ترجمة وإعداد “الشفاف”
رغم أنّ أوكرانيا كثّفت منذ عام 2022 نداءاتها طلبًا للمساعدة في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، فقد اضطرت إلى تطوير قدراتها الخاصة على اعتراضها، وهي قدرات باتت اليوم مطلوبة بشدّة من قبل دول الخليج، كما يلاحظ المؤرخ جان-بيار فيليو في مقالته.
منذ أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في 28 فبراير، بدا وكأن العالم اكتشف فجأة حجم التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة الإيرانية.
حتى ذلك الحين، كان البرنامج النووي والترسانة الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية هما محور الاهتمام الدولي. لكن الصور اللافتة لطائرات مسيّرة تضرب أهدافًا في الخليج، ولا سيما فنادق في دبي بالإمارات العربية المتحدة، سرعان ما انتشرت بشكل واسع.

إضافة إلى ذلك، أظهرت استخدامات هذه الطائرات تصعيدًا خطيرًا في النزاع، سواء عبر استهداف قاعدة بريطانية في قبرص في 1 مارس، أو ضرب أراضي أذربيجان بعد أربعة أيام.
كان يكفي، في الواقع، إدراك أن طائرات “شاهد” (أي “الشاهد” بالفارسية) هي حرفيًا طائرات انتحارية، طوّرها الإيرانيون والروس بشكل منهجي وعلى مدى أكثر من عقد. فلماذا إذن تم التقليل من شأن هذا التهديد لفترة طويلة؟
الحاضنة السورية
قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، منذ عام 2011، تقديم دعم غير مشروط لنظام بشار الأسد في سوريا، الذي كان يواجه احتجاجات ثورية واسعة. وقد تعزز هذا التعاون بشكل كبير في عام 2015 مع التدخل العسكري المباشر للطيران الروسي، غالبًا بالتنسيق مع ميليشيات موالية لإيران يقودها عناصر من الحرس الثوري.
هذا التعاون الميداني الوثيق أدى إلى تطوير مشترك في مجال الطائرات المسيّرة، خصوصًا في قاعدة “تياس” (“التيفور) في صحراء تدمر. وقد تطورت طائرات “شاهد” من طراز 123 ثم 129، إلى الطراز 136 الذي يصل مداه إلى 2500 كيلومتر. وبما أن سرعة “شاهد 136” تقل عن 200 كيلومتر في الساعة، فإن التحدي لم يكن في اكتشافها بل في اعتراضها. لذلك عمل المهندسون الإيرانيون والروس على تطوير تكتيكات الإطلاق الجماعي لتشتيت وإغراق أنظمة الدفاع الجوي.
وقد نُقلت أساليب الرعب التي جُرّبت ضد السكان السوريين إلى أوكرانيا خلال الغزو الروسي في فبراير 2022. وتم تغيير الاسم من “شاهد” إلى “غيران” (أي “إبرة الراعي” بالروسية).
لكن تأثير هذه الهجمات كان مدمرًا في أوكرانيا كما كان في سوريا. ولهذا السبب، وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نداءً قويًا إلى إسرائيل لتعزيز الدفاعات الجوية لبلاده، لكنه واجه رفضًا من القادة الإسرائيليين الذين فضّلوا الحفاظ على علاقتهم مع روسيا في سوريا. بل إن إسرائيل رفضت تقديم أي دعم عسكري لأوكرانيا، وحتى الانضمام إلى العقوبات الدولية ضد روسيا.
وفي أكتوبر 2022، حذّر زيلينسكي الرأي العام الإسرائيلي قائلاً:
«هل أنتم مع العالم الديمقراطي الذي يقاتل جنبًا إلى جنب ضد تهديد وجودي؟ أم مع من يتسامح مع الإرهاب الروسي؟»
تغيّر في الحجم والنطاق
عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في ديسمبر 2022، وكان أكثر تشددًا في رفض دعم أوكرانيا، خاصة مع تركيزه على الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023.

في الوقت نفسه، طوّرت روسيا قدراتها الإنتاجية الخاصة لطائرات “شاهد-غيران”، حيث أصبحت تنتج آلاف الوحدات شهريًا. وقد أدى هذا التحول إلى تصعيد كبير في عدد الهجمات على أوكرانيا.
كما تم تطوير طراز “غيران-3″، الأسرع بثلاث مرات من “غيران-2”. وأصبحت أنظمة التشويش أكثر تقدمًا، إلى جانب استخدام طائرات وهمية لإرباك الدفاعات الأوكرانية.
رغم ذلك، استمر نتنياهو في الحفاظ على علاقته مع بوتين، حتى بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بل ودافع لدى دونالد ترامب عن بقاء القواعد الروسية في سوريا.
ثمن التناقض الاستراتيجي
اليوم، يبدو ثمن هذا التناقض الاستراتيجي باهظًا للغاية. فقد ساعدت روسيا إيران على الاستفادة من التحسينات التي أُدخلت على طائرات “شاهد-غيران”، ما زاد من قدرتها التدميرية.
والأسوأ من ذلك أن مكونات غربية، وصلت إلى روسيا عبر الالتفاف على العقوبات (بما في ذلك عبر الإمارات العربية المتحدة)، باتت تُستخدم الآن في الطائرات الإيرانية.
ولم تبدأ دول الخليج في التحرك إلا بعد تعرضها لهجمات إيرانية، حيث لجأت إلى أوكرانيا للاستفادة من خبرتها في مواجهة هذا النوع من التهديدات.
في المقابل، ترفض الإدارة الأمريكية الاعتراف بأن الاستخبارات الروسية تساعد إيران في تحديد الأهداف، بما فيها أهداف أمريكية.
ويعزز هذا الإنكار المستمر من مكانة فلاديمير بوتين كأكبر مستفيد من الحرب التي أطلقها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قبل أكثر من ثلاثة أسابيع.
*جان ـ بيار فيليو أستاذ في كلية العلوم السياسية، باريس
