سيلاحظ القارئ أن مقال “إيزابيل لاسير”، نُشِر (في “الفيغارو”) عشية لقاء ماكرون ـ سلام، وسيلاحظ أيضاً جِدّة معلوماته ودِقّتها. كذلك نقداً غير مألوف لسياسات ماكرون في لبنان من صحفية مقرّبة من وزارتي الدفاع والخارجية! ـ “الشفاف”.
خاص بـ”الشفاف”
السباحة عكس التيار، في مواجهة العاصفة حين تشتد. هذا هو التحدي الذي يواجهه إيمانويل ماكرون عندما يلتقي في باريس برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، في بداية وقف إطلاق نار هش مع إسرائيل، وفي أعقاب مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام في هجوم نفذه حزب الله. أمام رئيس حكومة بلد يسعى إلى استعادة زمام أموره والتخلص من القبضة المُعطِّلة والسامة لحزب الله، في وقت لم يختفِ فيه صدى الحرب، يعتزم الرئيس الفرنسي التذكير «بتمسكه بوقف إطلاق النار». كما يريد تقديم دعم مرحّب به «للوحدة الترابية» للبنان. إذ لم تتخلَّ إسرائيل عن «منطقتها العازلة» في جنوب البلاد. لكنه يأمل خصوصًا في استعادة المبادرة بعدما أُقصيت فرنسا من أول حوار مباشر بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1993، والذي عُقد قبل أسبوع في واشنطن، ومن المقرر عقد جولة جديدة منه يوم الخميس في العاصمة الأميركية.
منذ الانتداب الفرنسي عام 1920، حافظت فرنسا دائمًا على علاقات خاصة ومميّزة مع لبنان، وهو ما يشكّل أحد مؤشرات نفوذها في المشرق وسياساتها الخارجية في الشرق الأوسط. وقد كانت ولا تزال أحد أركان قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وفي عام 2024 أيضًا، نجحت في تسهيل المفاوضات، في رعاية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، فارضة لنفسها مكانًا إلى جانب الولايات المتحدة. لكن منذ ذلك الحين، يتم إبعادها من قبل أطراف المنطقة.
إسرائيل أولًا، التي حرصت على استبعاد فرنسا من المناقشات مع لبنان. وقد ساهمت الأزمة الدبلوماسية الحادة بين باريس وتل أبيب في تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة منذ تصاعد التوترات. ففي إسرائيل، تُعتبر مواقف الدبلوماسية الفرنسية «عدائية». ويُؤخذ عليها استبعاد الشركات الإسرائيلية من معرض «يوروساتوري» عام 2024، وكذلك دعوات إيمانويل ماكرون لضبط النفس من جانب الجيش الإسرائيلي منذ الرد العسكري على هجوم 7 أكتوبر 2023 والمجازر التي ارتكبها حماس. لكن بشكل خاص، الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية في سبتمبر 2025، في وقت كان الإسرائيليون يمارسون فيه ضغطًا على حماس للإفراج عن الرهائن. ومؤخرًا، اعتُبر حظر التحليق فوق الأراضي الفرنسية لطائرات أميركية تحمل معدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل «خيانة» في تل أبيب. ويعلّق مصدر دبلوماسي قريب من الملف: «منذ بداية الحرب في إيران، كانت مواقف ماكرون ونتنياهو مختلفة. لكن مع هذا الحظر، شهدت العلاقة تدهورًا جديدًا. ومن غير المرجح أن يتم إصلاحها طالما أن الرجلين في السلطة».
فيما يتعلق بالملف اللبناني، تنتقد إسرائيل فرنسا بسبب قلة النتائج. ويضيف المصدر الدبلوماسي: «كان بإمكان باريس أن تلعب دورًا مهمًا جدًا. لكن هذا الدور لا يمكن أن يقتصر على إطلاق تصريحات كبيرة وتنظيم مؤتمرات. في نهاية المطاف، إما أن نساعد القوات اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، أو لا نفعل ذلك». ويضيف: «عندما كان الحكومة اللبنانية تدّعي أن حزب الله قد نُزع سلاحه جنوب نهر الليطاني، كان ذلك مجرد خدعة. وكانت فرنسا تعلم ذلك». لا سيما وأنها ترى أن قوات اليونيفيل لم يكن بإمكانها عدم ملاحظة، تحت أقدامها، إعادة تسليح حزب الله بشكل مكثف، وبناء أنفاق لإخفاء الصواريخ والقذائف.
لقد كان الحوار مع حزب الله، الذي يُعد «وكيلًا» رئيسيًا للنظام الإيراني، وحركة تُصنَّف إرهابية وتزعزع استقرار المنطقة منذ سنوات، محل انتقاد طويل من جانب إسرائيل. لكن قرار فرنسا الاستمرار في هذا الحوار لفترة طويلة، بحجة التمييز — وهو تمييز في الواقع وهمي — بين جناحه السياسي والعسكري، أصبح هذا الغموض الفرنسي اليوم يحرج حتى القادة السياسيين اللبنانيين، الذين يعيشون لحظة حاسمة للبلاد ولم يعترضوا على استبعاد فرنسا من المفاوضات التي تشرف عليها الولايات المتحدة. بالنسبة لفرنسا، كان حزب الله قنبلة دبلوماسية موقوتة…
يواجه لبنان اليوم تحديًا هائلًا. يتمثل في أن تستعيد الحكومة السلطة في مواجهة ميليشيا، هي حزب الله، التي استنزفت البلاد وتخضع لأجندة خارجية، هي أجندة إيران. وأن تفعل ذلك رغم تهديدات الهجمات التي تطلقها الميليشيا، ورغم ضعف القوات المسلحة اللبنانية التي تقل قوة بكثير عنها. ويعلّق مصدر إسرائيلي: «إن المفاوضات المباشرة بين اللبنانيين والإسرائيليين هي زلزال. زلزال إيجابي لبيروت وتل أبيب، لكنه سلبي لحزب الله». حتى وإن أكد إيمانويل ماكرون أن فرنسا لم تُستهدف بشكل مباشر عندما قُتل جنديها من قوات حفظ السلام، فإن حزب الله، باستهدافه للعلم الفرنسي، يذكّر بأنه لا يزال يحتفظ بقدرته على الإضرار، وأنه قادر على إفشال المفاوضات.
لكن إذا كانت فرنسا خارج اللعبة في التبادلات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، فذلك أيضًا لأن اللحظة لا تزال لحظة حرب وقوة. ولأن دونالد ترامب، الذي لا يحب التعددية ولا القيود التي تفرضها الاجتماعات متعددة الأطراف، لا يترك لها مجالًا كبيرًا. ومع ذلك، لا تزال تمتلك أدوات نفوذ في هذه المنطقة التي تعرفها جيدًا. ويرى دبلوماسي فرنسي: «لو أنها ربطت المساعدات المقدمة للجيش والحكومة اللبنانيين بإجراءات حقيقية لنزع السلاح وإصلاحات فعلية، لكان الحكم أكثر صلابة وكان حزب الله أضعف».
كما تمتلك فرنسا نقاط ارتكاز في المنطقة، لا سيما في الإمارات العربية المتحدة وقطر، ما يسمح لها بمساعدة حلفائها عندما يتعرضون لهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية. وهي تمتلك في الوقت نفسه القوة العسكرية والدبلوماسية لتقديم دعم كبير للقوات المسلحة اللبنانية، التي يجب إصلاحها ومساندتها إذا أرادت يومًا أن تكون قادرة على نزع سلاح حزب الله.
لكن هل سيكون بإمكان فرنسا العودة إلى الساحة الإقليمية طالما لم يتم احتواء الأزمة مع إسرائيل؟
