مركز التحليل الاستراتيجي
تشهد الأزمة الليبية تحولاً نوعياً في استخدام “الشرعية الدولية” كأداة لحسم الصراعات المحلية. إنالتحركات الأخيرة لوزارة العدل في طرابلس تجاه المحكمة الجنائية الدولية، بالتزامن مع سقوط المظلات القانونية المحلية (قانون العفو العام)، لا تشير فقط إلى رغبة في إنهاء الإفلات من العقاب، بل تكشف عن استراتيجية دولية–محلية مشتركة تهدف إلى “تطهير المشهد” من الشخصيات التي تُشكل “فائضاً عن الحاجة” في المرحلة القادمة، وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي وآخرون من رموز الصراع الممتد.
التدويل الوظيفي: القانون كبديل للرصاص
عندما تطلب سلطة تنفيذية غير مستقرة تدخُّلَ القضاء الدولي بموجب المادة (12) من نظام روما، فهي تمارس ما يُعرف بـ“التفويض العكسي“.
• الهدف الاستراتيجي: بما أن الأطراف المحلية عاجزة عن حسم الصراع عسكرياً، وعاجزة عن تقديم تنازلات سياسية لخصومها دون أن تظهر بمظهر الضعف، فإنها تُحيل “عبء المواجهة” إلى الخارج.
• النتيجة: تتحول المحكمة الجنائية الدولية من ساحة للعدالة إلى “مصفاة سياسية” تقوم بإزاحة اللاعبين الذين يرفضون الانضواء تحت ترتيبات السلطة الحالية، ما يعفي النخبة الحاكمة من المسؤولية المباشرة عن إقصاء الخصوم.
استراتيجية “الإزاحة“: ما وراء سيناريو الاغتيال
إن طرح سيناريوهات “المقتل” أو “الاغتيال” في تقارير مراكز الأبحاث الدولية يعكس انتقالاً من التفكير في “الحلول السياسية” إلى “الحلول الجراحية“.
• الحسابات الباردة: في منطق القوى المهيمنة، يمثل بقاء رموز النظام السابق طلقاء “عنصر تشويش” دائم على أي استقرار هش. فالتسليم للمحكمة قد يستغرق سنوات من السجال القانوني الذي قد يُحيي قواعدهم الشعبية، بينما يمثل “الاغتيال” أو “التغييب الفجائي” نهاية فورية للملف، مع تحميل المسؤولية لـ“أطراف مجهولة” أو “اضطرابات أمنية“.
• المخاطرة الاستراتيجية: تكمن الخطورة في أن هذا الخيار يحول الشخصيات المستهدفة من “لاعبين سياسيين” إلى “مظلوميات تاريخية“، ما قد يفجر موجات انتقامية عابرة للاتفاقات السياسية.
هندسة “المصالحات الناقصة” وتفكيك الكتل
يأتي إسناد ملف المصالحة لتيارات أيديولوجية محددة كجزء من عملية “تفكيك الولاءات“.
إن الاستراتيجية المتبعة هنا لا تهدف لجمع شمل الليبيين بقدر ما تهدف إلى “تدجين” القواعد الاجتماعية للنظام السابق.
• مسار العمل: يتم استهداف القاعدة الشعبية عبر الوعود بالدمج المالي والإداري، مع العمل بالتوازي على “قطع الرأس السياسي” (سواء بالتسليم للجنائية أو بالتغييب القسري). هذه السياسة تضمن تحويل الكتلة المعارضة إلى “أفراد” يمكن استيعابهم داخل أجهزة الدولة، بدلاً من بقائهم “كتلة سياسية” تطالب بالعودة للحكم.
التدخلات الدولية: المقايضة بالسيادة
تعكس الحالة الليبية كيف يتحول “المطلوبون دولياً” إلى أوراق مقايضة في بورصة المصالح الخارجية.
• اللاعبون الدوليون: لا ينظر الخارج إلى الأسماء كأفراد، بل كـ “قيم تفاوضية“. فالضغط لتسليم مطلوب معين، أو غض الطرف عن اغتياله، هو جزء من صفقة أوسع تتعلق بالطاقة، القواعد العسكرية، وتوازن النفوذ في المتوسط.
• الشرعية المزدوجة: تستخدم بعض القوى الدولية مذكرات الاعتقال لابتزاز الأطراف المحلية؛ فإذا تعاونت السلطة في طرابلس، حصلت على “شرعية البقاء“، وإذا رفضت، وُجهت إليها تهم التستر على مجرمي حرب.
مستقبل “الجمود الدموي“
إن ليبيا أمام مشهد “نهاية اللعبة” لجيل كامل من الفواعل السياسيين. إن اللعب على “المناقصات الدولية” عبر المحكمة الجنائية، بالتزامن مع تصفية قانون العفو العام، يعني أن الخيارات أمام سيف الإسلام القذافي وغيره قد تلاشت.
السيناريو القادم يتأرجح بين “التدويل القسري” عبر الأصفاد، أو “التغييب العنيف” عبر الرصاص. وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو “السيادة الوطنية” التي تم التنازل عنها طواعية لمؤسسات دولية لتصفية حسابات محلية. إن مقتل أو تغييب أي رمز سياسي في هذه الظروف لن يغلق ملف الصراع، بل سيجعله أكثر راديكالية، حيث سينتقل الصراع من “صندوق الانتخابات” الذي زُرع فيه الوهم لسنوات، إلى“صندوق الرصاص” الذي لا يعترف بالاتفاقات السياسية الهشة.

رغم اختلافي مع الراحل سيف الاسلام رحمه الله، لكن يضل افضل الرموز السياسية الموجودة في الساحة الليبية بعد 2011.
في نظري ربما سيكون القادم ابشع وأسوأ.
نسأل الله له الرحمة والغفران وجنة الرضوان.