التاريخ لا يعيد نفسه بشكل مطابق، لكنه كثيرًا ما يتكرر بنغمات متشابهة يتجاهلها صناع القرار على مسؤوليتهم. يواجه لبنان اليوم خطر إعادة عيش نمط مألوف ومكلف—نمط يذكّر باللحظة الدبلوماسية الفاشلة في 1983–1984، عندما قيّد فاعلون إقليميون ودوليّون الخيارات الاستراتيجية لبيروت باسم الإجماع العربي الأوسع.
في ذلك الوقت، قامت دول عربية رئيسية، ولا سيما السعودية ومصر، بثني لبنان عن السعي إلى اتفاق سلام ثنائي مع إسرائيل في غياب تسوية عربية–إسرائيلية شاملة. وأُنيط عملياً بسوريا، بقيادة حافظ الأسد، دورُ فرضِ ذلك الموقف، ما أسهم في انهيار اتفاق 17 أيار. وكانت العواقب وخيمة: تجدُّد الصراع الداخلي، واستمرار الإضطراب، وانحدار اقتصادي، وتآكل إضافي لسيادة لبنان.
بعد أربعة عقود، يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام لحظة قرار. إن بروز مسار دبلوماسي محتمل تسانده الولايات المتحدة—بدعم ضمني أو صريح من إسرائيل—أعاد طرح مسألة ما إذا كان ينبغي للبنان السعي إلى ترتيب محدود يهدف إلى تثبيت جبهته الجنوبية ويُفسِحُ المدال لتعافٍ اقتصادي واسع.
إن معارضة إيران وحلفائها المحليين متوقعة ومتسقة مع مصالحها الاستراتيجية الراسخة. لكن الأكثر إثارة للدهشة هو موقف الدول التي تُصنَّف تقليديًا ضمن الدول “المعتدلة”—بما في ذلك السعودية ومصر، وفرنسا إلى حدٍّ ما. وتبدو تلك الدول الفاعلة أقل انشغالًا بمضمون أي ترتيب محتمل بقدر انشغالها بالعملية التي يجري التفاوض من خلالها، والتي قد تُسفر عن تراجع نفوذها مقارنةً بنفوذ واشنطن.
وقد تُرجمت تلك المواقف بدعوات للرويّة، والحوار الداخلي، والتدرّج في الخطوات أوكِلَ طرحها إلى وسطاء لبنانيين وشخصيات سياسية. ورغم أن هذه الحجج تُقدَّم بصيغة الحصافة والحذر، فإنها قد تعيد إنتاج حالة الشلل نفسها التي قوّضت تاريخيًا قدرة لبنان على التصرف بما يخدم مصلحته.

إن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت التسوية الإقليمية الشاملة تظل مرغوبة—فهي كذلك بلا شك—بل ما إذا كان بإمكان لبنان تحمّل ربط استقراره الذاتي بنتائج تبقى غير مؤكدة في أفضل الأحوال، ومؤجلة إلى أجل غير مسمى في أسوأها . إن وضع البلاد الحالي بالغ السوء: نظام مالي منهار، وجيش ضعيف يعتمد على الدعم الخارجي، وبنية تحتية متدهورة في الجنوب، وسكان يميلون بشكل متزايد إلى الهجرة.
في هذا السياق، فإن كلفة الجمود ليست نظرية، بل إنها فورية وتراكمية.
ثمّ، ما الذي يُعرض على لبنان كبديل عن الانخراط؟ حتى الآن، لا يوجد دليل يُذكر على جهد منسق من قبل هذه الجهات نفسها لتقديم المساعدة الاقتصادية أو الضمانات الأمنية أو الدعم السياسي اللازم لاستقرار الدولة اللبنانية. كما لا توجد استراتيجية موثوقة لمعالجة الدوافع البنيوية لعدم الاستقرار، بما في ذلك دور الجهات المسلحة غير التابعة للدولة.
بدلًا من ذلك، يبدو أن النهج السائد يفضّل التأجيل—سواء بدافع القلق على التوازن الإقليمي، أو الخوف من التصعيد، أو عدم اليقين بشأن مسار إيران نفسها. غير أن هذا الحذر قد يكون في غير محله. فإيران تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية كبيرة، وقدرتها على ممارسة نفوذها عبر الوكلاء ليست غير محدودة. إن انتظار توازن إقليمي أكثر ملاءمة قد يعني عمليًا انتظارًا بلا نهاية.
من جهة أخرى،ـ ثمة اعتبار استراتيجي أوسع. فقد ترى بعض الجهات الإقليمية أن إيران ضعيفة ولكن مع استمرار نظامها الحالي أفضل من حالة عدم اليقين التي قد تعقب انهيارها أو إعادة تموضعها. فإيران ما بعد الأزمة—لا سيما إذا أعادت ضبط تحالفاتها الخارجية—قد تغيّر التوازن الإقليمي بطرق تتحدى الهياكل القائمة. وقد يفسر هذا الاحتمال، رغم طابعه الافتراضي، التردد في دعم مبادرات قد تُسرّع التغيير.
أما بالنسبة للبنان، فالحساب مختلف. لبنان لا يمتلك رفاهية الصبر الاستراتيجي. فأولوياته فورية: استعادة الوظيفة الاقتصادية، وإعادة ترسيخ الحوكمة، وتقليل احتمال تجدد الصراع على أرضه.
لا يعني ذلك أنه ينبغي السعي إلى أي اتفاق بأي ثمن. لكنه يشير إلى أن عملية صنع القرار في لبنان ينبغي أن تُوجَّه أساسًا وفقاً لمصالحه الخاصة، لا وفقا لتفضيلات أو مخاوف جهات خارجية.
الخطر، كما في عام 1983، هو أن يؤجل لبنان مرة أخرى اتخاذ القرار إرضاءً لإجماع أوسع لا يتحقق في نهاية المطاف— ما يتركه عرضة للنتائج التي سعى أصلًا إلى تجنبها.
تجنب هذا السيناريو سيتطلب وضوحًا سياسيًا، وتماسكًا مؤسسيًا، واستعدادًا لتقديم أولوية الاستقرار الوطني على حساب الاصطفافات الإقليمية.
أما البديل، فهو مألوف—ومكلف.


