(الصورة: الخميني يخطب ضد الشاه في”قم”، في 5 يونيو 1963)
من يقرأ التاريخ السياسي الحديث، إلى أي درجة سيشعر بالاحباط حين يستنتج بأن الثورة الاسلامية في إيران، بتبنيها لأيديولوجية دينية توسعية، كانت تمثل انتصارا وحقبة من التنوير في عالم يعجّ بالديكتاتورية وهيمنة حكم الفرد على مصائر الناس، بينما هي لم تكن إلا بديلا أسوأ من الديكتاتورية، حيث استغلت “المقدّس” لتتحكّم في رقاب الناس وفي مقدرات البلد؟!
كم كنا مغفّلين ولم نكن نرى بوضوح أن النظام الإيراني ليس إلا نسخة دينية لأيديولوجيا إشتراكية سبق أن جرّبها العالم من خلال الاتحاد السوفييتي والمعسكر الإشتراكي.
قام النظام الإيراني منذ بداية الثورة على أساس فكرٍ شمولي. احتكر مشاعر الناس وتفكيرهم قبل فرض رؤاه السياسية والاقتصادية. وكم كنا أغبياء حين تفاعلنا مع شعارات الثورة، شعارات الحرية والاستقلال،
في حين كنا ننحدر لندخل في فخ رجل الدين الذي اقتحم السياسة وأراد ان تحكم العمامة الدينيه جل حياتنا بدلا من التاج الملكي.
وبعد تجربة استمرت قرابة نصف قرن، بدأنا نعي كيف مضى اندفاعنا العاطفي وتفكيرنا المرتكز على مستقبل أفضل بفكر ديني يحمله رجل الدين “النزيه”، نحو الدخول في نفق مظلم.
لقد تغيّر فهمنا لدور رجل الدين حين بدأت المقارنة بين النتائج التي تحققت في ظل حكمه، وبين ما يحصل في مجتمعات مجاورة لبلد الثورة. وحين ظهرت النتائج، وإذا بالمقارنة ليست في صالح الثورة، حتى بدأ حراك المشاعر.
كانت الإعتراضات على تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٩، دليل على تزوير وعي الإنسان وتحويله إلى مجرد بوق لشعارات الثورة بما لا يشعر بها، فتغيّر الإعتراض إلى احتجاج على أصل الثورة، ورفع الناس مطالب يدعون فيها إلى استرداد حرياتهم وحقوقهم التي سلبها النظام، وطالبوا بحياة كريمة مثلما تطالب وتعيش شعوب العالم.
المواطن الإيراني أمام هذه المعادلة، مُطالب أن يكون جنديا أعمى يحارب في جبهات خلقها له النظام، مثل المشروع النووي وتدريب جماعات على أيديولوجيا ثورية خارج الحدود والعمالة لشعارات الثورة. منذ البداية، كان تقييم المحتج وتصنيفه أنه متمرد على الثورة “النقية” التي تسعى لتحقيق العداله ومحاربة الظلم الواقع على الشعوب المستضعفة، فكيف يمكن للشاب الإيراني أن يخون مبادئ الثورة الإسلامية النقيه لمجرد أنه لم تعجبه أوضاعه المعيشية أو لم يقبل نتائج الإنتخابات أو يرى التمايز بينه وبين الايراني الملتزم والمندمج بالتشكيلات الثورية من حيث فرص الحياة أو حين يسأل نفسه عمّا جناه من مشاريع متعلقة بالثورة حين تمثلت في استمرار الحرب مع العراق لثمان سنوات فيما لم يسقط صدام ولم ينتصر الإيرانيون، خصوصا بعد تحرير أراضي الإيراني. سقطت شعارات الحرب حتى النصر، أو المدد الغيبي الذي كان يحرس الجنود على الجبهة وخلال الثورة.
إذًا، المشروع الثوري الثاني للنظام الإيراني، أي “التنمية” عن طريق “الطموح” النووي، نجده، بعد 35 عاما ومئات مليارات الدولارات المصروفة، يتحوّل إلى ركام. فالمشروع النووي “السلمي”، تقوم بصناعته مؤسسه عسكرية هي الحرس الثوري، والمفارقة العجيبة في ذلك أن النظام الإسلامي يريد أن يقنع العالم الحديث بأنه مشروع سلمي، وينطلق في تبريره لذلك من إصدار مرشده فتوى دينية تحرّم صناعة “قنبلة نووية”. هذه المفارقة لايمكن فهمها دوليا، لكن رجل الدين حينما يحكم يريد للعالم أن يقتنع “بالفتوي”.
هكذا يريد رجل الدين أن يعالج التداعيات والمخاوف الدولية لنظامه المتدخّل في أربع عواصم عربية سياسيا وعسكريا. إنه منطق أيديولوجي غير جديد وإنما ذي قالب ديني. فإذا سأل أفراد الشعب ماذا جنينا من وراء هذه المشاريع، وخصوصا التدخّل في العواصم الأربع وتأسيس أحزابٍ وخلايا موالية ذات صفاتٍ سياسية أحيانا وذات مهامٍ عسكرية أحيانا أخرى، وجدوا الإجابة العجيبة التالية: “إن هؤلاء لا يريدون للثورة الإسلامية الإنتشار لنصرة إخواننا المستضعفين في لبنان واليمن وفلسطين والعراق. كم أنتم منافقون لأنكم لاتجدون الخير في الإسلام المحمدي الأصيل النابع من سيرة الائمة الأطهار المنتهين بالمهدي المنتظر والممثّل له حاليا الولي الفقيه”.
إنها سلسلة مقدسة طاهرة وذهبية. كيف لمثلك أن يناقش هذه المسلّمات. كانت التهم الموجهة للمعارضة والمحتجين جاهزة: أيادي إرهابية ومخربون يحركهم الغرب الكافر والصهاينة. ولابد من مصطلحات دينية لإضفاء الشيطنة على من يعارض النظام الذي هو في المحصلة نظام دكتاتوري شمولي، ولكن هذه المره باسم الدين. لذا تجد الشراسة في قمع المظاهرات. من يقمع يقمع أعداء الدين وأعداء النظام الديني الحاكم، ويفاخر بقطع وسائل الإتصال. هي مفارقه لاتخلو من كوميديا سوداء.
