في مشهدٍ تراجيدي يجمع بين لغة الأرقام الفلكية وبروباغاندا “عودة الحياة”، ظهر رئيس حكومة الصفقة، “عبد الحميد الدبيبة”، ليعلن عن الميزانية الموحدة لعام 2026. لكن خلف هذا “الاتفاق المالي” الذي وُلِدَ تحت سطوة “العصا الأمريكية الغليظة”، تَكمُن حقائق مرعبة تتجاوز مجرد توحيد الدفاتر المحاسبية؛ إنها محاولة لتدوير سلطة استنزفت في خمس سنوات ما يقارب تريليون دينار، مُخَذشلفةً وراءها شعباً يغرق في فَقر “متعدد الأوجه” ومؤسسات تعليمية مهدمة.
صناعة البؤس: بين الفساد الرجيم وحكم المفترسات
بينما يتفاخر “الدبيبة” بضخ مليارات التنمية والمرتبات، يغفل عن الحقيقة الصادمة التي أنتجتها “صفقته السياسية“:
تشيرالتقديرات الواقعية إلى أن الفقر متعدد الأوجه في ليبيا قد تجاوز عتبة الـ 40%. إن إنفاق تريليون دينار في 5 سنوات دون تحسين معيشة المواطن ليس مجرد فشل إداري، بل هو “جريمة اقتصادية” مكتملة الأركان، حيث تبخرت الثروة في ثقوب الفساد السوداء بدلاً من أن تتحول إلى أمن غذائي وخدمات وكرامة.
الميزانية الجديدة، بأرقامها الضخمة، لا تبدو كخطة إنقاذ بقدر ما هي “حقنة تخدير” لاستمرار منظومة المحسوبية، حيث يُمنح المواطن “فتات المرتبات” بينما تذهب الحصة الكبرى لشرعنة نفوذ النخب والمليشيات.
المربع الأسود: انتهاك الحقوق وحماية الجُناة
تجاهل “الدبيبة”، بشكل متعمد، مخرجات التقارير الدولية (مجلس الأمن، ديوان المحاسبة، المنظمات الحقوقية) التي وضعت ليبيا في “المربع الأسود“:
حيث حرص على استبقاء مسؤولين ومؤسسات تلاحقهم شبهات فساد وجرائم موثقة، بل ومكافأتهم بمناصب وصلاحيات، ما يؤكد أن حكومته ليست إلا “مظلة” لحماية شبكات المصالح العميقة.
كما أن الحديث عن “دولة عادلة تُصان فيها الكرامة” يتصادم مع واقع الانتهاكات التي تقودها أذرع تابعة للحكومة؛ من قمع للحريات وتغييب قسري وتعدٍ على الحقوق الأساسية، ما يجعل “الكرامة” في الخطاب مجرد مفردة لغوية مفرغة من محتواها.
التدمير الممنهج لقطاع التعليم والبحث العلمي
تحدث الدبيبة عن “ملاعب ومسابح” في قصر الأخيار، لكنه صمت عن “الخراب الشامل” الذي أصاب عصب الأمة:
بينما شهدت سنوات حكمه تراجعاً كارثياً في جودة التعليم بجميع مراحله. المدارس المتهالكة، غياب المناهج العلمية الرصينة، والقرصنة الممنهجة لحقوق المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي، كلها شواهد على سياسة “تجهيل” غير معلنة، تُفرغ الدولة من كوادرها لصالح تعزيز سلطة “الولاء للأشخاص لا للأوطان”.اتفاق (2+2): السيادة المسلوبة وشرعية “التهديد“
إن شكر الخزانة الأمريكية والمستشار “بولس” هو إقرار رسمي بأن القرار المالي الليبي لم يعد ملكاً لمؤسساتها:
▪︎ هذه الميزانية لم تُقر بتوافق وطني نابع من الاحتياجات، بل كانت “صفقة إكراه” لضمان تدفق النفط ومنع الفوضى التي قد تضر بالمصالح الدولية.
▪︎ يحاول الدبيبة تسويق “الرضوخ للضغوط” كأنه “صبر وسعي من أجل الوطن”، بينما الحقيقة هي أن الحكومة رضخت لآليات الرقابة الدولية (مثل التدقيق الخارجي على مؤسسة النفط) لأنها فقدت ثقة الليبيين والمجتمع الدولي على حد سواء.
هل ترمم “البروباغاندا” ما دمَّره “الفساد”؟
إن إقرار ميزانية موحدة هو إجراء تقني لا قيمة له إذا استمرت نفس العقلية التي أهدرت التريليون السابق. إن محاولة الدبيبة القفز عن إرث الخمس سنوات الماضية عبر خطابات عاطفية لن تمحو حقيقة أن المواطن الليبي بات غريباً في بلده، محاصراً بفقر يتمدد، وتعليم ينهار، ومؤسسات تُدار بعقلية “الرشوة والولاء“.
ميزانية 2026 ليست “عودة للحياة”، بل هي “تمديد لعمر الأزمة” تحت غطاء مالي موحد، ومحاولة لغسل خطايا إهدار ثروات الأجيال بوعود براقة وصمتٍ مريب عن جرائم الفساد والاستبداد.
