الإعلام وأخلاقياته

0

    الإعلام هو السلطة الرابعة. هدفه تعزيز المصلحة العامة والخدمة العامة ونقل الصورة بموضوعية وشفافية ومصداقية أي نقل الواقع كما هو إلى المشاهد لتشكيل رأي عام واعٍ يميّز بين الصواب والخطأ ويراقب السلطة وعملها ويكون أداة ضغط على الطبقة الحاكمة وعلى مجلس النواب الذي يأخذ الثقة بدوره من الشعب أي الرأي العام. من هنا ضرورة وأهمية وأحقية المحافظة على أخلاقية هذه المهنة، واحترام الإعلامي مبادئ المهنة أساسي لتأمين خدمة إعلامية راقية.

 

١٨٥١:  أول عدد من “نيويورك تايمز”

     يعزز النظام الديمقراطي حرية الإعلام ويترك للصحافي المجال للحصول على المعلومات بشتّى الوسائل المتاحة. وواجب الصحافي نقل الوقائع والمعلومات بموضوعية وأمانة ومصداقية لتبيان الحقيقة للرأي العام دون تحريفٍ للمعلومات أو تضليلها أو التعتمة على بعض الحوادث المهمة والمفيدة، عكس النظم التوتاليتارية والشمولية والإستبدادية التي تخفي الحقائق وتضلّل الإعلام، بحيث تسيطر السلطة عليه ويصبح الناطق الرسمي بإسمها. كذلك، لا تتقبّل أنظمة كهذه التنوّع والتعدد والمنافسة في الآراء. من هنا ضرورة التمييز بين أخلاق الإعلام أي الـ ethique، وأخلاقيات الاعلام أي الـ deontologie وهي عبارة عن الواجبات والإلتزامات التي تنشأ عبر ممارسة مهنة الصحافة.

العدد الأول من “الأهرام” في 15 أغسطس 1876

 

     لإلقاء الضوء على موضوع كهذا، لا يمكننا إلّا أن نشدّد على أهمية دور الاعلام .  

صدق Camus بقوله “ Un pays vaut souvent ce que vaut sa presse”. لذا وللمزيد من الإيضاح سنتناول ماهية الإعلام وأهدافه ودوره ونظرياته إضافة الى أخلاقيات مهنة الصحافة.

    بصورة عامة، الإعلام يعني التفاعل البشري المبني على العلاقة البشرية التي من خلالها يحصل الشخص على المعلومات أو يتلقاها، ويساهم في ذلك التطور البشري الذي يرتكز إلى الإعلام  ويساعد الإنسان على تطوره على الصعيد العقلي والروحي والثقافي. بناءً على ذلك، ينقل الإنسان معلوماته ونياته ورغباته وثقافته الى الآخر أي المتلقي.

    الإعلام مرآة المجتمع التي تعكس واقعه الإجتماعي والنفسي من خلال الوسائل الإعلامية البصرية كالتلفزيون، والسمعية كالراديو، والمكتوبة كالصحف والمجلات، بواقعية وأمانة كما هي وليس خلق صورة جديدة.

    كان الإعلام يعتبر جزءًا من العلوم السياسية والقانونية. أما في الأربعينات، فقد اعتبر علماء الاجتماع في الولايات المتحدة الأمريكية بأنه يشكّل قسماً من علم الإجتماع. في لبنان، تحديداً في العام 1969 أنشئ معهد الصحافة، وتطوّر مفهوم الإعلام وتوسّع مجاله وأصبح قطاعاً مستقلاً يضم التقنيات الهائلة كمراكز الإرسال والأقمار الصناعية والإنترنت. وفي بداية القرن العشرين، تحديداً خلال الحرب الباردة استعملت وسائل الإتصال خدمةً للتنافس الإستخبراتي والتجسسي والسياسي والأمني.

     يسعى الإعلام الى تعزيز المعرفة وتطويرها وزيادة المعلومات إلى المتلقي أي المشاهد، إضافة الى التوعية والتثقيف والتنشئة. من هنا ضرورة النظام الإعلامي القائم على مبدأ المسؤولية الاجتماعية، بحيث أن الحرية الإعلامية يجب أن تكون مسؤولة وألا تتخطى القانون، لذا يجب الرقابة على وسائل الإعلام .

    غياب الحرية يقيّد دور الإعلام ورسالته التي تهدف إلى تأمين المصلحة العامة، ما يؤدي الى غياب الدور الحقيقي لوسائل الإعلام. ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في مادته   التاسعة عشرة :  “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية إعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ” . ولا بد للحرية من أن تكون مسؤولة.

     أما بالنسبة للأخلاق الإعلامية، فعلى الصحافي والمؤسسات الإعلامية الإلتزام بها واحترامها كالنزاهة المنصوص عنها في الشرعات الإعلامية ومواثيق الشرف. ولكنّ الواقع أثبت العكس. سُخِّر الإعلام ولم تحترم أخلاقياته مراراً. مثلاً، قبيل الثورة الرومانية التي أطاحت بحكم الرئيس نيقولاي تشاوشيسكو عام 1989، نقلتها المحطات الإعلامية  واعتبرتها ثورة شعبية ضد الديكتاتورية، رفضت الرحيل بعد سقوط الأنظمة الشيوعية. ومع سقوط هذه الأنظمة، تبيّن أن الثورة هي انقلاب عسكري وليست بانتفاضة شعبية كما نقلتها وسائل الإعلام،  بل وقائع مزيّفة لا صحّة لها  نفّذتها المخابرات العسكرية التي سيطرت على الإعلام  الرسمي. وفي حرب العراق الأولى عام 1991 والثانية عام 2003، شاهد الرأي العام العالمي الحرب عبر التلفزيونات العالمية خاصةً  CNN بشكلٍ مباشر، من مَشاهد قصفٍ وقتال إلى تحرّك الجيوش. فاعتبر المُشاهد نفسه يعيش الحرب بكلّ تفاصيلها. بعدها تبيّن أنّ المُشرف العسكري هو من يحدّد أماكن توجّه المصوّرين وماذا يصوّرون. ومعظم الصّور التقطت من قبل عسكريّين صوّروا ما اعتبرونه مناسباً لهم، ووزّعوا اللّقطات على التلفزيونات العالمية.

١٨٨١. نزع الصلبان من المدارس العمومية في باريس. 

     

الإعلام يتحوّل إلى ترويجي غير هادف إلى المصلحة العامة عندما يبغي الربح ويسعى إلى احتكار الحقيقة وإلى الـ Propaganda أو الدعاية السياسية، إضافة إلى الإعلام الذي يهدف إلى بثّ الخبر بطريقة مؤاتية لفكر أو سياسة الوسيلة الإعلامية، والإعلام الذي يسوّق ويعمل لمصلحة فرد أو جماعة،  والذي يخلط بين مهنة الصحافة والإعلانات، وأخيراً الإعلام الذي يتعدّى على الحرمات الخاصة. لذا يجب أن يتمتّع الصحافي باستقلالية تامة في علاقته مع السلطات الثلاث وعدم بث صور تعزز العنف والتعرض للحياة الخاصة . كذلك يجب على الصحافي الإلتزام بالحقيقة والدقة والنزاهة وعدم قبول الرشاوى والإغراءات المادية، والتأكد من صحة الخبر ومن مصدره وعدم نشر الأخبار التي يحصل الإعلامي من وراء تبيانها على مردود شخصي له بحسب أهميتها، إضافة الى الإبتعاد عن إجتزاء المقابلات وعن الترجمات غير الدقيقة وعن بث خاطئ للحوادث دون ذكر التسلسل الداخلي.

    ومن أجل تعزيز الأخلاق الإعلامية، يجب تدريب الصحافيين وتأهيلهم والعمل على إشراكهم في وضع مواثيق شرف وتدريس الإعلاميين وطلاب الصحافة الأخلاق الإعلامية، إضافة إلى وعي أهل الصحافة ورؤساء التحرير لتجنب الأخطاء. فعلى المجتمع المدني مراقبة برامج التلفزيون والإعلانات المعروضة على المحطات الإعلامية، ومشاركة الأكاديميين في النقد والتقييم، والدور المهم جداً للمراصد الإعلامية في مراقبة الحوادث ونقدها.

       يساهم الإعلام في تطوّر البشرية والحياة الإجتماعية. من هنا ضرورة أن نكون أحراراً في تفكيرنا وفي التعبير عن آرائنا وألا تقيّدنا قيودٌ. لذا علينا أن نتمتع بحرية التعبير ملتزمين بأخلاق مهنة الصحافة ورسالتها. من هنا يتوجّب على الإعلام نقل الحوادث بموضوعية والآراء الخيّرة إلى الغير، ولا يجب عليه نقل الأحقاد وتعزيز الفتن ، فتسقط عندها مبررات وجوده.

     إذا أراد الإعلام تكريس الخير والوفاق والسلام في المجتمع بنقل الصورة كما هي، يكون لائقاً بمستوى الإنسان وهدّاماً للبشرية إذا أُريدَ منه الشر. وما بينهما حوادث تاريخية تكوّنت مع تكوين البشرية، فالتاريخ سيحكم على مصداقية ونزاهة السلطة الرابعة في تكوين رأي عام سليم يميّز بين الخطأ والصواب . فلنجعل حكم التاريخ شريفاً.

  1. أنطون الخوري حرب، الرأي العام ووسائل الاعلام ، جامعة الحكمة ، 2009-2010 .
  2. جورج صدقة، الأخلاق الاعلامية بين المبادئ والواقع، مهارات، بيروت 2009 .
  3. Medias, societe et guerre, ED.Ucip Liban, Antelias,2001
  4. Bill Moyers,Media and Democracy,The Nation,1/12/2003                                                               

 

christelleachkar89@hotmail.com

بيروت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
Share.
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x