في 9 آذار 2018 غاب في إسبانيا العميد غابي لحود رئيس الشعبة الثانية (مخابرات الجيش) سابقًا، بعد أن قضى خارج لبنان قرابة 48 سنة. رحل بهدوء، وهو الذي كان شاغل الناس في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم.
كثيرة الأخبار عن العميد غابي لحود التي لو جمعت لاحتوتها مجلدات، وفي هذه الأسطر أنقل بعض ما ورد عنه في كتابي “جورج سعاده رجل المهمات الشاقة”، الذي أعكف على إنجازه.
عصر الأربعاء 25 نيسان 1973، غاب فجأة الرئيس فؤاد شهاب، إثر نوبة قلبية حادة لم تمهله حتى يصل الطبيب، فطوى بغيابه صفحة من تاريخ لبنان، وكأن لبنان لا تكفيه مشاكله المتراكمة، من قضية فردان والأزمة الحكومية وما يجري في الجنوب، حتى أضيفت قضية جديدة هي مشاركة ضباط الجيش اللبناني الهاربين خارج لبنان في جنازة الرئيس شهاب.
مساءً، استدعى الشيخ بيار الجميل الدكتور جورج سعاده وأبلغه أنه تلقى اتصالًا من مقربين من العقيد غابي لحود الموجود حاليًا في إسبانيا يطلبون تدخله لدى الرئيس سليمان فرنجية للسماح له بالمجيء إلى بيروت للمشاركة في الجنازة، وطلب منه التوجه إلى قصر بعبدا ونقل هذه الرغبة التي هي أيضًا رغبة الشيخ بيار الجميل إلى رئيس الجمهورية.
غادر الدكتور جورج سعاده إلى قصر بعبدا وكان سبقه الوزير إدمون رزق والتقيا الرئيس فرنجية ناقلين رغبة الشيخ بيار الجميل بتسهيل عودة العقيد غابي لحود للمشاركة في جنازة الرئيس شهاب، فأبلغهم رئيس الجمهورية أن موفدًا من الرئيس السوري حافظ الأسد فاتحه قبل قليل بناءً لطلب الرئيس رشيد كرامي وعدد من القيادات الشهابية برغبة الضباط الموجودين في سوريا بالعودة أيضًا، وأنه من الناحية المبدئية لا يمانع، ولكن يجب إيجاد مخرج قانوني يحفظ هيبة الدولة.
ثم انضم إلى الاجتماع الوزير خليل بو حمد، وقدّم مطالعة قانونية بصفته محاميًا، أشار فيها إلى أنه لا يمكن للضباط المحكومين غيابيًا العودة، إلا بعفو رئاسي الذي لا يمكن إصداره طالما الأحكام غيابية، فالبحث يجب أن ينحصر بوجوب تسليم الضباط أنفسهم وإعادة محاكمتهم ومن ثم إصدار عفو عنهم، وهذا لا يمكن حصوله في ساعات: هذا من الناحية القانونية.
لم يشأ الرئيس فرنجية تجاوز الأصول القانونية، خاصة وأن البعض أشار له إلى أنه لا يجوز في هذا الظرف الدقيق وبعد ما جرى في فردان والأزمة الحكومية، إظهار هكذا تحدٍ في وجه القيادات المعارضة للشهابية، فلا بأس من تأجيل الموضوع لبعض الوقت.
عاد الوزير إدمون رزق والدكتور جورج سعاده والتقيا الشيخ بيار الجميل ليلًا في منزله، ناقلين أجواء القصر، فأبدى رئيس “الكتائب” انزعاجًا واضحًا من مسار الأمور، مشيرًا إلى أن الوضع الآن هو إنساني قبل أن يكون قانونيًا، وختم قائلًا: “لا بأس، ولكن لا يجوز لهذه المهزلة أن تستمر طويلًا، ويجب إعادة الضباط في أسرع وقت وكرامتهم محفوظة”.
وطلب إبلاغ من اتصل به للعمل على تسهيل عودة العقيد لحود أسفه لعدم تمكنه من فعل شيء، واعدًا بإثارة موضوع الضباط وإقفاله قريبًا جدًا.
ظهر الأحد 11 آب 1974 غادر جورج سعاده يرافقه النائب السابق أنطوان الهراوي بيروت إلى مدريد للقاء العقيد غابي لحود موفدين من الرئيس سليمان فرنجية لإقناعه بالانضمام إلى رفاقه الضباط، الذين تقدموا بطلبات استدعاء لإعادتهم إلى الخدمة بعد تبرئتهم من قبل المحكمة العسكرية.
في العاصمة الإسبانية التقيا العقيد لحود طارحين رغبة الرئيس فرنجية الموافق على إعادة الضباط إلى الخدمة شرط تنازلهم عن مراجعات الإبطال لدى مجلس شورى الدولة، وأكد النائب الهراوي للعقيد لحود أن الرئيس فرنجية لن يوقع على مرسوم إعادة الضباط إلى الخدمة ما لم يكن بينهم إسمه.
خلال اللقاء جرى استعراض لمجمل عمل المكتب الثاني منذ المرحلة الشهابية وحتى اليوم ومما قاله الدكتور جورج سعاده للعقيد لحود مازحًا: “في زمنكم كانت الشعبة الثانية تأتي بتقارير عن أحداث أمنية متوقعة، اليوم أصبحت تحيط الحكم علمًا بالأحداث بعد وقوعها”.
رغم المفاوضات، رفض العقيد لحود العودة إلى لبنان منتظرًا صدور حكم مجلس الشورى، طالبًا نقل شكره إلى رئيس الجمهورية متمنيًا عليه عدم ربط عودة رفاقه بشرط عودته.
وبعث مع الدكتور سعاده برسالة شفهية للشيخ بيار الجميل يتخوّف فيها من حمام دم قادم إلى لبنان ومما قاله: “ستدفع الكتائب ثمنًا غاليًا دفاعًا عن لبنان هذا قدرها عسى أن تستطيع الصمود”.
خرج سعاده من لقاء العقيد لحود بانطباع أنه رغم ابتعاده عن لبنان ما زالت تصله معلومات دقيقة جدًا عن الأوضاع في البلد. وما قاله للنائب الهراوي: “بعدها ملائكة العقيد لحود في الجيش”.
من العاصمة الإسبانية عاد سعاده ورفيقه من دون تحقيق نتيجة تذكر، وأطلعا رئيس الجمهورية على فشل مهمتهما وموقف العقيد لحود المتصلب.
كما أطلع الدكتور جورج سعاده الشيخ بيار الجميل على ما جرى معه والرسالة التي يحمل، فلم يستغرب رئيس “الكتائب” موقف الرئيس السابق للشعبة الثانية وقال لسعاده: “من البداية ما كان لهذا الأمر أن يحدث، فهذه الشرشحة التي أصابت الجيش أضرت بالبلاد أكبر ضرر”.
وما جاء أيضًا في ملف رئاسيات لبنان 1988 الذي أصدرته صحيفة “النهار” في كتيب غابي لحود الذي كان يرأس عام 1970 الشعبة الثانية في الجيش اللبناني، أنه انتقل ساعة عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية إلى منزل صديقه عربيد عربيد في محلة المصيطبة وفي اعتقاده أن الانتخابات مضمونة للمرشح الشهابي الياس سركيس بما لا يقل عن 5 أصوات، لذلك رفض طلب النهجيين إرسال دبابة إلى ساحة النجمة لضبط جماعة المعارضة التي راحت تهلل لكل نائب أعلن أنه سيصوّت للوزير سليمان فرنجيه وتعرب عن غضبها في وجه الآخرين، ويؤكد أحد المقربين من العميد لحود أنه لو أنزلت الدبابة وقتها إلى ساحة النجمة لانقلبت نتيجة الانتخابات، لكن لحود ديمقراطي وصادق ولو استعمل بعض القسوة لما كان مصير البلاد على ما هو عليه اليوم.
هذه الرواية أكد عليها اللواء سامي الخطيب في كتابه “في عين الحدث” مشيرًا الى أنه طلب شخصيًا من العميد لحود السماح له بإنزال الدبابة وإحالته لاحقًا للمحاكمة، لكن رئيس الشعبة الثانية رفض بحزم هذه الفكرة.


