لقد تحول ملف المصالحة في ليبيا، عبر خارطة جنيف وما تلاها، من مشروع وطني لإنقاذ الإنسان إلى “ثقب مالي وأخلاقي” تتسلل منه النخب الحاكمة لتمويل رفاهيتها السياسوية. إن ما نشهده اليوم ليس “تعثراً” في المسار، بل هو نجاح باهر في عملية “تزييف الوعي“، حيث تُستخدم المصالحة كغطاء (حق) لإدامة سلطة غاشمة (باطل).
المصالحة كـ “باب خلفي“: من جبر الضرر إلى تمويل الرفاهية
لقد قُدِّمت المصالحة في “اتفاق جنيف” كبند شكلي، لكنه تحول عملياً إلى “منجم ذهب” لتمويل ما يمكن تسميته بـ“السياحة السياسوية“.
وهم “الحوار المهيكل“: إدارة الأزمة تحت ظلال المقصلة
عندما انفضحت “صفقة جنيف” وبدأت ملامح انهيارها تلوح، سارعت بعثة الأمم المتحدة (اليونسميل) لإنتاج فصل جديد تحت مسمى “الحوار المهيكل“.
هذا الحوار ليس إلا “حقنة تخدير” جديدة، تهدف إلى إيهام المجتمع الدولي بوجود حراك، بينما هو في العمق يوفر“غطاءً شرعياً” للكلبتوقراطية القائمة.
• البعثة كحارس للوضع الراهن: تحولت البعثة الأممية من “داعم للتحول الديمقراطي” إلى “مدير للأزمة“، يسعى لتمديد عمر الأجسام الحالية حد الانهيار الشامل، متجاهلاً حقيقة أن هذه الأجسام تمارس توحشاً واستبداداً يتجاوز أحياناً ما كان يمارس في العهود السابقة.
الجدلية المركزية: الحق تحت المقصلة؟
إن السؤال الجوهري الذي يهرب منه الجميع هو: كيف نتصالح تحت مقصلة قمع الفكر والرأي؟ إن المصالحة الاجتماعية التي تتم في ظل “سيف الاستبداد” وتوحش السلطة العمومية غير الشرعية هي “مصالحة بالإكراه“، وهي في الواقع “إذعان” لا “وئام“.
فلسفة المصالحة: من “الترميم” إلى “التهشيم“.
المقاربة الحالية تحاول “ترميم” الاستبداد وإعطاءه مسحة إنسانية عبر شعارات المصالحة. لكن التحليل المنطقي يقول إن المصالحة الحقيقية هي فعل ثوري بالأساس:
إن ما يحتاجه الواقع الليبي ليس “فصلاً جديداً” في قاعة مظلمة تحت رعاية أممية، بل هو إشعال الضوء في القاعة أولاً.
لا يمكن نجاح أي مصالحة لا تضع “تهشيم بنية الاستبداد” كشرط مسبق.
الثقة لا تُبنى بالوعود الدولية، بل بتفكيك “المقصلة” التي تهدد كل من يفتح فمه بالحقيقة. أي مسار يتجاوز “الحريةالفكرية” و“الشفافية المالية” هو مجرد استمرار لإدارة الانهيار، وتوفير مزيد من الوقود لطائرة الرفاهية التي يركبهامن يتاجرون بجراح الوطن.
المصالحة الحقيقية ليست “حقاً أُريد به باطل“، بل هي “حق يزهق الباطل” ويجتثه من جذوره.
