لطالما شَكَّلَ اي تفاوض بين لبنان واسرائيل معضلة لبنانية-عربية، ومحطةً استخدمتها دول عربية، واقليمية عبر زعزعة استقرار لبنان، من اجل تمرير رسائل الى اسرائيل، أو غير مباشرة الى الراعي الاميركي للإسرائيلي.
اليوم، ومع تولي الرئيس الاميركي دونالد ترامب الملف اللبناني بالمباشر، ثارت حفيظة العديد من العرب والايرانيين، وبدأ توافدُ المبعوثين والموفدين الى لبنان، كل يبحث عن زاوية يدخل من خلالها الى الملف اللبناني تقويضا لمسار التفاوض ولحسابات لا تتصل بالمصلحة اللبنانية بشيء.
وإذا صحت الاشاعات عن أن زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط ذهب الى دمشق في زيارة مفاجئة، لاعادة ترتيب العلاقة بين الثنائي الشيعي والقيادة السورية الجديدة، فإن هذا ينذر بمحاولات بدأت تتظهر لعرقلة المفاوضات من جهة، والإبقاء على لبنان ساحة لتبادل الرسائل الاقليمية من جهة ثانية، وكل ذلك لاعتبارات لا تمت الى المصلحة اللبنانية بصلة.
الموفد السعودي زار لبنان، وطلب من المسؤولين توحيد النظرة الى الملف التفاوضي! بمعنى آخر، طلب من الرئيسين جوزف عون ونواف سلام الوقوف على “خاطر” الرئيس نيبه بري في أي شأن يتصل بالمفاوضات!.
هذا الموقف السعودي يعيد الى أذهان اللبنانيين مواقف مشابهة، فَرمَلت اي تفاوض لبناني اسرائيلي، منذ ايام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، حيث كان لبنان ورقةً بيده، انتهت الى توقيع “اتفاق القاهرة” المشؤوم برعايته ايضا، مع كل ما جره ذلك الاتفاق على لبنان من ويلات لم تنته الى اليوم.
بعد عبد الناصر، جاء الرئيس المصري انور السادات، الذي كان شجاعا بما يكفي لإنجاز سلام مع اسرائيل، استطاع من خلاله استعادة الاراضي المصرية المحتلة بعد فشل محاولات استردادها بالقوة. ولكن خطوة لسادات هذه دفع لبنان ثمنها إشعالا للجبهات الداخلية للتعمية والتغطية على ما اعتبره العرب خيانة السادات. فسقط اللبنانيون بالعشرات على جبهات التقاتل الداخلي، التي شارك في تسعيرها مقتلوا منظمة التحرير الفلسطينية والجيش السوري والميليشيات اللبنانية على اختلافها.
بعد تولي سوريا زمام الملف اللبناني كانت وطأة الهيمنة السورية أغلظَ من تلك المصرية والفلسطينية، بحيث كانت الخارجية اللبنانية مقيدة بالكامل، وكذلك رئاسة الجمهورية. فكان يُمنَع على الرئيس اللبناني مخاطبة العالم إلا عبر بوابة “قصر المهاجرين” في دمشق، وكذلك وزارة الخارجية. وخير دليل منعُ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية من حضور قمة بيروت عام 2002، أو القاء كلمة فلسطين في القمة، حتى عبر الاقمار الصناعية.
بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان انتقلت الوصاية الى ايران عبر حزب الله واصبحت الخارجية اللبنانية رهينة مواقف ايران وما سمي “محور الممانعة”، وما قام به وزير الخارجية جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عام 2016، حين طالب بعودة سوريا الى الجامعة العربية ورفض تصنيف المجتمعين حزب الله بمنظمة ارهابية .
الحرب الاخيرة من “اسناد غزة” الى “إسناد طهران والثأر للخامنئي”، أفسحت في المجال للسلطة اللبنانية بالتفلت من الوصاية الايرانية، خصوصا بعد ان تدخل الرئيس الاميركي مباشرة في الملف اللبناني.
من جديد ارتفعت الاصوات الايرانية مباشرةً، او عبر وكيلها اللبناني حزب الله، رافضة اي شكل من اشكال التفاوض المباشر مع اسرائيل. وعلى العكس، ارفق موقف الرفض هذا بطلب ربط الملف اللبناني بمفاوضات باكستان، بين الاميركيين والايرانيين، وبمعنى أخر، تسليم لبنان ورقة للايرانيين ليفاوضوا عنه ونيابة عن الدولة.
وإذا كان الموقف الايراني مفهوماً من وجهة نظر ايرانية، نظرا لحجم الاستثمار الايراني في الساحة اللبنانية منذ العام 1982، وبعد خسارة سوريا، حيث تتمسك ايران بالملف اللبناني عنوةً عن اللبنانيين وارادتهم السيادية في الامساك بزمام امورهم لمرة واحدة، ولكن ما هو غير المفهوم، الموقف السعودي ومنطلقاته؟
في مراجعة لمواقف المملكة السياسية من لبنان، لا يمكننا سوى التوقف عند محطات رئيسية بدأت مع “اتفاق الطائف”، الذي تم توقيعه برعاية سعودية خالصة، وتم تشكيل لجنة ثلاثية كانت السعودية احد ابرز اركانها بالاضافة الى المغرب والجزائر، ولكن هذه اللجنة لم تقم بأي دور فاعل لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وغابت عن الساحة اللبنانية منذ العام 1990 وحتى العام 2005، مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فقد وافقت المملكة على تلزيم دمشق تطبيق الطائف وفق مصلحتها، فكانت بنود الاتفاق تصاغ وفق ما يرتأيه غازي كنعان او حافظ الاسد.
العودة السعودية الى لبنان كانت مع وزير الخارجية الراحل الامير سعود الفيصل، وهي عودة انتجت تفعيل حركة 14 آذار، إلا أنها لم تدم طويلا حيث ساهمت المملكة عام 2009، بإقناع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بزيارة دمشق، بعد ان تمنت عليه نشر مقال في صحيفة الشرق الاوسط السعودية، يعلن فيه عن ان قوى 14 آذار تسرعت في الاتهام السياسي لسوريا بالتورط في اغتيال والده! وعلى وقع الزيارة اتفقت المملكة مع دمشق على وقف تمويل حركة 14 آذار مقابل وعد سوري بوقف الاغتيالات التي كانت تطال قادتها، فتوقف التمويل ولم تتوقف الاغتيالات! ونأت المملكة بنفسها عن الملف اللبناني بعد أن أمنّت جانبها من شر نظام الاسد الابن، الذي كان يهددها بارسال مئات عناصر تنظيم “القاعدة” من الجنسية السعودية كان نظام الاسد اعتقلهم اثناء توجههم الى العراق لمقاتلة الجيش الاميركي، وابقاهم في السجون السورية ليبتز بهم المملكة السعودية.
بعد تطبيع لبنان وقوى 14 آذار، غابت المملكة عن لبنان، وابقت على رئيس الحكومة سعد الحريري في رحابها لاكثر من خمس سنوات بحجة عدم تعريضه للاغتيال، فانفرط عقد قوى 14 آذار بتغييب احد ابرز اركانها.
اليوم تعود المملكة الى الساحة السياسية اللبنانية من خلال بث الروح في “محور الممانعة”، عبر الايعاز لمن يسمعون “كلمتها” في لبنان للتشويش على المفاوضات المرتقبة مع اسرائيل لحسابات سعودية ربما فحواها أنها تُعيب على لبنان السير في التفاوض قبلها أو الوصول الى تفاهمات مع الاسرائيليين قبل المملكة!
الدستور اللبناني واضح، فحسب المادة 52 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية الصلاحية الأساسية في قيادة المفاوضات الدولية.
