مازيار بهاري (صحفي إيراني، عمل سابقا في مجلة “نيوزويك” الأمريكية)
(ترجمة “شفاف”)
نفى محمد باقر قالیباف بشدة وجود أي محادثات بين إيران والولايات المتحدة. لكن قد يكون قالیباف ببساطة غير صادق. فرئيس البرلمان الإيراني الحالي كان على الدوام شخصية متقلّبة أشبه بالحرباء داخل النظام. وعلى مرّ السنوات، اتهمته جهات مختلفة بالفساد، والمحسوبية، والعنف، والانتهازية. ومعظم هذه الاتهامات صحيحة. ومع ذلك، فقد حافظ أيضًا على علاقات وثيقة مع آية الله علي خامنئي، الذي ائتمنه على مهام حساسة متعددة.
في يونيو/حزيران 2025، أفاد موقع “إيران واير” بأن مستشاري قالیباف كانوا يروّجون له في عواصم مختلفة بوصفه الخيار الوحيد القابل للاستمرار في مرحلة ما بعد خامنئي. واستند هذا الادعاء إلى واقع بسيط: فقلما يثق به أي فصيل داخل النظام، ومع ذلك فإن معظم هذه الفصائل تعاونت معه عندما اقتضت مصالحها ذلك. وقد تصب هذه المهارة في مصلحته إذا ثبتت صحة التقارير عن مفاوضات غير معلنة مع الولايات المتحدة.
لقد تمكّن قالیباف من البقاء واحدًا من القلائل من كبار قادة الحرس الثوري الذين حافظوا على علاقات عمل عبر فصائل متنافسة، وغالبًا من خلال تبنّي مواقف متناقضة. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّلت هذه القدرة على التبدّل والتكيّف مهارته السياسية الأبرز. وحتى عندما كان يفتقر إلى ثقة عميقة، ظلّ شخصية نافعة.
تعود أنماط إعادة تشكيل صورته إلى عام 1999، عندما بدأ يقدّم نفسه بوصفه «رضا شاه الإسلامي»، رجل دولة قوي قومي قادر على استعادة النظام ومحاربة الفساد. وفي العام نفسه، كان من بين قادة الحرس الثوري الذين كتبوا إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، معبّرين عن قلقهم من احتجاجات الطلاب التي أُهين خلالها آية الله علي خامنئي. وكتب قالیباف: «لقد أُهين قائدنا في الليلة الماضية. لقد نظر إلينا أبناؤنا وتساءلوا لماذا لم نفعل شيئًا. لماذا لا نملك كرامة؟».
وبحلول عام 2005، أعاد تشكيل نفسه مجددًا، لكن هذه المرة بوصفه حداثيًا. ترشّح للرئاسة مرتديًا سترة رياضية بيضاء ونظارات “راي بان”. واعتمد صورة أكثر أناقة، وتحدّث عن الحريات الاجتماعية للشباب الإيراني. غير أن الناخبين رفضوه واختاروا بدلًا منه المتحمّس الأيديولوجي محمود أحمدي نجاد.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، أصبح قالیباف عمدة طهران، وهو المنصب الذي شغله لمدة اثني عشر عامًا. وقد وسّع هذا الدور نفوذه وشبكة علاقاته. بدأت ولايته بمحاولات واضحة لتجميل المدينة، لكن مع مرور الوقت ارتبط حكمه بالمحسوبية والممارسات المالية غير الشفافة. وبدأ يواجه معارضة من أنصار متشددين داخل النظام، الذين أشاروا إلى حصول مقربين منه على عقود مربحة، وإلى تقارير تفيد بأن جهات مرتبطة بعائلته، بما في ذلك مؤسسة زوجته الخيرية، استفادت من موارد البلدية. كما أتاح له منصب العمدة بناء علاقات مع صناعيين ورجال أعمال فاسدين دعموا لاحقًا حملاته الرئاسية في عامي 2013 و2017.
في تلك الانتخابات الرئاسية، غيّر قالیباف خطابه مرة أخرى، فلم يعد حداثيًا، بل قدّم نفسه بوصفه مخلصًا للمرشد الأعلى ومديرًا كفؤًا. وكان منافسه الرئيسي في كلتا الحملتين هو حسن روحاني الأكثر براغماتية ظاهريًا، والذي دعا إلى تحسين العلاقات مع بقية العالم، وخاصة الولايات المتحدة. وكان روحاني أيضًا مناظِرًا ماهرًا كشف ماضي قالیباف العنيف. ففي إحدى المناظرات، سلّط روحاني الضوء على دور قالیباف في قمع احتجاجات الطلاب عام 1999، عندما كان يشغل منصبًا أمنيًا. وقال له: «ألا تتذكر أنك قلت لنا إن علينا مهاجمة الطلاب من جهتين والضغط عليهم ككماشة؟» فسُجّل على وجه قالیباف إحراج واضح. وخسر قالیباف كلتا الانتخابات.
في عام 2020، دخل قالیباف البرلمان في انتخابات شهدت نسبة مشاركة متدنية تاريخيًا، وسرعان ما أصبح رئيسًا لمجلس الشورى. وقد وضعه هذا المنصب في قلب السلطة، لكنه عرّضه أيضًا لضغوط مستمرة. وليس من المستغرب أن بعض أشدّ خصومه إصرارًا كانوا من أعضاء التيار المتشدد المعروف بـ«بايداري» (المقاومة)، الذين يتمتعون بدعم قوي داخل أجزاء من الحرس الثوري.
يقدّم أنصار «بايداري» أنفسهم بوصفهم ثوريين «نقيّين»، وينظرون إلى «مرونة» قالیباف باعتبارها ضعفًا، أو حتى خيانة. وقد عمل أعضاؤهم مرارًا على عرقلة طموحاته الرئاسية، كان آخرها دعمهم لسعيد جليلي في انتخابات 2024. وخسر كلّ من جليلي وقالیباف أمام المرشح الأكثر «اعتدالًا» مسعود بزشكيان في تلك الانتخابات.
كما استغلّ أنصار «بايداري» نقاط ضعفه. فماضي قالیباف، سواء سجله في المناصب أو الاتهامات المحيطة بشبكته، جعله هدفًا سهلًا. وكذلك أثارت الجدل قضايا تتعلق بعائلته، منها مقاطع مصوّرة متداولة على نطاق واسع لابنته مريم وهي تتسوّق لشراء مستلزمات أطفال باهظة الثمن في إسطنبول، وتقارير عن أنشطة ابنه إلياس التجارية. وقد عزّزت هذه التقارير والشائعات سردية أوسع عن الامتياز والنفاق تحيط به.
وإذا كانت التقارير عن وجود مفاوضات بين قالیباف والولايات المتحدة صحيحة، فمن المرجّح أن يصبح أنصار «بايداري» خصومه الداخليين الرئيسيين. وحتى لو وجّه مجتبى خامنئي حلفاءه للتسامح مع قالیباف، فإن «خامنئي 2» قد يفتقر إلى السلطة والشرعية الكافيتين لفرض الانضباط على الفصائل المتنافسة.
وإذا ما أصبح قالیباف في نهاية المطاف «رضا شاه الإسلامي» ونجح في انتزاع السلطة التي سعى إليها لعقود، فسيواجه خيارًا حاسمًا: إما استيعاب خصومه أو القضاء عليهم.
ويشير التاريخ إلى أنه قادر على اتخاذ إجراءات حاسمة، وقاسية. والسؤال هو ما إذا كان يحظى بدعم كافٍ داخل الحرس الثوري لتنفيذ ذلك. فقد يحتاج إلى تنفيذ نسخته الخاصة من «ليلة السكاكين الطويلة» للقضاء على أعدائه وتثبيت سلطته. ففي أوائل يوليو/تموز 1934، وبعد عام من وصول أدولف هتلر إلى السلطة، قام بعض أعوانه بقتل ما يصل إلى ألف من «مثيري المشاكل» النازيين لتطهير الحزب من العناصر المناهضة لهتلر. وقد عُرفت تلك الحملة باسم «ليلة السكاكين الطويلة».
وإذا حدث مثل هذا الترسّخ في السلطة، فقد تدخل الجمهورية الإسلامية مرحلة جديدة. ففي أفضل سيناريو بالنسبة لقالیباف، قد تتحول إلى دولة استبدادية تقليدية في الشرق الأوسط، وإن كانت فاسدة، وتواجه اضطرابات دورية من سكان غير راضين. أما في أسوأ السيناريوهات (أيضًا بالنسبة لقالیباف)، فقد تتعمّق الانقسامات الداخلية، مما يدفع نظامه نحو عدم الاستقرار والتفكك والانهيار خلال فترة قصيرة.
*بهاري زميل في نيوزويك، تم اعتقاله في ايران عام ٢٠٠٨ اثناء انتخابات الرئاسة وظهور الحركة الخضراء وتم تعذيبه في السجن، وأطلق بعد فترة من السجن بأمر من محمود أحمدي نجاد، وبعد مغادرته إيران أنتج فيلما عن حياته داخل سجن إيفين والتعذيب الذي تعرض له..
