقّف على قرارات تمويل لا يملكون السيطرة عليها.
إن مقاطعة صدّي لحلسات الحكومة تكشف هذا التناقض علناً. فالوزير يمكن أن يُحاسَب على سياساته، وإدارته، ونتائجه. لكن لا يمكن، بصورة معقولة، أن يُتوقع منه أن يحافظ على استمرارية توفير الكهرباء في وقت ترفض الحكومة سداد التزاماتها الخاصة أو توضيح أولوياتها التمويلية.
ثم أن هنالك خطراً يتجاوز نزاع الكهرباء المباشر.
فعندما تُحرم الخدمات الأساسية من التمويل الكافي في الموازنة، فإن الضغوط يمكن أن تنتقل إلى مصرف لبنان. وما يبدأ كمشكلة في الإنفاق الحكومي قد يتحول إلى طلب جديد على موارد المصرف المركزي، ما يضعف الأصول المتاحة لمعالجة انهيار القطاع المصرفي وسداد أموال المودعين.
لقد اختبر لبنان بالفعل عواقب تأجيل الخيارات الضريبية وخيارات الإنفاق بتمريرها عبر نظامه المالي. ولا يزال المودعون يدفعون ثمن تلك الخيارات.
ويجعل الجدل حول الذهب هذا الخطر أكثر خطورة، ولا سيما أن بعض ما يُسمّى بالصحافيين الاقتصاديين قد تخلّوا مؤخراً عن السردية القائلة إن الذهب يعود إلى شعب لبنان، أي إلى الدولة. إن الالتزامات المستحقة على المصرف المركزي، والناتجة عن تعثره في السداد لدائنيه، أي المصارف التجارية، تجعل حماية حقوق الدائنين أمراً محورياً في أي نقاش حول أصول الذهب المملوك من المصرف المركزي.
لا يمكن للذهب ولاحتياطيات المصرف المركزي أن تصبح بديلًا عن حكومة خاضعة للمساءلة. كما لا ينبغي مطالبة المودعين بتمويل جولة أخرى من الوعود، في حين تبقى القرارات المتعلقة بالأموال العامة المتوفّرة غامضة وغير شفافة.
يجب على الحكومة أن تكشف عن السيولة المتاحة لديها، وأن تشرح التزاماتها الإنفاقية، وأن تسدّد المستحقات المشروعة، وأن تطبّق معايير موحّدة على جميع الوزارات والهيئات العامة.
يستحق المواطنون اللبنانيون أن يعرفوا لماذا يمكن، على ما يبدو، العثور على الأموال لقناة واحدة، وهي “مجلس الجنوب“، وهو أكثر المؤسسات فسادًا وخاضع لسيطرة الثنائي الشيعي، بينما يُطلب من قطاع الكهرباء والمؤسسات الإنتاجية الانتظار.
لقد انسحب الوزير “صدّي” من طاولة مجلس الوزراء. ولكن الحكومة ما تزال مدينة للبلاد بإجابة حول ما الذي تضعه على تلك الطاولة — ولمصلحة من!

