خاص بـ”الشفاف”
في مقابلة مع جريدة الـ TAZ صرح المطران Huber رئيس مجلس الكنائس الانجيلية في المانيا أنهم، أي المسيحيين، يعلمون بشكل أكيد أن رسالتين من رسائل القديس بولس لم يكتبها بولس بنفسه بل شخصٌ مجهول، لكن المسيحيين يؤمنون بمضمونها! هذا التصريح يُعبِّر بشكل دقيق عن فَصل الواقع الايماني عن الواقع التاريخي، ويُفسح المجال أمام معالجة تاريخية نقدية للظاهرة الدينية.
هذا المنحى للتعامل مع الدين بدأ في أوروبا منذ أكثر من قرنين ولم ينتشر بعد في عالمنا الاسلامي رغم النهضة الثقافية والاصلاح الاسلامي في المئة والخمسين سنة الاخيرة. لا، بل يبدو أن العكس هو الحاصل، إذ تفرض “الصحوة الاسلامية” أي “الاسلام السياسي“, منهجاً يتنافى مع تفعيل العقل بالتعامل مع الدين لصالح التزام وثيق بالنصوص المقدسة يشجع على النقل والتقليد. ومن تُسوِّلُه نفسه بالتعرض للنص يدفع الثمن بحياته او يفرّ الى بلاد الغرب حيث الجامعات الغربية تغص بالنخب الاسلامية الليبرالية.
رغم ذلك، هنالك شوقٌ جامح إلى المعرفة في مجتمعاتنا. أكتفي هنا بذكر تجربة واحدة لي تؤيد هذا التقدير. شاركت عام 2002 بورشة عمل في بيروت حول الدراسات القراَنية عرضت فيها طريقة “كريستوف لوكسمبرغ” لقراءة القراَن والتي يمكن أن يستنتج منها إن بعض نصوص القراَن ليست الا ترجمة لنصوص كَنَسيّة مسيحية. وانتشرت المحاضرة كاللهب في بيروت وكان بعض المثقفين المسلمين قد دعا الى مقاطعة الورشة لعدم جواز تعاطي “الكُفار” مع القراَن الكريم. رغم ذلك لم أعُد فقط سليماًَ إلى برلين بل إن مجلة “الحياة الطيبة” التي تصدر عن مؤسسة الحوزات والمدارس العلمية الشيعية في لبنان أصدرت عدداً خاصاً في خريف 2003 حول القراَن تضمن محاضرتي مع تعقيب مدير تحرير المجلة، “محمد حسن زراقط” في ست صفحات يقول فيه: “وأُطلق الدعوة إلى الباحثين المتقنين للغتين (العربية والسريانية) إلى متابعة ما عبرت عنه رسالة “لوكسمبرغ“، وإن لم يكن بين المسلمين من يملك هذه الادوات فتكون ثغرة لا بد من سدها والعمل على تلافيها.“
القراَن والاستشراق
بعد قرون من الاخذ بصورة سلبية عن الاسلام تعتبر النبي دجالاً انتحل النُبُوّة وزوّر الدين بدأت أوروبا في القرن التاسع عشر تتبع منهجاًًَ اكثر موضوعية يعتمد على النقد التاريخي. وهذه الطريقة التي انتشرت في “عصر التنوير” طبّقها الاوروبيون قبل ذلك على كتبهم الدينية فدرسوا تاريخ الشرق الاوسط ولغاته القديمة وعلوم الآثار والعملات وشتى العلوم الضرورية لفهم نصوص الكتاب المقدس. كما انهم، للمرة الاولى، بحثوا في شخصية المسيح التاريخية. ولم تتوقف هذه الابحاث عند المصادر المسيحية بل تخطتها لتتناول الاسلام وكل ما يضمه الشرق وهكذا نشأ “علم الاستشراق“.

يعتبر كتاب نولدكه: “تاريخ القراَن“، الصادر عام 1860 حتى يومنا هذا المرجع التقليدي Standardwerk للدراسات القراَنية في الغرب، لإرسائه إياها على قواعد علمية سليمة واستخدامه شتى العلوم من تاريخية ولغوية ولاهوتية لمعالجة النص القراَني، فيكون جمع هكذا بين المناهج العقائدية والتاريخية واللغوية ليصل الى النتيجة التالية: “يستطيع المرء أن يستخلص من كل ذلك أن الاسلام، في جوهره، دين يقتفي اَثار المسيحية، إو بعبارة أخرى، أن الاسلام هو الصيغة التي دخلت بها المسيحية إلى بلاد العرب كلها.“ (ص. 8)

ولفهم أهمية هذا العمل الضخم يجدر ذكر تطوره. لقد طلب “نولدكه“، عام 1909، من Friedrich Schwally إعادة صياغة الكتاب فأصدر عام 1919 الجزء الاول وتوفي ثم تابع عمله August Fischer ومن بعد مماته Gotthelf Bergsträßer ومن بعده Otto Pretzl الذي أتم نشره عام 1937. ويكتب المترجم العربي ٫الاستاذ جورج تامر٫ في مقدمته: „ثلاثة أجيال من علماء الدراسات القراَنية الالمان تعاقبت، إذاً، على هذا الاثر، حتى أبصر النور، وهو يضم ما توصلوا إليه من نتائج في هذا المجال خلال سبعة عقود ونيٌَف.“
رغم ربط الاسلام بما سبقه من الاديان يؤكد نولدكه خصوصيته فيكتب: „إن الدين الجديد (…) انصهر في وجدان محمد من مواد مختلفة. ما أضافه هو إلى ذلك يقل أهمية عما أخذه عن الاَخرين، ما عدا التعليم الاساسي الثاني في الاسلام، وهو شهادة ـ محمد رسول الله ـ (الفتح48 :29). القراَن يمنح هذه الصفة لكثير من رجالات الله في الماضي (…)، لكن محمداً يضع نفسه في مرتبة أسمى منهم، إذ يدُعي لنُبُوَّته معنى ختامياًً .“ (الاحزاب 33: 40، خاتم النبيين). كما أن نولدكه لا يشكك بصحة جمع القراَن في زمن عثمان كما يدعي التراث الاسلامي.
لكن أهمية نولدكه ترجع الى امرين: الاول هو ترتيبه الزمني للقراَن وقد اعتمده أغلب المستشرقين فيما بعد والثاني موقفه من اللغة العربية الذي فرض نفسه تدريجياً على مجمل الاستشراق لاحقاً .
نشر أحد طلاب نولدكه عام 1886 الالماني Siegmund Fraenkel (1855-1909) كتاباً بعنوان:“الكلمات الاَرامية في اللغة العربية“، وتبعه في هذه الابحاث اللغوية الاتيمولوجية عدد من الباحثين أشهرهم بدون شك الاسترالي Arthur Jeffery (1893-1959) الذي نشر عام 1938 كتابه:“الكلمات الغريبة في القراَن“. اما الهنغاري Ignaz Goldziher (1850-1920) فقد تعرض في كتابه: “إتجاهات التفسير الاسلامي“، الى الصعوبات التي يواجهها المُفسرون بفهم النص القراَني، وركز الالماني Josef Horovitz (1874-1931) عام 1926 في كتابه: “بحوث قراَنية“، على معاني بعض المصطلحات واصول بعض الاسماء. وسَلَكَ الالماني Jacob Barth (1851-1914) طريقاً جديداً في بحث له عام 1916 يستند على تغيير التنقيط ونجح بشرح اربع كلمات غامضة في القراَن.
لم تؤثر البحوث اللغوية الاتيمولوجية (= بحوث تاريخ الكلمات) على الفهم الاسلامي للقراَن لانها ظلت تتحرك في إطاره، خلافاً للبحوث اللغوية الفيلولوجية التي تخطت هذا الاطار. وأول من قام بذلك هو طالب اَخر لنولدكه، الالماني Karl Vollers (1835-1909) في كتابه عام 1906 بعنوان: “اللغة العامية واللغة المكتوبة في بلاد العرب القديمة“. ويصل “فولرس” الى نتيجة مفادها أن القراَن كُتِب أصلاً بلغة عامية منتشرة في منطقة مكة والمدينة وقام اللغويون العرب في النصف الثاني من القرن الهجري بتحويلها الى اللغة العربية الكلاسيكية التي نعرفها.
عام 1910 نشر “نولدكه” كتابه:”أبحاث جديدة حول اللغات السامية“، رد فيه على طالبه “فولرس” رافضاً نظريته ومؤكداًً بشكل قاطع الطابع الكلاسيكي للغة العربية رغم إقراره بوجود الالسن اي اللهجات المختلفة. باتخاذه هذا الموقف قطع “نولدكه” الطريق امام الابحاث الفيلولوجية. لذلك لم تُثِر محاولة السرياني الالماني Alfons Mingana (1881-1937) عام 1927 في بحثه حول التأثير السرياني على أسلوب القراَن اية ردة فعل وتخلى “منغانا” نفسه عن متابعة تلك الابحاث. وأصبح موقف “نولدكه” موقف الاستشراق الرسمي وتبع خطه كبارُ باحثي القراَن في العالم Richard Bell الانكليزي وRégis Blachère الفرنسي و Rudi Paret الالماني. حتى Tilman Nagel الذي أصدر قبل ثلاثة أشهر كتابه الضخم: “محمد ـ الحياة والاسطورة“، يميل الى حد كبير ألى هذا الموقف.
يمكننا تلخيص موقف الاستشراق السائد هذا بالشكل التالي: إنه ينطلق من المادة التي يقدمها التراث الاسلامي ليخضعه للنقد التاريخي دون ان يشكك بصحة هذه المادة وبأصالة النص القراَني. وأستمر هذا الموقف مهيمناً على الاستشراق حتى سبعينات القرن الماضي.
عام 1974 أصدر الالماني Günter Lüling (1928-2014) كتابه بعنوان: “حول القراَن الاصلي. مساهمات لاعادة تركيب ابيات الاناشيد المسيحية ما قبل الاسلام في القراَن“. (Über den Ur-Quran: Ansätze zur Rekonstruktion vorislamischer christlicher Strophenlieder im Quran). بهذا الكتاب احيى “لولينغ” تقليد Vollers مجددا متوصلاً الى نتائج خالفت نظرية الاستشراق الرسمي، فطرده المستشرقون من الجامعة وفرضوا حوله حصارا علمياً فكُه اخيراً مسلمو الهند الذين اصدروا عام 2003 ترجمة انكليزية لكتابه.
مع الاميركي John Wansbrough (1928-2002) تَدخُلُ الابحاث القراَنية عصرها الحديث متحررة من سطوة الاستشراق التقليدي لتلتحق بالابحاث التوراتية التي كانت قد سبقتها باشواط. وحصل ذلك بالتحديد عام 1977 حين نشر Wansbrough كتابه تحت عنوان:“دراسات قراَنية“.يتُبع المؤلف طريقة Goldziher المطبقة في كتابه: “مقدمة في لاهوت الاسلام وشرعه” الصادر عام 1910، والتي طوُرها بدوره Joseph Schacht (1902-1969) في كتابه:“مقدمة في الشرع الاسلامي“ الصادر عام 1964، وملخص هذه الطريقة ان الشرع الاسلامي نتاج مصادر مختلفة ذابت في بوطقة اسلامية موحدة. وقد طبق Wansbrough هذه الطريقة في دراسته للقراَن ليصل الى نتيجة مفادها ان النص القراَني هو نتاج عدة تقاليد مختلفة تمُ الانتهاء من دمجها بعضها ببعض حوالي مائتي سنة بعد وفاة النبي. هذا يعني ان قراَن عثمان وصحة التراث الاسلامي الذي يستند عليه الاستشراق الرسمي هما من عالم الخيال لا سند لهما. وهذا يعني ايضاً التشكيك بكون القراَن رسالة النبي محمد.
في الوقت نفسه وتحت تأثير Wansbrough اصدرا Michael Cook و Patricia Crone عام 1977كتاباً بعنوان: “الهاجريون“، صدرت ترجمته العربية في دمشق عام 1999، ليحاولا إثبات كون الاسلام أصلاً فرقة يهودية عربية هاجرت الى فلسطين بقيادة محمد. ما يجمع Crone, Cook و Wansbrough وأتباعهم هو عدم ارتكانهم إلى التراث الاسلامي لانه ظهر الى الوجود مائتي سنة بعد ظهور الاسلام، وإصرارهم على إيجاد الادلة المادية لادعاءات العلماء المسلمين.
أخذ هذا التيار بالانتشار وعدد الباحثين بالازدياد وكانت حصيلته حتى الاَن كتابان لمجموعة من المؤلفين، الاول بعنوان: “البدايات الغامضة” (Die dunklen Anfängen) صدر عام 2005 والثاني بعنوان: “اوائل الاسلام” (Der frühe Islam) صدر عام 2007 . والكتاب الثالث سيصدر اَخر هذه السنة (2008). يحاول هؤلاء الباحثون القاء الاضواء على القرنين الاولين .من تاريخ الاسلام مستندين إلى المعطيات المادية والادلة القاطعة مشككين بالسرد التاريخي الاسلامي الذي بدأ متأخراً جداً .
وتأتي في هذا السياق دراسة Christoph Luxenberg : “القراءة السريانية الاَرامية للقراَن“. (Die syro-aramäische Lesart des Koran. Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache) الصادرة عام 2000 لتشكل ثورة في العلوم القراَنية حيث دفعتها في طريق لا عودة منه. يكتب عالما الدراسات السريانيةRobert R. PHENIX Jr. و Cornelia B. HORN في تقريظهم لكتاب Luxenberg : “لم يصدر في تاريخ تفسير القراَن كتاب كهذا حتى الاَن. فقط في الدراسات النقدية للكتاب المقدس نجد أعمالاً مشابهة له. لقد حرر لوكسمبرغ، بمنهجه وإستنتاجاته حول لغة القراَن ومضمونه، الباحثين من مشقة التفسير التراثي الاسلامي. وبغض النظر عن صحة جميع التفاصيل التي يوردها لوكسمبرغ، فقد توصل بكتاب واحد الى دفع علم تفسير القراًن الى نقطة تحول جذرية احتاج مفسرو التوراة قرناً كاملاً للوصول إليها.”
إن لوكسمبرغ يكمل طريقة Mingana الفيلولوجية التي أهملها المستشرقون في حينها ويطورها وخلاصتها التالي:
ـ إنه من المستحيل إيجاد أدلُة قاطعة في التراث الاسلامي نظراً لظهوره في مرحلة زمنية متأخرة ما أنتج نظريات مختلفة لا تصل الى مستوى العلم.
ـ وأقدم ما نملك من التراث الاسلامي هو القراَن نفسه، أول كتاب كتب باللغة العربية.
ـ لذلك يقترح لوكسمبرغ تطبيق علم الاَثار على القراَن إي القيام بعملية تنقيب لغوية، بمعنى اَخر معالجة القراَن معالجة فيلولوجية.
ـ وينطلق لوكسمبرغ من النصوص الغامضة في القراَن وهي النصوص التي تقرأ عربياً ولا معنى لها (ومن شر غاسق اذا وقب، الفلق113: 3 إو كلمة قسورة 74: 51) فيفتش عن المعنى عند العلماء المسلمين وقواميسهم وعندما يعلن هؤلاء عجزهم عن الشرح بقولهم ا“ختلف أهل التأويل بتأويل ذلك والله أعلم“،
ـ عندها ينتقل لوكسمبرغ إلى المستشرقين وبغياب جواب شافٍ
ـ يعالج لوكسمبرغ الرسم القراَني بتغيير التنقيط وإبدال بعض الحروف
ـ وعند فشل هذه الطريقة يلجأ لوكسمبرغ الى أقصى الاساليب فيعيد النص الى أصل اَرامي ليفك رموزه.
المذهل في هذه الطريقة أنها تفسر كل شيء فلا غموض في القراَن بعدها.
مثال على ذلك سورة مريم 19: 24.
( فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتـك سـريا )
(لوكسمبرغ: فناداها حال وضعها ألا تحزني قد جعل ربك وضعَكِ حلالا )
والاَية 259 من سورة البقرة وموضوعها أن الله أمات إنسانا لا يؤمن بالقيامة ثم بعثه بعد مائة عام فقال له.
( وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر ألى حمارك
ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما )
(لوكسمبرغ: أنظر إلى حالك وأمرك لم يتغيّر وانظر إلى كمالك
ولنجعلك آية للناس أنظر إلى العظام كيف نصلحها ثم نكسوها لحما )
و يبين لوكسنبرغ كيف أن تعابير “حوريات الجنة ” ترجع إلى نصوص سريانية معروفة بالـ“ميامر” ألّفها أفرام السرياني (306 – 373 م) في القرن الرابع ميلادي عن الجنة. وخلاصة الشرح أن لفظة حـور صفة سريانية للعنب الأبيض وأن عين صفة اسمية تعبر عن صفاء وبريق الحجارة الكريمة التي ينعت بها القرآن نصاعة العنب الأبيض إذ يشبهه باللؤلؤ المكنون. ولما نعت القرآن (الولدان المخلدون) بنفس التعبير ، تبيّن كذلك بأن المراد بالولـدان وفقا للمرادف السرياني (يلـدا yalda) : الثمار ، فتوجّب قراءة مجلدون بدلا من (مخلدون) ، أي أن ثمار الجنة تؤكل باردة (مجلّدة) بخلاف أهل الجحيم (لآكلون من شجر من زقوم… فشربون عليه من الحميم) ( سورة الواقعة ، الآية 52 ، 54).
ويستنتج لوكسنبرغ من تحليله اللغوي بأن “اللسان الذي أنزل به القرآن” لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى لغة القرآن الأساسية ضمن مفهومها التاريخي والتي يكمُن سـرُ فهمها في انسجام عناصر من اللغتين العربية والسريانية.
اللافت للنظر في هذه الابحاث الحديثة أنها تكمل بعضها البعض و تتجه جميعاُ في نفس الاتجاه. كما أنها تؤيد نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي“نولدكه“.
المصادر الاسلامية
أذكر هنا نموذجاَ عن عرض المصادر عند المؤلفين المسلمين مأخوذ من مقدمة “كتاب الارشاد” للامام أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العكبري، البغدادي :
“يذهب معظم الباحثين إلى ان اشهر من كتب في هذا الجانب (أي التاريخ) كانا محمد بن اسحاق بن يسار (ت 151 هـ ) ومحمد بن عمر الواقدي (ت 207 هـ)، وان كان قد سبقهما في التصنيف عروة ابن الزبير(1) ، ووهب بن منبه (2) ، بيد ان ندرة او قلة ما وصل بايدي الباحثين والمؤرخين، لم تحدد للاخيرين سيرة متكاملة محددة المعالم ، إلا أن كثرة نقول ابن اسحاق والواقدي عنهما تبين بوضوح انهما – وبالاخص عروة بن الزبير– كانا قد سبقا في هذا المضمار(3).
كما ان التأمل في هاتين السيرتين – واللتين تعدان بلا شك دعامتين مهمتين في تدوين ما عرف بالتأريخ الاسلامي – تبين بوضوح ايضاً انهما كانا في احيان كثيرة تابعتين لعروة بن الزبير في تحديد مساريهما، وتثبيتهما للوقائع المهمة، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وغزوة بدر وغيرها، وكذا بالنسبة لوهب بن منبه، حيث روى ابن اسحاق عنه القسم الاول من السيرة.
وان كان هذا الامر لا يلغي في حدوده وجود ثلة لا باس بها من المؤرخين واصحاب السير، حاولت أن تدلي بدلوها في هذا المعترك المهم امثال : ابان بن عثمان (ت 105هـ ) وشرحبيل بن سعد (ت 123هـ ) وابن شهاب الزهري
_________
(1) اخ عبد الله بن الزبير، كان يُعد من كبار فقهاء المدينة، اعتزل اخاه في قتاله مع الامويين ، ثم بايع عبد الملك بن مروان بعد مقتل اخيه .
(2) قال عنه ابن حجر (تهذيب التهذيب 11 :148) : كان أول حياته يقول بالقدر، وكتب فيه كتاباً.
وقال ياقوت الحموي (معجم الأدباء 19 : 259): كان كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة بالاسرائيليات .
وقال الذهبي (سير أعلام النبلاء5: 445) : روايته للمسند قليلة، وإنّما غزارة علمه في الاسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب .
(3) أنظر كشف الظنون 2 : 1747 .
( 7 )
( ت 124هـ) وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ ) وعبد الله بن ابي بكر بن حزم (ت 135 هـ ) وموسى بن عقبة(ت 141 هـ ) ومعمر بن راشد(ت 150هـ)، وغيرهم ممن عاصروا تلك الحقبة الزمنية أو بعدها بقليل، امثال محمد بن سعد(ت 230هـ)، وابن هشام (ت230 هـ).”
هذه الرواية نموذجية تبين مشكلة التراث الاسلامي. فالمرجعان الاساسيان لابن إسحق والواقدي غير واضحي المعالم لا بل يذكر ياقوت الحلبي في “معجم الادباء” أن وهب بن منبه كان كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة بالاسرائيليات ويذكر الذهبي في “سير أعلام النبلاء” أن رواية وهب للمسند قليلة بينما علمه غزير في الاسرائيليات ومن صحائف أهل الكتاب. وكتابا ابن اسحق والواقدي على قدر كبير من الاهمية لانها أول ما وصلنا من التراث الاسلامي. فكتاب المغازي لأبن إسحق (ت 151) وصلنا ضمن سيرة أبن هشام (ت 218)، وكتاب فتوح الشام للواقدي (ت 207) وصلنا مستقلا.
وهنا لائحة باسماء المصادر التاريخية التي تشكل الى جانب القراَن وكتب الفقه للشيباني (ت189) وكتاب الخراج لابي يوسف (ت 182) قاعدة التراث الاسلامي:
ـ الواقدي 207 / 822 فتوح الشام
ـ إبن هشام 218 / 834 السيرة
ـ إبن سعد 230 / 845 الطبقات الكبرى
ـ الطبري 310 / 922 تاريخ الرسل والملوك
إن مصادر التاريخ الاسلامي متأخرة وتستند على مادة غير واضحة المعالم لانها من ناحية غير مثبتة ومن ناحية اخرى لا إجماع حول تقييمها. ويضاف الى ذلك أنها بأغلبيتها شفهية غير مدونة.
فيما يخص القراَن تفيد مختلف القصص الواردة في المراجع كـ“كتاب المصاحف” لابن أبي داود السجستاني و“الفهرست” لابن النديم و“كتاب الاتقان في علوم القراَن” للسيوطي أو أيضاً “كتاب البرهان في علوم القراَن” للزركشي أنه أصلاً حفظ في الصدور وما التدوين الا دعماً للذاكرة. لكن القصص نفسها تعلمنا ان هنالك عدة نسخ من القراَن كانت متوفرة وهي نسخة أبي بن كعب اعتمدها أهل دمشق، ونسخة عبدالله بن مسعود، أعتمدها أهل الكوفة، ونسخة أبو موسى الاشعري، اعتمدها أهل البصرة ونسخة المقداد بن الاسود، أعتمدها أهل حمص. وربما هنالك نسخ أخرى قليلة الاهمية أهملتها المراجع. أما نسخة علي للقراَن فمشكوك بامرها لان ذاكريها بجملتهم من الشيعة.
وكان الاختلاف بين النسخ لدرجة أنه هدَّد وحدة المسلمين. فخلال الحملة على أرمينيا اختلف أهل الشام وأهل العراق حول نص القراَن وكفُروا بعضهم البعض. عاد القائد أبو حذيفة من الحملة ساخطاً وأعلم الخليفة عثمان بالامر فقرر توحيد النص القراَني. فالداعي لقرار عثمان ليست معركة اليمامة على ما يبدو. فهنا تختلف القصص كما انها تختلف حول من قام بالجمع أهو أبو بكر أم عمر أم عثمان وتختلف القصص حول أعضاء اللجنة وإذا كان قد تم بالفعل إتلاف بقية المصاحف غير مصحف عثمان الخ. ورغم أن عثمان فضُل مصحف حفصة ولسانه وهو لسان قريش الحجازي. فقد قبل العلماء بقراءات سبعة ثم عشرة حتى وصلت الى أربع عشرة قراءة للقراَن.
أما السُنّة فقد منع النبي جمعها لكنه سمح لاحقاً لعبد الله بن عمرو بن العاص بكتابة بعض الحديث كانت نتيجته ما يسميه المسلمون بـ“الصحيفة الصادقة“. ولاحظ ابن قتيبة في كتابه “تأويل مختلف الحديث” أن من الممكن أن يكون رسول الله “خصُ بهذا عبد الله ابن عمرو لانه كان قارئاُ للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية“. وهذا يذكرنا بقصة زيد بن ثابت مدوُن الوحي للنبي ورئيس لجنة عثمان لجمع القراَن الواردة في بداية كتاب المصاحف للسجستاني وهذا نصها: “حدثنا عبدالله قال حدثنا محمد بن قدامة قال حدثنا جرير بن الاعمش عن ثابت بن زيد بن ثابت قال: قال النبي: “أتحسن السريانية فإنها تأتيني كتب” قلت: لا قال: فتعلمها قال: فتعلمتها في تسعة عشر يوماً“. ثم منع الخلفاء بعد ذلك جمع الحديث وخالفهم عمر بن عبد العزيز واخيراُ انتشر الجمع أيام العباسيين، اكثر من مئتي سنة بعد رحيل النبي. فابن حنبل توفي عام 241 والبخاري عام 256 ومسلم عام 261 وأبو داود وإبن ماجه عام 275 والترمدي عام 279 والنسائي عام 303 .
نكتفي بهذا القدر اليسير لنقول ان التراث الاسلامي لا يقوم على اسس صلبة. فالعلماء المسلمون يستشهدون بعضهم ببعض وكلما تعمقوا بالتاريخ ضعفت اسانيدهم لتضيع اخيراُ في ضباب القرنين الاولين من تاريخ الاسلام. وهذه هي النقطة المركزية التي تعاجها الدراسات القراَنية الحديثة.
*محاضرة ألقاها د. رالف غضبان – نادي الرافدين في برلين 2008



