يصادف الاثنين ١٦ شباط ٢٠٢٦، ذكرى مرور ٤١ عاماً على انسحاب إسرائيل من مدينة صيدا ومناطق جنوبية اخرى بعد احتلال استمر عامين وثمانية أشهر.
تحولت هذه الذكرى السنوية الى احتفال تقليدي تنظمه قوى سياسية مختلفة كان لها دور في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وخصوصا
ان تجربة المقاومة الوطنية في صيدا مثلت نموذجاً مميزاً، اذ استخدمت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مختلف وسائل النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي.
لم تكتف جبهة المقاومة الوطنية بالعمليات العسكرية فحسب، بل استطاعت توحيد مختلف القوى السياسية الاساسية في أطر تلتزم أساليب المقاومة الشعبية المختلفة، وقد شارك في اعمال المقاومة جهات متنوعة من ناصريين وشيوعيين وقوميين واسلاميين، ولا يغيب عن البال مشاركة النساء في نشاط نضالي متنوع.
في تلك الفترة كان الوعي الجماعي يدور حول ضرورة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي اي ان ما قام به العدو لا يمكن مواجهته الا بالمقاومة وبأساليب نضالية مختلفة، وهذا ما استمر حتى الفترة الأخيرة.
نعم نحن نشعر بالفخر والاعتزاز اننا هزمنا الاحتلال الإسرائيلي واجبرناه على الإنسحاب، لكننا لم ننتصر، الانتصار على العدو لا يعني إخراجه من ارضنا فحسب، بل ببناء دولة مؤسسات وقانون، وتأمين حياة كريمة لابناء شعبنا، وهذا ما لم يحصل، بل فرض على الناس نظام محاصصة طائفية.
تم الإنسحاب الاسرائيلي من معظم الاراضي اللبنانية عام ١٩٨٥، تبع ذلك نزاع بين ميليشيات طائفية من مختلف الاتجاهات بهدف السيطرة على اكبر مساحة ممكنة من البلد، وبين هذا التاريخ وبين اتفاق الطائف لم يقتصر النزاع بين قوة طائفية وبين قوة أخرى، بل صار النزاع بين اطراف الطرف الطائفي نفسه، فكانت حرب بين القوات اللبنانية والجنرال ميشال عون لتحديد الطرف الاقوى في المناطق المسيحية، وكانت حرب اخرى بين حركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي بهدف السيطرة على بيروت الغربية بعد إقصاء الطرف السني، وفي إقليم التفاح جرت حرب بين امل وحزب الله لتحديد الطرف المقرر في الوسط الشيعي.
وكان اتفاق الطائف الذي تكمن أهميته الواقعية انه أوقف الحروب المسلحة وأعطى الوصاية للنظام السوري لإدارة البلد والإشراف على المؤسسات اللبنانية.
بعد اتفاق الطائف وما نص عليه من إصلاحات لم ينفذ منها شيء، نشأ نظام الترويكا الذي بنى نظاماً يقوم على محاصصة جديدة افرزتها الحروب الاهلية المتتالية.
صيغة النظام الطائفي الجديد لم تعتمد على المؤسسات بل على تفاهمات يجري التوصل اليها بين زعماء الطوائف وإشراف النظام السوري، وجرى الاعتماد على الاقتصاد الريعي وهُمش ودُمر القطاعان الزراعي والصناعي، كيف يمكن ان نبني وطناً ودولة بغياب اقتصاد انتاجي؟
وصارت فرص العمل المتاحة هي قدرة كل واحد منا على الهجرة من البلد.
لم نستطع ان نضع مخططاً عاماً للمنطقة كي نحدد ميادين التنمية المطلوبة.
لم نستطع صياغة تاريخ واحد ولا تربية مدنية لبناء مواطن، بقينا رعايا طوائف لا تربطنا بالسلطة الا سلطة الزعماء.
لم نستطع تأمين حياة كريمة للمواطنين ولا سكن آمن وصحي، ولا رعاية صحية واستشفائية جيدة، لم نستطع تأمين تعليم عام مجاني والزامي. لم نعمل على اشراك الناس بالتخطيط لمستقبلهم ومشاركتهم بالشأن العام.
لم نعمل على تثقيف الناس على المطالبة بحقوقهم، بل الزمناهم ان يكونوا زبائن لزعماء المحاصصة، وسيادة ثقافة “الكرتونة” بديلاً من الحصول على الحقوق.
لم ننظم مدينة صيدا والمنطقة التى تحولت الى مثال الفوضى الخلاقة في جميع الميادين.
مجارير المياه المبتذلة تلوث الشاطىء لتوقف محطة تجميع المياه المبتذلة عن العمل، وتلال النفايات تحيط بمركز معالجة النفايات المتوقف عن العمل المنتظم وتغطي الأرض المردومة.
هل هذا الوضع يشير الى اننا انتصرنا والمؤسسات العامة الى تحلل ومؤسسات الخدمات الى توقف، والبلديات الى دكاكين وامكنة لاعادة انتاج علاقات سياسية تربط الانسان بالزعيم؟
لقد انسحب الإسرائيلي عام ١٩٨٥ لكننا لم نفتح الباب امام الانتصار من خلال بناء دولة المؤسسات والقانون.
اليوم ونحن نحتفل بهذه الذكرى لا بديل من العمل لتحقيق انتصار هنا وهناك هلى طريق بناء الدولة، كي يشعر الناس انهم مواطنون لهم حقوق يطالبون بها.
