بسبب المخاوف من عنف قد يلجأ إليه “حزب الله”، يرجح أن تمضي بيروت تدريجيا نحو هدفها المعلن المتمثل في احتكار الدولة للسلاح
من المقرر أن تستضيف الولايات المتحدة الجولة الثانية من المحادثات بين سفيري لبنان وإسرائيل لدى واشنطن في 23 أبريل/نيسان. وكان الاجتماع الأول بين هذين الدبلوماسيين، في 14 أبريل، قد اكتسب أهمية خاصة، لكونه أول اتصال رسمي مباشر بين مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين منذ عام 1993 من ناحية، ولما انطوى عليه من دلالات سياسية. وتكمن الأهمية الأبرز التي تجعل هذا الاجتماع استثنائيا وغير مسبوق في أنه يعكس ممارسة الحكومة اللبنانية ورئيسها لصلاحياتهما السيادية. فعلى الرغم من المعارضة الشديدة والتهديدات العنيفة الصادرة عن إيران و”حزب الله”، مضت بيروت قدما في تنفيذ قرار بالغ الصعوبة.
وسيكشف الزمن ما إذا كان هذا الحدث حالة استثنائية أم فاتحة لمسار واعد.
منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون في يناير/كانون الثاني 2025، وتشكيل حكومة رئيس الوزراء نواف سلام في الشهر التالي، اتخذت بيروت سلسلة من المواقف والقرارات المهمة. ففي خطاب تنصيبه، تعهد عون بحصر السلاح بيد الدولة. وفي أغسطس/آب، كلفت الحكومة القوات المسلحة اللبنانية بإعداد خطة لنزع سلاح “حزب الله” في مختلف أنحاء البلاد، بدءا من منطقة جنوب الليطاني. وبعد الهجوم الصاروخي غير المبرر الذي شنه “حزب الله” على إسرائيل في مطلع الشهر الماضي، حظر مجلس الوزراء الأنشطة العسكرية لـ”الحزب”، وأعلن السفير الإيراني شخصا غير مرغوب فيه، وأمر باعتقال عناصر “الحرس الثوري” الإيراني الموجودين في لبنان وترحيلهم.
كانت هذه القرارات كلها جريئة، ومن غير المستغرب أنها استتبعت سلسلة من التهديدات من “حزب الله” ومن خصوم محليين وإقليميين آخرين. لكن من بين هذه الخطوات الشجاعة، لم ينفذ، ولو جزئيا، سوى جهد الجيش اللبناني لجمع أسلحة الميليشيا المدعومة من إيران في جنوب لبنان. أما سائر القرارات، فيبدو أنها لم توضع موضع التنفيذ. وأبرز مثال على ذلك أن السفير الإيراني في بيروت رفض مغادرة البلاد، ولا يزال مقيما في المقر الرسمي، ويقال إنه يقيم برفقة عدد من كبار قادة “حزب الله” المتبقين.
إن التهديدات التي تتعرض لها الحكومة ردا على مساعيها إلى ممارسة السيادة، بما في ذلك الانخراط في محادثات مباشرة ودعم إعلان لوقف إطلاق النار ينص على أن لبنان وإسرائيل “ليسا في حالة حرب”، تهديدات كبيرة ومتعددة المصادر. ويبدو أن الميليشيا قلقة على نحو خاص من احتمال أن يلتقي عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو احتمال طرحه الرئيس دونالد ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 16 أبريل. وردا على ذلك، يتهم “حزب الله” وأنصاره عون وسلام بـ”الخيانة”، ويحذرون من عواقب وخيمة. وقد هدد محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في “الحزب”، بأن “تسونامي شعبيا” سيطيح بالحكومة. وفي الوقت نفسه، تستحضر إيران ووكلاؤها اللبنانيون اسم رفيق الحريري، الذي اغتاله “حزب الله” عام 2005، في رسائلهم التهديدية الموجهة إلى بيروت.
وتتعامل بيروت بجدية مع هذه التهديدات. ففي منتصف أبريل، بعد أسابيع قليلة من تداول تقارير عن محاولة انقلاب لـ”حزب الله” على حكومة سلام، صدرت الأوامر إلى الجيش اللبناني بالانتشار في بيروت للتصدي لـ”الحزب” وحماية السراي الحكومي.
لم يوافق “حزب الله” وإيران على المحادثات المباشرة مع إسرائيل، لكن خيارات بيروت كانت محدودة. فبعدما خرق “حزب الله” وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وانخرط في الحرب في خدمة إيران في الثاني من مارس/آذار، تدهورت الأوضاع في لبنان على نحو حاد. وعندما تم التوصل إلى أول وقف لإطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت إسرائيل تحتل خمس نقاط استراتيجية على قمم تلال بمحاذاة الحدود. لكن بعد أن خرق “حزب الله” الهدنة، وسّعت إسرائيل احتلالها ليشمل مناطق واسعة من جنوب لبنان، مما أدى إلى نزوح ما يقرب من مليون شخص، معظمهم من الشيعة، إلى شمال الليطاني. وقد دفعت الأزمة الإنسانية الناتجة- إلى جانب توقف معظم النشاط الاقتصادي في البلاد بسبب استئناف القصف الإسرائيلي، ولا سيما في بيروت- الحكومة اللبنانية إلى فعل كل ما يلزم للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وجاء لبنان إلى واشنطن على أمل أن تتوسط الإدارة الأميركية للتوصل إلى هدنة. وبعد أيام من الاجتماع في وزارة الخارجية، أعلن الرئيس ترمب، عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فرض وقف للأعمال القتالية لمدة عشرة أيام. وقال: “لن تقصف إسرائيل لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة الأميركية تمنعها من ذلك. لقد طفح الكيل”. وسواء كانت واشنطن قد فرضت وقف إطلاق النار استجابة لمطالب إيرانية تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، أو رغبة منها في تشجيع الاتصالات المباشرة الواعدة بين لبنان وإسرائيل، فإن ذلك لا يغير الكثير في النتيجة. فقد حصل لبنان على المتنفس الذي كان يحتاج إليه. ولا شك أن إسرائيل أقل ارتياحا إلى هذه القيود، لكنها ستواصل، مع ذلك، احتلال الجنوب عسكريا في المستقبل المنظور، مع احتفاظها بحقها في استباق أي عدوان من “حزب الله”.
وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه وقف القتال، توجه الرئيس عون إلى اللبنانيين بخطاب قدم فيه دفاعا قويا عن السيادة، فقال:
“نعلم أيضا أننا سنكون هدفا للهجمات لسبب بسيط: لقد استعدنا للبنان استقلاله وحقه في اتخاذ قراراته للمرة الأولى منذ ما يقرب من نصف قرن. نحن نتفاوض اليوم باسمنا، ونقرر باسمنا. لم نعد ورقة في جيب أحد، ولا ساحة لحروب الآخرين. ولن نكون كذلك أبدا.”
لم يذكر عون “حزب الله” أو إيران بالاسم في خطابه، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. فقد كان كلامه تعبيرا جريئا وصريحا عن نهج الحكومة الجديدة في ما يتعلق بسلطة الدولة. أما رد “حزب الله” فجاء حادا، كما كان متوقعا. إذ قال محمود قماطي: “المقاومة هي التي تفرض… ونحن من يضع القرارات.”

الرئيس اللبناني جوزيف عون يُلقي خطابا متلفزا موجها للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي، شرق العاصمة بيروت، في 17 ابريل 2026
وقد عرضت الحكومة اللبنانية رؤيتها لسيادة الدولة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في المضي بهذا المسار. وأبرز هذه التحديات التهديد الحقيقي بالعنف من جانب “حزب الله”، وهو ما يسميه “الحزب”، بلغة ملطفة، “حربا أهلية”. فمنذ عام 2005، حين اغتال “حزب الله” رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، قتل “الحزب” ما يقرب من عشرين سياسيا وصحافيا وناقدا محليا آخرين. وثمة مشكلة أخرى تتمثل في استيلاء “الحزب” وحلفائه على مفاصل الدولة، إذ يتغلغلون في أنحاء البيروقراطية ويشغلون مواقع رئيسة في السياسة والاقتصاد والأمن القومي.
وفي لبنان تقليد طويل من إرجاء الحكومات للقرارات الصعبة. وبالنسبة إلى كثيرين في بيروت، تتقدم “الوحدة الوطنية” على هدف ترسيخ سيادة الدولة. وبالفعل، خلال الأشهر السبعة الأولى من ولايته، سعى الرئيس عون إلى التفاوض على نزع سلاح “حزب الله” طوعا، بدلا من المجازفة بأي نوع من المواجهة مع “الحزب”. بل طرح أيضا فكرة استيعاب عناصر من الميليشيا في صفوف القوات المسلحة اللبنانية بوصفها حلا وسطا.ر عدم استجابة لأوامر الحكومة حين يعدّها مهددة له. ففي عام 2008، على سبيل المثال، رفض الجيش تنفيذ قرارين حكوميين كان من شأنهما الإضرار بـ”حزب الله”. ثم عاد الجيش لينسق مع الميليشيا ويتفادى الاحتكاك معها عندما اجتاحت بيروت وأطلقت النار على منزل رئيس الوزراء. ومؤخرا، في مارس/آذار الماضي، امتنع قائد الجيش اللبناني عن التجاوب مع تكليف بإعداد خطط لنزع سلاح “حزب الله” شمال الليطاني.
ويواجه عون وسلام أيضا ضغوطا زمنية. فبسبب المخاوف من عنف قد يلجأ إليه “حزب الله”، يرجح أن تمضي بيروت تدريجيا نحو هدفها المعلن المتمثل في احتكار الدولة للسلاح. لكن واشنطن، التي تتكفل منذ عام 2005 بتمويل جزء كبير من ميزانية القوات المسلحة اللبنانية، سترغب في رؤية تقدم ملموس في وقت قريب نسبيا. وكذلك إسرائيل، ولا سيما أن “حزب الله” استغل وقف إطلاق النار السابق لإعادة التسلح وإعادة تنظيم صفوفه. وبالنسبة إلى لبنان، تتمثل الأولوية في تثبيت وقف إطلاق النار خلال المفاوضات الجارية. أما هدف إسرائيل فهو أن تفي الحكومة اللبنانية بالتزامها الوارد في وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وعلى رأسه نزع سلاح “حزب الله”.
ومن ترسيم الحدود البرية إلى اتفاقات المياه، يمكن إنجاز الكثير عبر المحادثات المباشرة. لكن هذه المفاوضات قد تتعثر، وقد ينهار وقف إطلاق النار، إذا لم تبدأ الحكومة في اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء سيطرة “حزب الله” على الدولة. وبعد أكثر من عام ونصف العام على تولي الرئيس عون ورئيس الوزراء سلام منصبيهما، بدأ الاثنان في اتخاذ قرارات وتنفيذها دفاعا عن المصالح اللبنانية لا الإيرانية. وإذا واصلت بيروت هذا المسار، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون صعبة، لكن البديل عن ممارسة سيادة الدولة هو استمرار هيمنة “الحرس الثوري” الإيراني، وهي الهيمنة التي تشكل بدورها سببا مباشرا لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب. والحكومة تملك اليوم زخما واهتماما أميركيا يهيئان لحظة فرصة لا ينبغي التفريط بها.
