في الثامن عشر من يناير 2026، لم يكن قرار مصرف ليبيا المركزي بخفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% مجردَ إجراءٍ اقتصادي؛ بل كان بياناً صريحاً بتدشين مرحلة جديدة من إنتاج الفقر، وبمثابة إعلان رسمي عن تحول الدولة الليبية إلى ساحة مفتوحة لتغوُّل الكلبتوقراطية والمافيات التي باتت الراعي الرسمي لانهيار النسيج الاجتماعي. هذا القرار، الذي تزامن مع تصنيف ليبيا في ذيل تقرير الشفافية الدولية لعام 2025 (المرتبة 177 عالمياً)، يرفع الستار عن حقيقة مؤلمة: نحن أمام نظام مالي يعمل على إعادة توزيع الثروة من جيوب المواطنين إلىخزائن الفاسدين.
● شرعنة النهب.. كيف تعمل “الكلبتوقراطية“؟
إن القرار النقدي الأخير ليس إلا أداة ضمن ترسانة “الكلبتوقراطية” – حكم اللصوص – لشرعنة نهب المليارات التي لم تعد تُسرق من الظل، بل تُختلس عبر آليات مؤسسية:
عقيدة “تسييل الاحتياطيات“: لسنوات، استُخدمت منظومة الاعتمادات المستندية كأكبر غطاء لتهريب العملة الصعبة عبر صفقات وهمية وعقود تضخيمية. خفض قيمة الدينار اليوم هو محاولة لتعويض هذه المليارات المنهوبة عن طريق مصادرة 15% من القوة الشرائية لكل مواطن، محولاً المصرف المركزي من حامٍ للاستقرار المالي إلى“جابي” لتعويض خسائر الفساد.
الفساد المنظم كنموذج عمل: إن تكرار هذه الإجراءات المالية يثبت أن الفساد ليس ظاهرة عارضة، بل هو“نموذج عمل” اقتصادي وسياسي تتبناه وتستفيد منه شبكات المصالح المتشابكة، حيث يُعاد إنتاج العجز لتبريرالمزيد من إجراءات الإفقار.
● السطو على الأجور.. ركيزة “المافيات الاقتصادية”
تحت مسمى “الاستدامة المالية“، يختبئ سطو ممنهج على رواتب الليبيين، وهو ما يشكل ركيزة أساسية لعمل“المافيات الاقتصادية“:
إن هذا القرار لا يرفع الأسعار فحسب، بل يدفع بالمجتمع نحو الهاوية عبر الفقر الكارثي المتسارع، وتحويل الجوعإلى أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية:
إن توقيت القرار في مطلع 2026، في ظل انقسام سياسي حاد وتصدر ليبيا لقائمة الفساد، يؤكد أن الدولة باتتتابعة لـ “اقتصاد القاع” الذي تتحكم فيه المافيات. فخفض السعر الرسمي لا يطارد السوق الموازية، بل “يشرعن” مكاسبها ويُلحق بها، مما يحول المواطن إلى حلقة ضعيفة في سلسلة الجشع.
● المحاسبة الجنائية هي السبيل الوحيد لإيقاف الانهيار
إن أي حديث عن إصلاح نقدي في ظل تفشي “الكلبتوقراطية” هو محض وهم. قرار خفض الدينار هو عمليةانتحار وطني يُقاد بأدوات نقدية لإنتاج المزيد من الفقر وحماية الفساد.
الخلاص ليس في التكيّف مع هذا الواقع، بل في:
المحاسبة الجنائية الفورية لكافة المتورطين في نهب الاعتمادات والعقود الحكومية. تفكيك شبكات الفساد داخلمؤسسات الدولة السيادية، ووقف تغول الأجهزة الموازية. توفير حزمة حماية اجتماعية طارئة تعوض المواطن عن هذاالسطو على قوته الشرائية، تزامناً مع إصلاحات هيكلية حقيقية.
إن ما يحدث اليوم في ليبيا هو مؤامرة مكتملة الأركان ضد المجتمع. إنها سياسة “إنتاج الفقر” بامتياز، تهدف إلىإخضاع الشعب عبر تدمير قوته الشرائية وكرامته.
التاريخ لن يرحم من شارك في هذا العبث، والمحاسبة هي المطلب الأسمى لإعادة بناء دولة يحكمها القانون لاالكلبتوقراطية والمافيات.

