على مدى أكثر من ثلاثة عقود، أظهر النظام السياسي في لبنان قدرة ثابتة على إعادة تأويل نوايا المجتمع الدولي بطرق تحمي بقاءه. هكذا، يتم استيعاب لغة الإصلاح، وإعادة تشكيلها، ثم إعادة توظيفها داخليًا بما يحافظ على المصالح الراسخة. وتقدّم المفاوضات الأخيرة مع “صندوق النقد الدولي” مثالًا جديدًا على هذه الديناميكية.
عقب الزيارة الأخيرة لبعثة صندوق النقد إلى لبنان، ركّز بيان الصندوق على ثلاث ركائز أساسية: الحاجة الملحّة إلى إعادة هيكلة القطاع المالي، وأهمية استعادة الثقة في النظام المصرفي، وضرورة الحفاظ على استدامة دين الدولة. وأكدت البعثة أن هذه الأهداف يجب أن تستند إلى إطارٍ مالي موثوق وإلى خطة متوسطة الأجل متماسكة. كما حذّرت من أن أي زيادات كبيرة في رواتب القطاع العام قد تقوّض الاستقرار المالي وتُضعف ديناميات الدَين الهشّة أصلًا في البلاد.
كانت رسالة صندوق النقد واضحة تقنيًا و مفادها: يجب أن تمضي إعادة هيكلة القطاع المالي بطريقة تعيد بناء الثقة مع الحفاظ على استدامة الدين. ان الانضباط المالي ليس خيارًا انه ضرورة. وأي التزامات إنفاق جديدة يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية إصلاح أشمل.
غير أنّ هذه المبادئ نادرًا ما تُطبَّق بشكل متّسق ضمن الخطاب السياسي اللبناني.
فعندما يشير صندوق النقد إلى استدامة الدين، تعمد الحكومات المتعاقبة إلى تفسير ذلك كذريعة لامتناع الدولة عن المساهمة في إعادة رسملة المصرف المركزي. وذلك بحجّة أن أي مساهمة عامة ستزيد من التزامات الدولة السيادية، وبالتالي تهدد الاستقرار المالي. وبالمثل، عندما يؤكد الصندوق على ضرورة احترام تراتبية المطالبات — أي أن يتحمّل المساهمون والدائنون في المصارف الخسائر قبل المودعين — يُترجم ذلك محليًا إلى فكرة أن الحكومة نفسها لا تتحمل أي مسؤولية مالية.
في الممارسة، تتحول مصطلحات صندوق النقد إلى درع ملائم. تُستدعى “الاستدامة” لتبرير غياب مشاركة الدولة في إصلاح القطاع المالي. ويُختزل مفهوم “تقاسم الأعباء” بطريقة ضيّقة تَحدُّ من دور الدولة، بينما تبقى المسؤوليات النظامية الأوسع من دون معالجة.
وفي الوقت ذاته، تتجه الحكومة نحو توسيع حصة رواتب القطاع العام، وهي خطوة قد تتجاوز كلفتها مليار دولار سنويًا. ويتم التفكير في هذا التوسيع قبل أي إعادة هيكلة فعلية للمؤسسات المملوكة من الدول، وقبل إصلاح نظام التعليم الرسمي المُثقَل بالأعباء، وقبل إجراء مراجعة شاملة لاختلالات القطاع العام. من دون إصلاح هيكلي، قد تتحول هذه النفقات المتكررة إلى التزامات مالية دائمة يصعب ضبطها.
التناقض واضح. تُعتبر استدامة الدين أولوية قصوى عندما يتعلق الأمر بالمساهمة في معالجة خسائر القطاع المالي وحماية المودعين، لكنها تصبح مسألة ثانوية عندما يخدم الإنفاق شبكات الزبائنية السياسية والاستقرار القصير الأجل داخل القطاع العام. يُطبَّق المفهوم بشكل انتقائي وفق الملاءمة السياسية، لا وفق منطق مالي متماسك.
ويكمن القلق الأكبر في غياب توجيه واضح وملزم. فبدون متطلبات صريحة لإصلاحٍ جدي في القطاع العام، وبدون التزام محدد من الدولة بإعادة رسملة المصرف المركزي، يحتفظ النظام بقدرته على إعادة تفسير لغة صندوق النقد بما يخدم مصالحه. وهذا يخلق وضعًا يمكن فيه إعادة توظيف المصطلحات الدقيقة التي يعتمدها الصندوق محليًا بطرق تُفرغها من مضمون المساءلة.
إذا استمر هذا النمط، فإن الصندوق يخاطر بأن يصبح عن غير قصد شريكا في سوء الإدارة. فقد تُستخدم دعوته إلى الاستدامة لتجنّب مساهمات سياسية مكلفة، فيما تبقى أجندة الإصلاح الأوسع مطبقة جزئيًا فقط. وأي برنامج مستقبلي مع صندوق النقد قد يقوم عندها على أسس هشّة، معرّضة لا لعيوب تقنية فحسب بل لإعادة تفسير سياسية.
إن أزمة لبنان ليست مالية فقط، بل هي مؤسَّسِية وبنيوية أيضًا. وما لم يُقرن الانخراط الدولي بربطٍ صارم بين الانضباط المالي، وإصلاح القطاع العام، وتقاسم الأعباء بشكل عادل، فإن الحلقة ستبقى مفرغة: ستُستدعى الاستدامة بصورة انتقائية، وستظل الإصلاحات منقوصة، وسيواصل النظام تحويل الضغوط الخارجية إلى آلية لحماية ذاته.
