دخلت الأزمة المالية في لبنان عامها السادس من دون أي حلّ شامل يلوح في الأفق — وهو إطار زمني لا يزال، وفق معايير الحوكمة اللبنانية، يُصنَّف على أنه «قيد النقاش». لا يزال النظام المصرفي مشلولاً فعلياً، وقد تبخّرت ثقة المودعين منذ زمن طويل، فيما يواصل الاقتصاد عمله تحت قيود حادة على السيولة. ومع ذلك، وفي خضم التفكك المؤسسي الذي طبع مرحلة ما بعد 2019، برزت نقطة توافق نادرة: ضرورة تعويض المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار بالكامل.
توافق كلٌّ من الحكومة ومصرف لبنان على هذا المبدأ. أما الخلاف فيتركّز في مكان آخر، وتحديداً في كيفية التعامل مع كبار المودعين، وفي السؤال الأوسع المتعلق بكيفية توزيع الخسائر في نهاية المطاف بين الدولة والقطاع المصرفي والمصرف المركزي. هذه القضايا تبقى شديدة الحساسية سياسياً ومعقدة مالياً، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنع اتخاذ خطوات حيث يوجد توافق قائم بالفعل.
النقاش المرتقب في مجلس النواب حول مشروع «قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع» يوضح جوهر المشكلة. نظرياً، يمكن لهذا التشريع أن يؤمّن إطاراً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتسوية مطالب المودعين. عملياً، تجعل الروزنامة السياسية اللبنانية والظروف الإقليمية تمريره السريع أمراً غير مرجّح. ومع اقتراب الانتخابات النيابية (أيار 2026) وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تبقى فرص التوافق الجدي في المدى القريب محدودة — إلا إذا اكتشفت الطبقة السياسية اللبنانية فجأة فضيلة الكفاءة، وهو تطور قد يفاجئ ليس فقط الأسواق، بل أيضاً معظم المؤرخين.
المصارف الاستثمارية الدولية التقطت هذه الإشارات. فقد أشار تقرير بحثي حديث لغولدمان ساكس إلى أن حلّ تعثّر لبنان في سداد سندات اليوروبوند مرجّح أن يستغرق سنوات، معتبراً أن التأخير لا يعود إلى تعقيدات الإصلاح التقنية بقدر ما يعود إلى استمرار عدم اليقين الجيوسياسي. ويسلّط التقرير الضوء على ضيق هامش الوقت المتاح قبل انتخابات أيار 2026، وعلى الوقت الإضافي الذي قد يُهدر في عملية تشكيل الحكومة التي تليها — وهي عملية تميل تاريخياً إلى أن تجري بوتيرة أقرب إلى ندوة دستورية متمهّلة.
كما حذّر بنك أوف أميركا من أن الانتخابات وعدم الاستقرار الإقليمي قد يؤثران بشكل ملموس على فرص إقرار قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع في البرلمان.
سيقوم النهج البراغماتي على توسيع التعويضات عبر آليات رقمية. إن زيادة حدود الوصول الشهرية من خلال بطاقات الدفع — وربما رفعها إلى 20 ألف دولار كدفعة واحدة — من شأنه أن يُبقي السيولة متداولة داخل الاقتصاد النظامي، ويقلّل الاعتماد على النقد الورقي، ويحدّ من تسرّب الدولارات إلى قنوات غير مشروعة أو غير منتجة. كما سيساعد ذلك على منع النقد من مواصلة قدرته اللافتة على الاختفاء في قطاعات تُثير معايير المحاسبة فيها قدراً من القلق.
إن الدفعة المسبقة لمرة واحدة بقيمة 20 ألف دولار لكل مودِع مؤهّل يمكن أن توفّر إغاثة فورية، على أن تبقى «قابلة للحسم» من التسويات النهائية عندما يُقرّ في نهاية المطاف قانون أشمل لإعادة الهيكلة. ومن شأن هذا الإجراء أن يغطي جزءاً كبيراً من الحسابات التي تقل عن 100 ألف دولار، وأن يشكّل خطوة انتقالية واقعية في ظل غياب حسم تشريعي.
لا يحلّ أيّ من ذلك الأسئلة الأصعب المرتبطة بالودائع الكبيرة، أو بإعادة هيكلة الدين السيادي، أو بالتوزيع النهائي للخسائر. لكن أزمة لبنان أظهرت مراراً كلفة السماح للكمال بأن يعيق الممكن — ولا سيما عندما يكون «الكمال» مؤجلاً دائماً إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، أو التي تليها، أو ربما إلى الدورة الجيوسياسية التالية.
لدى المصرف المركزي اليوم فرصة للتحرّك بحسم حيث يوجد بالفعل قدر من التوافق. إن تنفيذ زيادة التعويضات لصغار المودعين سيشكّل إجراءً ملموساً لبناء الثقة — وربما الخطوة الأكثر إلحاحاً المتاحة لإعادة ضخّ السيولة في نظام ما زال مختنقاً بفعل التأجيل. سواء اختار المصرف المركزي رفع السحوبات الشهرية إلى 2000 دولار أو اعتماد دفعة مسبقة لمرة واحدة بقيمة 20 ألف دولار، فإن كلا الخيارين يستحقان دراسة جدية. فكلاهما يمثّل خطوة عملية نحو استعادة السيولة في نظام يعاني الاختناق منذ سنوات، ويمنح المودعين متنفساً حقيقياً في انتظار حلول تشريعية أشمل ما زالت عالقة.
لا يستطيع لبنان تحمّل كلفة انتظار معجزة شاملة قبل اتخاذ خطوات جزئية لكنها ذات معنى. فالمعجزات قد تكون مألوفة ثقافياً، لكنها — من الناحية الاقتصادية — أساس غير موثوق للتخطيط.
