طلب “الشفاف” من الصديق منصور هايل أن يوافينا بوجهة نظر “يمنية” (لأن اليمن ليس “مشاعاً”) لأحداث اليمن الأخيرة، وللصراع الإماراتي ـ السعودية. هنالك، حتماً، وجهات نظر أخرى، قد تكون أقرب إلى “دولة الإمارات”! وصفحات “الشفاف” مفتوحة لها أيضاً.
بيار عقل
*
على غرار قوات الدعم السريع المدعومة اماراتياً في السودان، قامت “دولة الإمارات” بتشكيل وتمويل وتدريب “قوات الدعم الأمني” في جنوب اليمن لتكون رأس حربة الاجتياح العسكري لمحافظة “حضرموت” مطلع ديسمبر الماضي. وأوكلت قيادة تلك القوات لشخص يُكنّى “ابو علي الحضرمي” الذي كان ينتمي لـ”حركة تقرير مصير الجنوب” (“حتم”) التي تبنَّت خيار الكفاح المسلح لتحقيق الإنفصال عن الجمهورية اليمنية واستعادة دولة الجنوب السابقة. وقد تكفّل حزب الله في لبنان، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، بتدريب المذكور وغيره من عناصر النخبة القيادية لهذه الحركة في جنوب لبنان على حرب العصابات والمدن.
تزامن ذلك مع انتقال الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي اليمني، “علي سالم البيض”، من “فيينا” إلى “بيروت” ،ومع بداية بث قناة “عدن لايف” الفضائية لبرامجها من الضاحية البيروتية في عام 2011.
، كغيرها من القنوات الفضائية اليمنية المدعومة إيرانيا، وأبرزها قنوات “المسيرة” الناطقة باسم الحوثيين من “الضاحية” حتى اليوم.
ويتحدث بعض المقربين من “ابو علي الحضرمي” أنه كان يتباهى بخلفيته الاستخباراتية العابرة للقارات،وعمله في بيت ومكتب “البيض”، وتكليفه بمهمة ضابط الإتصال والتنسيق مع حزب الله والحرس الثوري، والإشراف المالي والإداري على “فضائية عدن لايف”.
الحاصل إن حزب الله وخلفَهُ ملالي طهران وجدوا ضالتهم في تلك العناصر التابعة لـ”البيض” الذي انتقل كغيره من أصحاب السوابق اليسارية والقومية من أقصى اليسار الى أحضان الملالي، وانفتحت الشهية الإمبراطورية الإيرانية لابتلاع “عدن” من خلال زرع بؤرة مسلحة في شمالها، هي”جبال الضالع”، على نحو ما فعلت بـ:”صنعاء” تماما حين زرعت بؤرة مسلحة في شمالها، أي”جبال صعدة”، معقل الحوثية.
وكما استغل حزب الله هشاشة الحكومة الشرعية، فقد استغل الحوثي، ثم “الانتقالي الجنوبي”، هشاشةََ الحكومة لبسط نفوذهم على أرجاء واسعة من اليمن.
وعلى نفس الخطى الإيرانية سارت الأمور هنا وهناك، وقد كان احتشاد قوات الانتقالي الذي حظي بتغطية واسعة من قبل ماكنة ابو ظبي السياسية والإعلامية خيرَ شاهدٍ على ذلك.
واعتبارا من اوائل يوليو الماضي، تصاعدت الاحتجاجات على تردي الأحوال المعيشية وتراجع الخدمات وانهيار العملة في حضرموت.
وفي مطلع اغسطس ظهر شخص اسمه “صالح بن الشيخ ابو بكر”، “ابوعلي الحضرمي”، وهو يترأس اجتماعاً لعدد من الشخصيات الاجتماعية في مدينة “المكلا” -عاصمة “حضرموت” ـ مُعَرفا بنفسه بصفته”قائد قوات الدعم الأمني”، كتشكيل عسكري جديد تابع للامارات.
معلوم أن ارتباط “الحضرمي” بقيادات إيرانية وبحزب الله كان سببا في الإعتراض عليه عندما أراد محافظ عدن السابق “عيدروس الزبيدي”-هو نفسه الذي أصبح رئيساً لـ”المجلس الانتقالي” – تعيينه كمستشار له في المحافظة.
لقد اعترضت السعودية على قرار تعيين “الحضرمي” مستشارا لـ”عيدروس” لأنها كانت تملك معلومات مؤكدة بأنه مرتبط بخلايا ايرانية، وانه كان يقف وراء اختطاف القنصل السعودي في عدن عام 2014 وغير ذلك من العمليات.
وبعد الإعتراض عليه وإقالة “عيدروس” من منصبه كمحافظ، ذهب الثاني لتشكيل المجلس الانتقالي بدعم من الامارات في مايو 2016 واختفى “الحضرمي” ولم يدُر بخلد أحد أن دولة الإمارات كانت تتسقط ما يدور وتلتقط كل تلك الأوراق المتساقطة لتستخدمها في الوقت المناسب الذي جاء في الشهور الأخيرة من العام الماضي حيث نشطت التحركات الإماراتية في حضرموت بأكثر من إتجاه ،وتركزت على استقطاب وشراء الولاءات ،وتمويل تحركات واجتماعات وتحشيدات “الحضرمي” جنبا إلى جنب مع الإعداد للعملية العسكرية التي كانت “قوات الدعم الأمني” تشكل المفرزة الأمامية لها.
كانت العناصر التي تدرَّبَت في بيروت بقيادة “الحضرمي” هي التي تدير غرفة تنسيق العمليات في مقر القيادة والسيطرة بـ”مطار الريان” الذي تسيطر عليه القوات الإماراتية ويشرف ضباطها على الضباط اليمنيين الموالين لابو ظبي.
لقد تجلى تأثير الطريقة الإيرانية في تحركات “المجلس الانتقالي” اجتماعيا وسياسيا وعسكريا، وهي نفس الطريقة التي اعتمدها الحوثي عندما اقتحم صنعاء متذرعا باحتجاجات الناس على تردي الأحوال المعيشية، وبورقة مكافحة الإرهاب التي استخدمها المجلس الانتقالي ايضا،عبر ناطقه الرسمي الذي كان مذيعاً بـ”قناة عدن لايف” التي ظلت مدعومة من طهران لسنوات في بيروت.
في صبيحة الثالث من ديسمبر، أفاقت اليمن على واقع جديد في الشرق المستقر لعقود مديدة،وافاقت السعودية على صدمة مدوية و”نكسة كبرى”حسب “الجارديان” البريطانية.
لقد تم الاقتحام العسكري، وسارعت السعودية إلى إرسال الوفود وبذلِ المساعي السياسية والدبلوماسية، وناشدت قوات “الانتقالي” الانسحابَ من “حضرموت” و”المهرة” – 57 بالمائة من مساحة اليمن. ولكن “الانتقالي” وخلفه “ابو ظبي”، لم ينسحب.
فيما كانت المساعي والوساطات متواصلة، كانت المملكة تحشد القوات اليمنية الموالية لها، أي”درع الوطن”، وحذرت “الانتقالي” أنه في حال رفضه الانسحاب سيتعرض لضربات جوية.
لقد أصبحت قوات “الانتقالي”، وبالاحرى أبو ظبي، عبر وكيلها، على الحدود الجنوبية للسعودية (700 كلم) وعلى الحدود العُمانية (350 كلم)، وما كان لهذا الانقلاب العاصف على معالم الجغرافيا والتاريخ والسياسة أن يُحتمَل أو يمرَّ بسلام.
في الساعات الأولى من صباح 30 ديسمبر، نفّذت القوات الجوية السعودية غارةً على ميناء “المُكلا” اليمني بـ”حضرموت” استهدفت أسلحة وعربات قتالية كان يجري تفريغها من سفينتين وصلتا الى”المُكلا” من ميناء “الفُجيرة” الإماراتي. وفي الأثناء، كانت تتدفق القوات اليمنية المدعومة سعودياً ويتساقط عشرات القتلى في صحراء حضرموت. واستعادت السعودية السيطرة على منطقة نفوذها الاستراتيجية الحساسة وعمقها الأمني.
وعلى الرغم من انها أعلنت أن العملية العسكرية ستكون محدودة إلا أنها لم تتوقف إلا بعد السيطرة على “عدن” وإخراج المجلس الانتقالي من المشهد.
قبل بدء العملية، كانت الحكومة اليمنية الشرعية طالبت “الإمارات” بسحب قواتها من اليمن، واعلنت إلغاءَ كافة الاتفاقيات والمعاهدات معها. وبعد ذلك، تبيّن أن انسحاب “الامارات” لم يكن مجرد انسحابٍ ميداني محدود بل مثّلَ خسارة فادحة ومتراكمة لنفوذٍ وأوراق ضغط عملت على بنائها منذ أكثر من عشر سنوات.
أن ما خسرته “ابو ظبي” يتجاوز الجغرافيا اليمنية ليطال طموحَها في المحيط الهندي وشبكةَ نفوذ إقليمية صُممت بعناية خلال أكثر من عقد، ولم يكن اليمن الا منصة متقدمة لإدارة نفوذ بحري وأمني وليس مجرد ساحة حرب فقط.
لقد كانت الإمارات تتحكم بسلسلة الجزر ومنها ارخبيل “سُقطرى”، الذي تزيد مساحته عن مساحة دولة البحرين خمس مرات، وكافة الموانئ اليمنية الجنوبية. وكانت تحكم سيطرتها الاقتصادية على كل تلك الموانئ ،وتُحكم سيطرة حصرية على “سقطرى” والرحلات السياحية التي تصل إلى الجزيرة عبر ابوظبي فقط.
ليس ثمة نهاية لسجل الخسارات الإماراتية ،ولا تلوح نهاية لمتوالية خسارات اليمن التي مازالت تعبث بها اصابع الجيران وايران.


