لا تقتصر معاناة النازحين من الجنوب اللبناني، على خسارة منازلهم وممتلكاتهم، والتفتيش عن امكنة آمنة لهم ولعائلاتهم، ولا انتظار لقمة العيش من هنا وهناك، بل تحولت المعاناة الاساسية بكيفية الاستمرار بالحياة بعد التخلي الفعلي عنهم، واقفال الابواب بوجه مستقبل أطفالهم.
لقد تحولت بلداتهم الى مجرد ذكريات يتحدثون عنها بألم مخيف، وينظرون الى الافق نظرة يأس واحباط.
“نجوى”( اسم مستعار) إمرأة شهدت نزوحاً مستمراً وجراحاً نفسية تثقل كاهلها في مواجهة الحرب، انها جراح نفسية تشمل الصداع، الشد العضلي، تغيّر الشهية، مشاكل في النوم، الخوف، القلق والارتباك.
من احدى بلدات قضاء النبطية، بدأت حكاية “نجوى” (مواليد 1988)، كانت تعيش حياة بسيطة مع زوجها محمد، سائق الأجرة، وأطفالها الستة: مها (2007)، أحمد (2009)، ميرا (2015)، جواد (8 سنوات)، قاسم (2021)، وفاطمة (2024). وعلى الرغم من صعوبة الظروف المعيشية قبل حرب 2023، كانت العائلة تحافظ على حدّ أدنى من الاستقرار، وكان أطفالها يتابعون تعليمهم في المدارس الرسمية.
مع اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء. تدهور الوضع الاقتصادي، وتفاقمت الضغوط النفسية، وتوقّف اثنان من أطفالها عن التعليم نتيجة الظروف القاسية والتأثيرات النفسية العميقة. إلا أن الخسارة الأكبر لم تكن مادية فقط، بل نفسية أيضاً، خاصة بالنسبة لنجوى كامرأة وأم.
منذ أكثر من عام، تعيش نجوى حالة نزوح متكرر، متنقلة بين مناطق مختلفة من الجنوب، وفي كل مرة تفقد نجوى شعوراً إضافياً بالأمان. ومع كل انتقال من مكان الى آخر، تشعر “نجوى” أنها تفقد جزءاً من حياتها السابقة، ومن هويتها المرتبطة ببيتها وأرضها ومحيطها الاجتماعي.
في 2 آذار 2026، اضطرت العائلة لمغادرة منزلها المستأجر، لتبدأ رحلة نزوح شاقة استمرت أكثر من يوم ونصف، وصولاً إلى منزل شقيقتها في “الليلكي” بضاحية بيروت. لكن النزوح تكرر سريعاً مع إخلاء المنطقة، لتجد نفسها مجدداً في الشارع، قبل أن يُطلب منها المغادرة من حديقة في “فرن الشباك” والتوجه إلى مركز إيواء في احدى الجامعات
أمضت نجوى وعائلتها عشرة أيام داخل السيارة، في ظروف قاسية، حيث كانت تحاول تأمين الطعام بأبسط الوسائل. لكن التجربة لم تكن صراعاً للبقاء فحسب، بل كانت أيضاً تجربة قاسية من الشعور بالإهانة وفقدان الكرامة، وهو ما ترك أثراً عميقاً على صحتها النفسية.
بالنسبة لـ”نجوى”، لم تعد الحرب مجرد قصف أو نزوح، بل أصبحت حالة نفسية دائمة. تعيش قلقاً مستمراً وخوفاً مزمناً من فقدان أحد أطفالها، تقول: “أكثر ما أخافه هو أن أفقد أحداً من أولادي”. هذا الخوف يرافقها في كل لحظة، ويتضاعف ليلاً مع أصوات الطائرات المسيّرة، التي تحرمها من النوم وتعيد إحياء مشاعر الخطر.
كامرأة، تواجه “نجوى” عبئاً مضاعفاً، فهي لا تعيش فقط صدمتها الشخصية، بل تتحمّل أيضاً مسؤولية احتواء أطفالها نفسياً، رغم أنها هي نفسها بحاجة للدعم. تحاول أن تبدو قوية أمامهم، أن تخفف من خوفهم، أن تطمئنهم، لكنها في الداخل تعاني من توتر دائم، وإرهاق نفسي عميق، وشعور بالعجز.
هذا الضغط النفسي المستمر انعكس بشكل واضح على أطفالها، الذين أصبحوا أكثر صمتاً وانطواءً. لم يعودوا يصرخون أو يعبرون عن خوفهم كما في السابق، وكأنهم فقدوا القدرة على التعبير. هذا الصمت، بالنسبة لها، أكثر إيلاماً من البكاء، لأنه يخفي داخله خوفاً غير مُعبّر عنه.
صارت تعاني من شعور دائم بعدم الاستقرار وفقدان السيطرة على حياتها. صار الانتقال من مكان إلى آخر، والاعتماد على المساعدات، والعيش في أماكن تفتقر للخصوصية، كلها عوامل عززت لديها شعوراً بالهشاشة النفسية. الإهانات اليومية، المضايقات عند البقاء في الأماكن العامة إلى العيش في ظروف غير إنسانية، زادت من إحساسها بالانكسار.
اليوم، تقيم نجوى في ملعب داخل حرم احدى الجامعات في بيروت، حيث تعيش بعيداً عن منزلها وأهلها، في بيئة لا تشبه الحياة التي كانت تعرفها. تَصفُ حالها بأنها “موجودة جسدياً، لكن نفسياً في مكان آخر”، عالقة بين ذكريات بيتها في الجنوب وواقعها الحالي.

قصة “نجوى” تكشف جانباً غالباً ما يُهمل في الحروب: الأثر النفسي العميق على النساء. فهي لا تعاني فقط من النزوح والخسارة، بل من ضغط مستمر لتبقى صامدة من أجل عائلتها، في وقت تتآكل فيه قدرتها على التحمل. إنها معركة يومية غير مرئية، تدور داخل النفس، وتترك آثاراً قد تستمر طويلاً حتى بعد توقف الحرب.
تعلّق احدى الناشطات في مجال تقديم الدعم النفسي الاجتماعي على قصة “نجوى” بالقول:” انها قصة نموذجية لما نراه يومياً في اوساط النازحين وخصوصا النساء منهم، اصحاب العائلات التي تحوي اطفالاً،
لذلك برزت أهمية الأنشطة النفسية-الاجتماعية داخل مراكز الإيواء كوسيلة أساسية لدعم الأفراد المتضررين، لا سيّما ان هذه المراكز تأوي فئات المجتمع الأكثر “.هشاشة
ويلاحظ أن معظم الأنشطة الحالية التي تُنظم في مراكز الايواء تركّز على الأطفال، حيث يتمّ إشراكهم في أنشطة فنية مثل الرسم، الأشغال اليدوية، والرقص التعبيري لمرحلة رياض الأطفال. يساعد هذا النشاط المتنوع للأطفال على التعبير عن مشاعرهم بطريقة غير مباشرة، والتخفيف من التوتر والقلق الناتجَين عن التجارب الصعبة التي مرّوا بها، كما تساهم في إعادة خلق شعور بالأمان والروتين داخل بيئة غير مستقرة.
وتضيف الناشطة:”في المقابل، يُلاحظ ضعف مشاركة فئة الشباب، لا سيما الفتيات، في هذه الأنشطة، حيث امتنعت مجموعة من الفتيات وخصوصا من الفئة العمرية ما بين13 و16 عاماً عن المشاركة في نشاط دعم نفسي اجتماعي في احد مراكز إلايواء في صيدا، وقد يعود ذلك إلى عوامل اجتماعية أو نفسية، مثل الخجل، أو الشعور بعدم الارتياح.
أما النساء وخصوصا المتزوجات ولديهن عائلات، فيُبدين اهتمامًا أكبر بالمشاركة في الأنشطة النفسية-الاجتماعية، حيث يجدن فيها مساحة للتعبير عن الضغوط اليومية، وتبادل الخبرات، والحصول على دعم عاطفي من أخريات يمررن بظروف مشابهة. لذلك، تُعتبر هذه الأنشطة ضرورية جدًا لصحتهن النفسية وتعزيز قدرتهن على التكيّف مع الأوضاع الصعبة، والتعامل مع المشاكل اليومية التي تواجههن مع الأطفال أو المجتمع المحيط “المستجد.
وتختم بالقول:” بناءً على ذلك، من المهم والضروري تطوير برامج نفسية-اجتماعية أكثر شمولًا، تأخذ بعين الاعتبار الفروق بين الفئات العمرية والمستوى الثقافي والاجتماعي، وتعمل على تصميم أنشطة جاذبة وملائمة للشباب، إلى جانب الاستمرار في دعم الأطفال والنساء بشكل فعّال.
كما يجب الأخذ بعين الاعتبار البيئة التي تُنفّذ فيها تلك النشاطات لجهة عدم توفر أمكنة هادئة خالية من المقاطعات والتشويش.
من هنا، تصبح الأنشطة النفسية-الاجتماعية من خلال الفن الوسيلة الأفضل لتمكين النساء من التعبير والتفريغ عن المشاعر بحرية، حيث تعزّز الثقة بالنفس، وتشجّع على اكتشاف المهارات والقدرات الكامنة، وبناء القدرة على التكيّف والصمود.
الى جانب ذلك تبرز أهمية الجلسات العامة التي يجري فيها البحث والنقاش حول قضايا عامة، والجلسات الخاصة التي تشكل مساحة أوسع لطرح المشكلات الخاصة والتي تشكل نموذجاً لما يعيشه الجميع”.
الوضع الذي يعيشه النازحون صعب، لكن يبرز عند بعضهم الأمل بالعودة وإعادة البناء، لكن يبدو ان الوضع سيكون أكثر صعوبة بمرور الزمن وصعوبة تحقيق الأحلام.
