اضطراب حكومي شديد
«في ظل الغضب الذي أثارته قرارات سحب الجنسية، توقفت السلطات الكويتية منذ سبتمبر/أيلول 2025 عن نشر أرقام رسمية. وقد يصل العدد الحقيقي للمتضررين إلى 200 ألف شخص»، بحسب أندرو ماكنتوش، مدير الأبحاث في منظمة «سلام» الحقوقية ومقرها لندن. وتضم الكويت أصلًا عددًا كبيرًا من عديمي الجنسية، المعروفين باسم «البدون»، ويُقدَّر عددهم بنحو 120 ألف شخص. ويُطلق هذا المصطلح على المقيمين الذين لم يحصلوا على الجنسية عند انتهاء الحماية البريطانية عام 1961، إضافة إلى أبنائهم وأحفادهم.
وجاءت حملة سحب الجنسية عقب مرسوم أصدره أمير الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، البالغ من العمر 85 عامًا، والذي تولّى الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2023. ومنذ ذلك الحين، بدأ هذا المسؤول السابق عن جهاز أمن الدولة والحرس الوطني مسارًا سلطويًا. ففي مايو/أيار 2024، حلّ البرلمان لمدة قد تصل إلى أربع سنوات، في خطوة قد توجه ضربة قاضية للنظام الملكي شبه الديمقراطي في الكويت، وهو استثناء إيجابي في منطقة الخليج.
وبرر الأمير قرارات إسقاط الجنسية بالقول إن المجنسين حصلوا عليها «بشكل غير قانوني» وإنهم يشكلون تهديدًا للأمن الوطني. وقال في خطاب ألقاه في 10 مايو/أيار 2024: «لا مكان لهم هنا»، مضيفًا أن حملة سحب الجنسية تندرج ضمن مسعى «لإعادة الكويت إلى شعبها الشرعي، النقي والخالي من الشوائب».
وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وسّع تشريع جديد أسباب سحب الجنسية. وأصبحت الفئات المستهدفة تشمل النساء اللواتي حصلن على الجنسية عن طريق الزواج من كويتيين، والأشخاص الذين يحملون جنسية مزدوجة — وهي محظورة في البلاد — وكذلك المدانين بجرائم تمس أمن الدولة أو الإساءة إلى الله أو النبي أو «سوء السلوك الأخلاقي».
ويُنتخب البرلمان الكويتي بالاقتراع العام منذ عام 1962، وقد عُلّق مرتين في السابق. ويتمتع بصلاحيات رقابية على الحكومة وبالقدرة على إجبارها على الاستقالة. ورغم حظر الأحزاب السياسية رسميًا في الدولة، فقد نشأت معارضة فعلية لأسرة الصباح الحاكمة، تضم إسلاميين سنة وشيعة، ومستقلين تقدميين، وعائلات تجارية كبرى، وممثلين قبليين. غير أن هذا النظام التعددي نسبيًا، والذي لا نظير له في المنطقة، يعاني من اختلالات منذ أواخر العقد الأول من الألفية، مع تكرار حلّ البرلمان وازدياد عدم الاستقرار الحكومي، ما حال دون تنفيذ الإصلاحات التي يحتاجها البلد.
الحفاظ على «الهوية الكويتية»
في هذا السياق، «وعلى عكس أي توجه نحو إعادة التأهيل أو التسوية مع المعارضة، المرتبطة ضمنيًا بمواطني الأطراف، يركز الأمير على الحفاظ على “الهوية الكويتية”، أي هوية المواطنين الأصليين، وعلى “المواطنة الحقيقية” التي تُفهم من منظور الولاء»، كما كتبت الباحثة كلير بوغران في تقرير نشره في 23 سبتمبر/أيلول 2025 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، بعنوان «المنعطف السلطوي في الكويت».
وبحسب ماكنتوش، فإن أكثر من نصف الذين سُحبت منهم الجنسية نساء، وغالبًا ما يُتَّهمن باستغلال دولة الرفاه الكويتية. وأشار إلى حالة امرأة من أصل مصري، انتقدت عبر منصة «إكس» القرار الذي طالها، فاستدعتها الشرطة واستجوبتها لمدة 24 ساعة، ووُصفت بأنها «قمامة» و«بقرة تتغذى على أموال الدولة»، قبل أن تُرحَّل من البلاد، تاركة بناتها ليعشن مع والدهن.
كما جُرّد المعارض السياسي محمد الميل، البالغ من العمر 28 عامًا، واللاجئ في المملكة المتحدة منذ 2017، من جنسيته في 12 أكتوبر/تشرين الأول، من دون تقديم أي مبرر. وقال في رسالة إلكترونية: «السبب الحقيقي سياسي وليس قانونيًا. سُحبت جنسيتي لأنني أمثل شيئًا خارج سيطرتهم: رؤية بديلة للشرعية قائمة على الدستور والقانون وموافقة الشعب. مشعل الأحمد الجابر الصباح لا يحكم بعقلية رجل دولة، بل بعقلية مسؤول أمني يعتبر المجتمع ملفًا ينبغي التحكم فيه».
أداة سياسية
تشكل حملة إسقاط الجنسية الواسعة أداة سياسية تهدف إلى «إعادة تعريف الجسم المواطني عبر حصره في َمُكوِّنِه الموالي»، بحسب بوغران، فضلًا عن كونها أداة اقتصادية لتقليص كلفة دولة الرفاه. فمنذ تأسيسها، توفر الدولة الكويتية، وهي من كبار منتجي النفط عالميًا، مزايا اجتماعية سخية للغاية لمواطنيها. وترى الباحثة أن «تقليص عدد المواطنين المؤهلين للاستفادة من المزايا المالية لدولة الرفاه يؤدي، حسابيًا، إلى خفض الإنفاق العام».
ومع إضافة أسماء جديدة كل شهر إلى قائمة من سُحبت منهم الجنسية، أطلقت الحكومة في مايو/أيار 2025 بوابة إلكترونية لتلقي الطعون. أمل (اسم مستعار)، 52 عامًا، وهي من «البدون»، كانت قد حصلت على الجنسية عام 2015 عبر الزواج، لكنها فقدتها في أبريل/نيسان 2025. وقدمت طعنًا في مايو/أيار، من دون أن تتلقى ردًا. وينطبق الأمر ذاته على صونيا وامرأتين أخريين. وتقول أمل: «بالنسبة إلينا نحن اللواتي حصلن على الجنسية عن طريق الزواج، يُعتبر ذلك الآن خطأ».
وأبلغت السلطات النساء اللواتي فقدن الجنسية بضرورة استعادة جنسية والديهن. غير أن صونيا تقول إن الأمر ليس بهذه السهولة: «في أغسطس/آب، عندما ذهبت إلى لبنان، أبلغتني السلطات أنه لا وجود لي في سجلاتهم. حياتي هنا: أصدقائي، عائلتي. أنا لا أنتمي إلى لبنان». وقد أصبحت بلا أوراق رسمية ولا راتب، وتخشى المرض حتى لا تُجبر على الذهاب إلى المستشفى، حيث قد تُرفض لعدم امتلاكها وضعًا قانونيًا. وتختم قائلة: «أرغب في الصراخ، لكنني خائفة. بالنسبة إلينا، أصبح التنفس أكثر صعوبة يومًا بعد يوم».