(الصورة: الانقلاب اليوناني عام 1974 أطاح بأول رئيس لقبرص، المطران مكاريوس الثالث)
*
ترجمة الدكتور فضيل حمّود
إن التعليقات الحديثة التي تُكتَب لدعم وجهات النظر القبرصية اليونانية حول قضية قبرص تستحق وقفةً متأنية. فكثير من هذه النصوص يكتبها دبلوماسيون مخضرمون، وأكاديميون، ومسؤولون سابقون، لطالما أسهموا في صياغة السردية القبرصية اليونانية في المحافل الدولية. وبعض هذه الأصوات مألوف من خلال سنوات طويلة من التفاعل المهني. غير أن الاحترام الشخصي لا يفرض بالضرورة توافقًا فكريًا. ففي القضايا التي تمس جوهر الوجود، والأمن، والمساواة السياسية للشعب القبرصي التركي، لا يكون الخلاف مشروعًا فحسب، بل يصبح ضرورة.
ما يلي ليس ردًا تحكمه الشعارات أو ردود الفعل القومية، بل مقاربة تستند إلى التاريخ، والواقع الدستوري، وتجربة معاشة لمجتمعٍ كثيرًا ما تتم معاملته كحاشية هامشية بدل أن يُعترف به كفاعل سياسي كامل.
الخطيئة الأصلية: محو دولة الشراكة لعام 1960
ترتكز معظم الكتابات الداعمة للمواقف القبرصية اليونانية على فرضية تأسيسية يجب الطعن فيها منذ البداية، وهي افتراض أن «جمهورية قبرص» التي تديرها اليوم القيادة القبرصية اليونانية يمكن التعامل معها باعتبارها الامتداد الشرعي والمتواصل لجمهورية قبرص التي تأسست عام 1960. ومن منظور قبرصي تركي، فإن هذا الافتراض لا يصمد قانونيًا ولا تاريخيًا.
فجمهورية قبرص عام 1960 لم تكن دولة قومية موحّدة، بل كانت في جوهرها دولة شراكة ثنائية الطائفة، ذات خصائص فدرالية مضمَّنة، تقوم على المساواة السياسية بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك. ولم تكن السيادة ملكًا لأغلبية تُعرَّف على أساس عرقي، بل سيادة مشتركة بين جماعتين مكوّنتين للدولة. ولم يكن هذا الترتيب تنازلًا انتُزع بالقوة، بل كان شرط الاستقلال ذاته.
لقد انهار ذلك النظام الدستوري لا في عام 1974، بل في عام 1963، عندما قامت القيادة القبرصية اليونانية بتفكيك نظام تقاسم السلطة من جانب واحد، وعدّلت الدستور دون موافقة القبارصة الأتراك، وأخرجتهم فعليًا من مؤسسات الدولة. ولأكثر من عقد قبل عام 1974، عاش القبارصة الأتراك في جيوب معزولة، تحت الحصار، ومحرومين من المشاركة في الحكم، ومن الضمانات التي وُجدت دولة الشراكة أساسًا لتوفيرها.
وأي تحليل جدي يبدأ تاريخه في عام 1974 ويتجاهل الفترة الممتدة بين 1963 و1974 يظل ناقصًا. والأسوأ من ذلك أنه يعيد إنتاج سردية يظهر فيها القبارصة الأتراك وكأنهم مجرد امتداد لإرادة أنقرة، لا كجماعةٍ واجهت تهديدًا وجوديًا حقيقيًا.

الشرعية والقانون الدولي: قراءة انتقائية
غالبًا ما يستدعي الكتّاب الداعمون للموقف القبرصي اليوناني مفاهيم القانون الدولي، والسيادة، وعضوية الاتحاد الأوروبي، لكنهم يتجاوزون تناقضًا جوهريًا: فمجرد الاعتراف الدولي بالإدارة القبرصية اليونانية لا يمنحها تلقائيًا شرعية حصرية على كيانٍ صُمم دستوريًا ليكون مشتركًا.
ومن وجهة نظر القبارصة الأتراك، فإن «جمهورية قبرص» التي تُدار من طرف واحد ليست «دولة غير قادرة مؤقتًا على بسط سلطتها في الشمال»، بل هي دولة استولى عليها أحد الشريكين وتعمل في خرقٍ للاتفاق الدستوري الأصلي. ولهذا السبب تحديدًا، رفض القبارصة الأتراك محاولات «إعادة دمجهم» كأقلية في دولة قبرصية يونانية قائمة بالفعل. وهذا ليس رفضًا للتعايش، بل رفضٌ للخضوع.
وعندما تُصوّر هذه التعليقات موقف تركيا على أنه سعيٌ إلى «السيادة المشتركة على كامل الجزيرة»، فإنها تغفل حقيقة أبسط وأكثر إزعاجًا: القبارصة الأتراك يطالبون بالمشاركة الفعلية والمساواة السياسية، لا كمنّة، بل كحق كانوا يتمتعون به ثم جُرّدوا منه.

إساءة استخدام اللغة: «مستوطنون»، «ولايات تابعة»، وتشبيهات تاريخية
اللغة المستخدمة كثيرًا في دعم المواقف القبرصية اليونانية تستحق المراجعة. فمصطلحات مثل «ولايات تابعة»، أو التشبيهات بـ«المجال الحيوي»، أو الإشارات الواسعة إلى «الهندسة الديموغرافية»، قد تكون مؤثرة عاطفيًا، لكنها تحجب أكثر مما تكشف.
فقضية التحركات السكانية بعد عام 1974 معقدة ومحل نزاع، ولا يمكن اختزالها في شعارات من دون الاعتراف بوقائع موازية: تهجير جماعي من الجانبين، وخسائر في الممتلكات من الجانبين، وفشل عقود من المفاوضات في التوصل إلى آليات شاملة للتعويض أو إعادة الملكية تكون مقبولة لدى المجتمعين.
ولا يقل إشكاليةً تصوير القبارصة الأتراك كمتلقين سلبيين لاستراتيجيات أنقرة؛ فهذا التصوير ينكر عليهم فاعليتهم السياسية، وتعددهم الداخلي، ودعمهم المتكرر لمساعي التسوية التي قادتها الأمم المتحدة، بما في ذلك خطة عنان التي أيّدها القبارصة الأتراك ورفضها القبارصة اليونانيون بأغلبية ساحقة عام 2004.
وإذا كان هناك ثابت تاريخي واحد تقلّل الكتابات الداعمة للموقف القبرصي اليوناني من شأنه، فهو التالي: كلما قال القبارصة الأتراك «نعم» لتسوية، قال القبارصة اليونانيون «لا» من دون أن يدفعوا ثمنًا سياسيًا.
دولتان، فدرالية، كونفدرالية: تكتيك أم صدمة؟
يرى كثيرون ممن يدافعون عن الرؤية القبرصية اليونانية أن طرح «حل الدولتين» ليس سوى مناورة تكتيكية من أنقرة، تهدف إما إلى دفع المفاوضات نحو كونفدرالية، أو إلى تكريس الوضع القائم. وربما يفسر هذا التفكير الاستراتيجي التركي، لكنه لا يفسر لماذا بات خطاب الدولتين يجد صدىً متزايدًا بين القبارصة الأتراك أنفسهم.
بالنسبة لكثير من القبارصة الأتراك، فإن الابتعاد عن الفدرالية ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل نتاج تجربة: تجربة مفاوضات طويلة وُعدت فيها المساواة السياسية نظريًا، ثم جرى تفريغها عمليًا؛ حيث اعتُبرت الرئاسة الدورية، والمشاركة الفعالة، وضمانات الأمن أوراقَ تفاوض، لا مبادئ تأسيسية.
وعندما يُقال للقبارصة الأتراك إن جمهورية قبرص «تمثل الجزيرة بأكملها وجميع القبارصة»، فإنهم يتذكرون أن هذه الدولة نفسها أقصتهم يومًا إقصاءً كاملًا. والثقة، حين تُكسر، لا تُستعاد بالتصريحات وحدها.
الأمن ليس هوسًا حين يكون التاريخ مُعاشًا
غالبًا ما تفسر التعليقات المتماهية مع الموقف القبرصي اليوناني الهواجس الأمنية التركية من خلال عدسة الجغرافيا السياسية الإقليمية، وعقائد «الوطن الأزرق»، والطموحات العثمانية الجديدة. أما القبارصة الأتراك فينظرون إلى الأمن من زاوية مختلفة: الذاكرة.
فالأمن بالنسبة لهم ليس مفهومًا مجردًا، بل هو مشكَّل بتجربة فعلية من الهشاشة، وبغياب حماية دولية موثوقة بين عامي 1963 و1974، وبمعرفة أن منظومة الضمانات فشلت مرةً من قبل. ولهذا تُقابل الدعوات إلى إلغاء دور تركيا كضامن، من دون طرح بديل مقنع ومقبول من الطرفين، بشكوك عميقة. فالثقة لا تُشرَّع بالقانون، بل تُبنى بشكل متوازن.
سلام لا يمكنه تجاهل نصف الجزيرة
غالبًا ما تختتم الكتابات الداعمة للمواقف القبرصية اليونانية بدعوات إلى تغليب القانون على القوة، والحقوق على منطق الغلبة، والدبلوماسية على الإملاء. ولا خلاف على هذه المبادئ. لكن الدبلوماسية التي تصغي إلى رواية واحدة فقط ليست دبلوماسية، بل مرافعة.
ولا يمكن بناء تسوية قابلة للحياة في قبرص على افتراض أن شرعية طرف كاملة وشرعية الطرف الآخر مشروطة. ولا يمكن بناؤها عبر التعامل مع القبارصة الأتراك كمجتمعٍ يجب «إعادة دمجه»، بدل الاعتراف به كشريكٍ يجب احترامه. كما لا يمكن أن تنجح إذا صُوّر الأمن كعقبة بدل الاعتراف به شرطًا مسبقًا.
إذا كان لقبرص أن تصبح موحّدة وحرة، فعليها أولًا أن تكون صادقة مع ماضيها، وشاملة في حاضرها، وعادلة في مستقبلها.
إن الصداقة تسمح بالاختلاف. والتاريخ يفرضه.
• يوسف كانلي رئيس تحرير جريدة « حريت » التركية سابقاً، وهو قبرصي الأصل
الأصل بالإنكليزية:
Yusuf Kanli: A necessary conversation: On Cyprus, security, and the missing half of the story
